نقطة ضوء | صباح الخير يا حكومة... ماذا تركتم للمواطن ؟
الكاتب: د . عدنان ملحم
ليخرج رئيس الحكومة ، وزير المالية ، وزير الاقتصاد الوطني ، الهيئة العامة للبترول ، جمعية حماية المستهلك، ويقولوا للشعب بوضوح: لماذا أصبحت جرة الغاز بهذا السعر ؟ مئة شيكل للأسطوانة الواحدة ، ومع بعض الموزعين تصل إلى 110 شواكل مع التوصيل . مئة شيكل مقابل أسطوانة غاز يحتاجها كل بيت ، وليست سلعة كمالية يستطيع المواطن الاستغناء عنها .
المواطن يريد إجابة بسيطة وواضحة : كم تبلغ كلفة الأسطوانة فعليا ؟ كم ثمن الغاز ؟ وكم تكاليف الشحن والتأمين والتخزين والنقل والتوزيع ؟ وكم الضرائب والرسوم ؟ وكم هامش الربح ؟ وأين يذهب الفرق ؟.
يقال إن سعر طن الغاز عالميا يدور في حدود 150 إلى 180 دولارًا، وإن الطن ينتج قرابة 83 أسطوانة . وبالحساب الأولي ، فإن قيمة الغاز الخام في الأسطوانة لا تفسر وحدها وصول سعرها إلى مئة شيكل . نعم ، هناك شحن وتأمين وتخزين ونقل وتوزيع وتكاليف تشغيل ، لكن السؤال الذي نريد من الجهات الرسمية أن تجيب عنه بالأرقام هو: هل يمكن لكل هذه التكاليف أن تبرر هذا الفارق الكبير ؟ .
ولماذا لا نرى كشفا رسميا واضحا لتكلفة الأسطوانة ، من لحظة استيراد الغاز حتى وصولها إلى مطبخ المواطن ؟ لماذا تبقى التسعيرة بالنسبة للمواطن رقما نهائيا ، من دون أن يعرف كيف تشكل هذا الرقم ؟ .
والأخطر من السعر الرسمي ما يحدث في السوق . فإذا كانت الحكومة قد حددت السعر بمئة شيكل ، فمن يراقب الموزعين الذين يضيف بعضهم عشرة شواكل أخرى ؟ ومن يراقب الأسعار ؟ ومن يحمي المواطن من أن يدفع مرتين : مرة بسبب ارتفاع التسعيرة، ومرة بسبب غياب الرقابة ؟ .
يُقدّر استهلاك الضفة الغربية بنحو 747 ألف أسطوانة غاز شهريا بوزن 12 كيلوغراما للأسطوانة . فإذا كانت الزيادة عشرة شواكل على الأسطوانة، فنحن نتحدث عن نحو 7 ملايين و470 ألف شيكل إضافية كل شهر . سبعة ملايين وأربعمئة وسبعون ألف شيكل ! فقط من أسطوانة الغاز المنزلية . فمن يدفع هذه الملايين ؟ ومن يستفيد منها ؟ ومن يشرح للمواطن أسبابها ؟ من جيبة المواطن تُجمع الملايين… فمن يملك الإجابة ؟ .
وفي الأردن ، يبلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلية من وزن 12.5 كيلوغرام نحو 30–35 شيكلا ، بينما يدفع المواطن الفلسطيني نحو 100 شيكل للأسطوانة ذات الاستخدام المنزلي . فهل أصبح المواطن الفلسطيني أغنى من المواطن الأردني ؟ أم أن هناك تكاليف وضرائب ورسوما وهوامش ربح تستحق أن نعرفها بالتفصيل ؟ نحن لا نريد مقارنات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل نريد مقارنة رسمية شفافة تضع المواطن أمام الحقيقة كاملة .
وإذا كانت اتفاقية باريس الاقتصادية لا تمنع السلطة الفلسطينية من تحديد أسعار غاز الطهي ضمن صلاحياتها ، فلماذا لا تُراجع هذه الأسعار ؟ ما الذي يمنع تخفيض سعر الغاز ؟ وما مقدار التخفيض الممكن فعليا ؟ ولماذا لا تخرج الجهات المختصة إلى الناس وتشرح لهم بالأرقام بدل أن يبقى المواطن أسير التخمين والشائعات ؟ .
المشكلة أن المواطن لا يعيش أزمة غاز فقط. هناك فقر وبطالة، ورواتب متأخرة أو غير مكتملة ، وارتفاع في أسعار المواد الغذائية ، وأقساط جامعات ، ودواء ، وكهرباء ، وماء، ومواصلات ، ومحروقات . حتى الخبز أصبح ثقيلا على بعض البيوت . ثم تأتي جرة الغاز لتقول للمواطن : وأنا أيضا ! .
في السابق ، كانت السياسات تقاس بقدرتها على دعم صمود المواطن . أما اليوم ، فيبدو أن المواطن تُرك ليصمد وحده ، بينما تتسابق الأسعار على اختباره . المواطن ليس ماكينة دفع ، وليس مطلوباً منه أن يدفع كل فاتورة العجز والغلاء بصمت .
يا رئيس الحكومة ، يا وزير المالية ، يا وزير الاقتصاد الوطني ، يا هيئة البترول ، يا جمعية حماية المستهلك ، وينكم ؟ نريد أن نعرف : من يضع سعر الغاز ؟ ومن يراقبه ؟ ومن يراجع كلفته ؟ ومن يحمي المواطن من الزيادة غير القانونية ؟ لا نريد خطبا عن الظروف الصعبة ؛ فالمواطن يعرف الظروف أكثر من الجميع ، لأنه يدفع ثمنها كل يوم .
نريد شفافية، وأرقاما ، وتسعيرة عادلة ، ورقابة حقيقية . أما أن ترتفع الأسعار، ثم نطلب من المواطن أن يتحمل ، فهذا ليس سياسة اقتصادية . هذا تحميل للمواطن فوق طاقته .
عمار يا بلد !
وإذا كان سعر جرة الغاز قد وصل إلى مئة شيكل ، فربما علينا أن نشكر أصحاب القرار على الإنجاز العظيم : ما زالت جلدة جرة الغاز مجانية ! فلا تقلقوا ، حتى لو وصلت الجرة إلى 150 شيكلا ، ستبقى الجلدة مجانية .
💢 ملاحظة مهمة : لسنا ضد شركات الغاز ، ولا ضد التجار الذين يعملون وفق القانون ، ولا نقول إن كل ارتفاع في السعر غير مبرر . لكننا نرفض أن يكون المواطن هو الطرف الوحيد الذي لا يملك حق السؤال . نريد كشف التكلفة الحقيقية ، وإعلان الضرائب والرسوم وهوامش الربح ، ومراجعة التسعيرة، ومراقبة الموزعين، وحماية الناس من أي زيادة غير قانونية . فالغاز ليس ترفا ، بل حاجة أساسية في كل بيت .
🔲 نص ، د . عدنان ملحم