أثار تعثر بنك «أوينو» (Ueno Bank)، أحد أبرز البنوك الرقمية في باراغواي، موجة من الجدل والقلق بعد تدخل البنك المركزي في 3 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وتعليق عمليات البنك، ما أدى إلى تعذر وصول ملايين العملاء إلى حساباتهم المصرفية، وسط تداعيات مالية وسياسية واسعة في البلاد.
لكن المنشورات المتداولة بشأن الأزمة تضمنت معلومات غير دقيقة، من بينها أن أكثر من 3 ملايين شخص فقدوا مدخراتهم ومعاشاتهم نهائياً، وأن الحكومة فرضت على المواطنين التعاملات الإلكترونية، ما تسبب في انهيار البنك.
ماذا حدث فعلياً؟
بحسب وكالة «رويترز»، فإن بنك «أوينو» الذي تأسس عام 2021، توسع بسرعة كبيرة في السوق المصرفية الباراغوايانية، ووصل عدد عملائه إلى نحو 3 ملايين شخص، كما كان يدير أموالاً عامة تُقدّر بنحو 850 مليون دولار.
وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر، قرر البنك المركزي في باراغواي إخضاع البنك لإجراءات التسوية المصرفية، بعد اكتشاف تراجع مؤشر الملاءة المالية لديه إلى أقل من نصف الحد الأدنى المطلوب قانوناً، في أعقاب مراجعات رقابية كشفت عن مشكلات في جودة الأصول والإقراض لشركات مرتبطة بالمساهم المسيطر على البنك.
ووفقاً لوكالة الأنباء الإسبانية «إفي»، فإن قرار التدخل أدى إلى تعليق جميع خدمات البنك وإغلاق فروعه، الأمر الذي حرم العملاء مؤقتاً من الوصول إلى حساباتهم وإجراء معاملاتهم المصرفية.
هل فقد 3 ملايين شخص مدخراتهم ومعاشاتهم؟
لا تعني الأزمة أن 3 ملايين شخص فقدوا أموالهم نهائياً، بل إن هذا الرقم يمثل عدد عملاء البنك الذين تأثروا بتعليق خدماته.
وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن السلطات بدأت إجراءات لحماية أموال المودعين ونقل الحسابات والودائع إلى مؤسسات مصرفية أخرى، مع تفعيل صندوق ضمان الودائع الذي يغطي ما يصل إلى نحو 38 ألف دولار لكل مودع.
وأوضحت الوكالة أن السلطات تعمل على ضمان استرداد الودائع، فيما تعتمد إمكانية استرداد المبالغ التي تتجاوز سقف الضمان على نتائج إجراءات التسوية وتقييم أصول البنك.
كما أشارت إلى أن صندوق التقاعد الحكومي لديه استثمارات كبيرة لدى البنك، وأن نحو 32 ألف متقاعد كانوا يتلقون معاشاتهم من خلاله، لكنها نقلت عن مسؤولين أن معاشات الشهر الجاري ستُصرف بصورة اعتيادية، لأن الأموال المخصصة للدفع موجودة لدى بنك آخر.
هل فرضت الحكومة الدفع الإلكتروني وتسبب ذلك في الأزمة؟
لا تتوافر أدلة موثوقة في التقارير المنشورة عن الأزمة تثبت أن حكومة باراغواي فرضت على المواطنين استخدام الدفع الإلكتروني في الدوائر الحكومية، أو أن هذا التوجه كان سبباً في تعثر البنك.
وبحسب «رويترز»، فإن بنك أوينو اعتمد نموذجاً مصرفياً رقمياً ساعده على استقطاب ملايين العملاء، من خلال تقديم خدمات مصرفية ومدفوعات إلكترونية، إلا أن الأزمة ارتبطت بمشكلات مالية ورقابية، وفي مقدمتها تراجع الملاءة ومخاطر الإقراض والتمويل لشركات مرتبطة بالمساهم المسيطر عليه.
أزمة مصرفية تتحول إلى أزمة سياسية
لم تقتصر تداعيات القضية على الجانب المالي، إذ أثارت تساؤلات بشأن الرقابة المصرفية والعلاقات بين البنك والدوائر السياسية في البلاد.
وذكرت «رويترز» أن رئيس البنك المركزي كارلوس كارفالو قدم استقالته في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، بطلب من الرئيس سانتياغو بينيا، في ظل الانتقادات المتعلقة بكيفية الإشراف على البنك، خصوصاً أن كارفالو سبق أن تولى إدارة «أوينو» حتى عام 2023.
كما طلبت النيابة العامة فتح تحقيق جنائي في القضية، وصدر قرار بتوقيف ثمانية أشخاص مرتبطين بالبنك، على خلفية شبهات تتعلق بإدارته وعملياته المالية.
وفي تطور سياسي لاحق، أفادت «أسوشيتد برس» و«رويترز» بأن الرئيس سانتياغو بينيا استقال في 5 تشرين الثاني/نوفمبر، وسط تصاعد الأزمة السياسية والتحقيقات والاتهامات المتعلقة بعلاقات سابقة تربطه بالمجموعة المالكة للبنك.
هل تنذر الأزمة بانهيار النظام المصرفي في دول أخرى؟
رغم أهمية ما حدث في باراغواي، لا توجد حتى الآن أدلة اقتصادية تثبت أن هذه الأزمة تنذر بانهيار البنوك الرقمية أو تكرار السيناريو نفسه في عدد من دول العالم.
وأكد البنك المركزي في باراغواي أن المشكلة مرتبطة بمؤسسة مصرفية محددة، ولا تعكس خللاً عاماً في النظام المصرفي للبلاد.
كما أن الدعوات المتداولة إلى تحويل المدخرات إلى الذهب والفضة لا تمثل توصية صادرة عن الجهات الرقابية أو نتيجة اقتصادية مثبتة للأزمة، وإن كان تنويع المدخرات وتوزيع المخاطر بين المؤسسات والأصول المختلفة من المبادئ المعروفة في إدارة الأموال.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر