القصر
العالم العربي

من التعليم إلى غزة.. كيف تحولت مظاهرات "جيل زد" في برلين إلى ساحة حراك سياسي وراديكالي؟

محرر العالم العربي 1 7 دقائق قراءة

دعت مبادرة "جين زد ريغلت" إلى تجمع احتجاجي عند بوابة براندنبورغ في برلين على الساعة 2:00 ظهرا . ومن بين مطالب المتظاهرين منحُ مزيد من الأموال للمدارس وحماية المناخ، وتكاليف معيشة يمكن تحمّلها، وعدم فرض الخدمة العسكرية الإلزامية.

اعلان
اعلان

وأكد المنظمون أن الفعالية ستسير بشكل سلمي. ومع ذلك عمدت بعض المتاجر في شارع "أونتر دن ليندن"، وفي "فريدريششتراسه" و"كورفورستندام"، إلى إقامة متاريس لحماية المحلات من عمليات نهب محتملة.

عند مدخل بوابة براندنبورغ في العاصمة الألمانية، شوهد رجل يرتدي سترة بألوان العلم الفلسطيني وهو يوزع منشورات. وغير بعيد عنه، كان يقف ممثل لصحيفة "يونغه فيلت"، المصنّفة على أنها يسارية متطرفة، حيث كان يعرض كتيّبات وصحفاً.

عدد كبير من الناشطين المؤيدين لفلسطين يشاركون التظاهرة

وعلى مسافة قصيرة، في ساحة 18 آذار/مارس، كانت أعلام فلسطينية وأعلام حركة "أنتيفا" ترفرف في السماء. وقد حملت اللافتات عبارات مثل "فشلنا في اختبار بيزا، لكن اجتزنا الفحص العسكري" و"المال للقطاع الاجتماعي بدلاً من الحرب"، وكذلك شعارات من قبيل "الأسلحة الألمانية تقتل أطفالاً في فلسطين" و"لا مال لدور رعاية الأطفال والمدارس وبيوت النساء، لكن هناك مالاً للحرب والإبادة الجماعية" و"أوقفوا الإبادة الجماعية في غزة".

وقد وضع الكوفية الفلسطينية كثير من المتظاهرين، الذي كان معظمهم من الشبان والشابات.

وقد التقت يورونيوز مجموعة من الشابات. وتقول بعضهن، بحسب ما ذكرن، إن أعمارهن تتراوح بين 19 و20 عاماً ويقضين حالياً سنة تطوّع في المجال الاجتماعي (إف إس ي). وتوضح إحداهن أنهن نزلن إلى الشارع تضامنا مع شباب فرنسا ومع الاحتجاجات على مستوى أوروبا، لكنهن قبل كل شيء أردن لفت الانتباه إلى أن الجيل الشاب لا يشعر بأن الساسة يأخذون همومه على محمل الجد. وتقول المتظاهرة الشابة: "هناك استمرار في العسكرة والتسليح، ولم يتبقَّ قرش واحد للتعليم والقضايا الاجتماعية."

كانت متظاهرتان تضعان كوفية حول العنق. وحين سألناها عن علاقة النزاع في الشرق الأوسط باحتجاجات التلاميذ هنا، قالت إحداهن: "إن القضية مرتبطة بحقيقة أننا، كجيل شاب أو كأفراد في ألمانيا عموماً، نتحمل مسؤولية إنتاج بلدنا أسلحة يُقتل بها مدنيون وأطفال في فلسطين، في غزة وفي الضفة الغربية". وتضيف: "لا أعتقد أنني سأستطيع يوماً أن أتعايش مع هذا الواقع إذا تجاهلت هذا الأمر كليا".

وفي مكان آخر كان يقف شاب يضع كوفية حول عنقه. وهو طالب يدرس الكيمياء في الجامعة الحرة (إف يو)، التي شهدت في الأعوام الماضية اعتصامات عدة مؤيدة للفلسطينيين.

يقول هذا الشاب إنه موجود في المظاهرة لأن الجامعات تواجه اقتطاعات مالية متواصلة، في حين ترتفع الإيجارات ويضطر الطلاب إلى العمل إلى جانب الدراسة. ويضيف: "في مرحلة ما يصبح الاستمرار على هذا النحو أمراً مستحيلاً". ويشير إلى أن الشباب يعانون أيضاً بشدة من سباق التسلح الجاري، قائلاً: "أنا ببساطة أعشر بالغضب مما يحدث الآن".

وعن سبب وضعه الكوفية، يقول الشاب إنه يدرس في "الجامعة الحرة" (إف يو). وهذه المؤسسة تدير 11 مشروع تعاون مع إسرائيل وهي بذلك تدعم بشكل غير مباشر أيضاً أبحاثا لها علاقة بالحرب. ويضيف أن هذا الأمر يمس ألمانيا أيضاً، نظراً لأن جمهورية ألمانيا الاتحادية تشتري أسلحة من إسرائيل. ويقول: "لا أريد لجامعاتنا أن توجد من أجل تصنيع منتجات حربية. ولا أريد لجامعة برلين الحرة أن تدعم إبادة جماعية".

مشاركة مجموعات راديكالية في التظاهرة

ومن بين المتظاهرين أيضاً ممثلون عن مجموعات يسارية راديكالية. فإلى جانب أعلام "أنتيفا"، ظهرت بأعداد أقل رايات منظمةُ الشباب التابعة لـ "حزب اليسار" (Die Linke)، والتي تُعرف باسم "لينكس يوغند ['سوليد]" (Linksjugend ['solid]). ولطالما واجهت هذه المنظمة انتقادات بسبب مزاعم تتعلق بمعاداة السامية، حيث تصدّر فرعها في حي "نويكولن" (Neukölln) عناوين الأخبار مؤخراً. كما تعرض فرع برلين للمنظمة ذاتها لانتقادات متكررة بسبب تبنيه قرارات مناهضة لإسرائيل ومواقفه المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط

وشاركت في التظاهرة أيضاً حركة "اليسار الثوري" من خلال منصة خاصة بها. وقد نشأ هذا التيار الماركسي داخل منظمة "الشباب اليساري ['solid]" (Linksjugend ['solid])، وهي الجناح الشبابي لـ "حزب اليسار" (Die Linke).

وفي مطلع عام 2023، أسس أعضاء مجموعة العمل الفيدرالية "اليسار الثوري" منظمة مستقلة تحمل اسم "شباب من أجل الاشتراكية" (Jugend für Sozialismus).

وجاءت هذه الخطوة على خلفية تصاعد الخلافات مع قيادة المنظمة الشبابية الأم، التي اتهموها بتبني نهج سياسي تصالحي، والابتعاد عن الصراع الطبقي، والاعتماد على هياكل تفتقر إلى الديمقراطية.

وتنتقد المنظمة توجيه المزيد من الأموال إلى الجيش الألماني (البوندسفير) على حساب المستشفيات والإنفاق الاجتماعي. ويقول أعضاؤها: "نحن، كجيل شاب، سنكون الأكثر تضرراً من هذا الوضع، وعلى المدى الأطول أيضاً".

ويوضح بعضهم أن هدفهم هو بناء مجتمع أفضل، ولهذا السبب شاركوا في الاحتجاج. كما يرون أنه من مصلحة أي منظمة يسارية المشاركة في فعاليات كهذه، ففي مثل هذه الأوساط تكمن القوة الحقيقية لإحداث التغيير.

ولدى سؤاله عن علاقة قضية فلسطين وصراع الشرق الأوسط بالاحتجاجات، أجاب قائلاً: "نحن نحرص دائماً على عرض جميع موادنا الإعلامية. ومع ذلك، ثمة رابط هنا، فإحدى المشكلات الرئيسية تكمن في أن الجيش الألماني (البوندسفير) ورغم كل ما يحدث، يواصل إجراء تجارب على الطائرات المسيرة بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، كما تستمر عمليات بيع الأسلحة للدولة العبرية. ونحن ندين ذلك بشدة. وبالطبع، إن الأمر مرتبط الأمر أيضاً بمسألة التجنيد الإجباري وتوسيع قدرات الجيش الألماني هنا".ا".

تصريحات متناقضة من السلطات الأمنية

قبل يومين من الاحتجاجات، صرّح المكتب الإعلامي لشرطة برلين -ردّاً على استفسار من "يورونيوز"- بأن مجموعات من الطيف السياسي اليساري بدأت تتفاعل مع الاحتجاجات الجارية في فرنسا وتدعو إلى الحشد. وأضاف المكتب: "مع ذلك، لا توجد حالياً معلومات موثوقة حول وجود تأثير متطرف موجّه أو عمليات توجيه لهذه المجموعة من قِبل جهات متطرفة".

غير أن تحقيقات يورونيوز تكشف عن صورة مختلفة. فعشية الاحتجاجات في برلين، ظهرت تهديدات صريحة تدعو إلى العنف داخل مجموعة خاصة على تطبيق "تلغرام". ووفقاً لما أوردته صحيفة "برلينر تسايتونغ" (B.Z.)، فقد أشار أحد المستخدمين إلى احتمالية وقوع أعمال عنف قائلاً: "سأخرج حاملاً ساطوراً". كما تضمنت التهديدات دعوات لمهاجمة معابد يهودية، والقيام بأعمال نهب وإضرام حرائق.

هياكل غير واضحة وانسحاب منظمين

وقبل التظاهرة، نأى العديد من المنظمين والداعمين بأنفسهم عن مبادرة "Gen Z regelt" (جيل زد يتولى الأمور). وقد برّر المتحدث السابق، جياني ماتيا، انسحابه بالإشارة إلى تباين في وجهات النظر داخل الحركة، بالإضافة إلى مخاوف من عدم بقاء الاحتجاجات سلمية.

ووجه المنسحبون من المبادرة انتقادات تتعلق بغموض المسؤوليات وغياب الشفافية في كيفية تنظيم الاحتجاجات وتمويلها. ووفقاً لتحقيق أجرته صحيفة "تاغس شبيغل" (Tagesspiegel)، فقد تفكك فريق التنظيم في برلين إلى حد كبير في مرحلة ما، رغم انضمام أعضاء جدد إليه لاحقاً.

وفي الفترة التي سبقت الاحتجاجات الطلابية على مستوى البلاد يوم السبت 31 أكتوبر، أكدت مبادرة "Gen Z regelt" على طابعها السلمي. ونقلت صحيفة "مونشنر ميركور" (Münchner Merkur) -عن صحيفة "دي تسايت" (Die Zeit)- تصريحاً لأحد المنظمين المشاركين، كونراد شميتز (16 عاماً) من مدينة فوبرتال، قال فيه: "نحن نريد النضال من أجل قضيتنا بطريقة سلمية"، مؤكداً رفضه للتطرف، سواء كان من اليسار أو اليمين. كما أفاد أكرم سيلو (18 عاماً)، وهو أحد المؤسسين المشاركين، بتلقيه تهديدات عديدة في الأيام الأخيرة، قائلاً: "إنهم يظنون أننا نريد تقليد الفرنسيين، ويعتقدون أننا نسعى لتدمير البلاد".

وبحلول الساعة الخامسة مساءً، حافظت الاحتجاجات عند بوابة براندنبورغ على طابعها السلمي.

تظاهرة ثانية في ساحة روزنتالر تحت أنظار الشرطة

إلى جانب التجمع عند بوابة براندنبورغ، كانت مظاهرة أخرى في برلين تحت مجهر الشرطة.

فقد دُعي إلى تجمع في ساحة "روزنتالر بلاتس"، (Rosenthaler Platz) بدءاً من الساعة 5:30 مساءً، تحت شعار "جيل زد طفح به الكيل!".

وقد توقعت التقديرات الأولية للشرطة مشاركة ما بين 400 إلى 500 شخص، مع احتمال انضمام أعداد أكبر بكثير إلى الاحتجاج.

وقد نأت مبادرة "جين زد ريغلت" بنفسها بشكل واضح عن هذه التظاهرة. ومع ذلك، شوهد في فترة ما بعد الظهر عشرات الرجال والنساء عند بوابة براندنبورغ وهم يوزعون منشورات تروّج إلى فعالية المساء، من دون أن يمنعهم فريق الإعلام أو المنظمون الموجودون في المكان.

وبحسب السلطات الأمنية، فإن هذه المظاهرة تحظى بدعم وترويج من أطراف تنتمي، من بين آخرين، إلى الطيف السياسي اليساري، وشخصيات مؤيدة للفلسطينيين.

اقرأ النسخة الكاملة