تعود مسرحية "بضعة رجال صالحين" (A Few Good Men)، التي أطلقت شهرة الكاتب الأمريكي آرون سوركين، إلى خشبة المسرح في مركز لينكولن بنيويورك، بمشاركة برادلي ويتفورد، وتوم بليث، وكريستا رودريغيز، في عرض يعيد طرح أسئلة عن الطاعة العسكرية والمسؤولية الفردية.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، في تقرير لها، أن سوركين استلهم المسرحية من واقعة عنف داخل صفوف مشاة البحرية الأمريكية في قاعدة غوانتانامو بكوبا عام 1986، بعدما أخبرته شقيقته الكبرى، التي كانت تعمل محامية في البحرية، بقضية جندي شاب كاد يفقد حياته خلال عملية إذلال وعقاب غير رسمية.
كان سوركين آنذاك كاتبا مسرحيا شابا يكافح لإثبات نفسه في نيويورك، ويعمل في وظائف متواضعة. وقال إن حياته ربما كانت ستظل على هذا النحو لولا حديث شقيقته عن ممارسة عسكرية تعرف باسم "الشفرة الحمراء" (Code Red)، مضيفا أن خياله انطلق فور سماعه تفاصيل الواقعة.
وتتعلق القضية بالجندي ويليام ألفارادو، الذي نجا من الاعتداء، فيما تجنب معظم المتهمين المحاكمة بعد إقرارهم بتهم أقل خطورة. وأصبحت الواقعة أساس المسرحية التي عُرضت للمرة الأولى عام 1989، ثم تحولت إلى فيلم ناجح عام 1992، دفع بسوركين إلى صدارة المشهد الفني الأمريكي.
وارتبط الفيلم بإحدى أشهر العبارات في الثقافة الشعبية الأمريكية: "أنت لا تقوى على تحمل الحقيقة!"، التي صرخ بها جاك نيكلسون في دور العقيد ناثان جيسيب، مدافعا عن تصرفات عسكرية أدت إلى مقتل جندي تحت قيادته.
وظلت القضية الحقيقية موضع نقاش في الكتب والدعاوى القضائية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وفي عام 1994، رفع خمسة من عناصر مشاة البحرية المتهمين في الواقعة دعوى قضائية اتحادية ضد سوركين وآخرين شاركوا في الفيلم، قبل أن تنتهي القضية بتسوية بين الأطراف ورفض الدعوى وفقا لوثائق المحكمة.
وقد قاوم سوركين لسنوات فكرة إعادة تقديم المسرحية، لكنه وافق على إحيائها هذا الخريف على خشبة مسرح فيفيان بومونت التابع لمركز لينكولن. ويؤدي ويتفورد، نجم مسلسل سوركين "الجناح الغربي" شخصية العقيد جيسيب، فيما يجسد بليث شخصية المحامي دانيال كافي، التي أداها توم كروز في الفيلم، وتؤدي رودريغيز دور المحامية جوان غالاواي، التي جسدتها ديمي مور سينمائيا.
وقال سوركين إنه تردد في إعادة المسرحية لأنه كتبها في سن مبكرة، وكان يعتقد أنه قادر على تقديم عمل أفضل. وتنتمي المسرحية إلى تقاليد الدراما القضائية، لكنها تحمل سمات ظهرت في أعماله اللاحقة، منها الحوار السريع والشخصيات الذكية وطرح القضايا الكبرى عبر المواجهات الكلامية.
وعلى الرغم من نجاحها الجماهيري واستمرار عرضها على برودواي 14 شهرا، لم تحظ المسرحية بإجماع النقاد. فقد وصفها الناقد فرانك ريتش في "نيويورك تايمز" عام 1989 بأنها خفيفة الوزن ويمكن توقع أحداثها.
جاء قرار إعادة تقديم المسرحية بعد تواصل المخرج مايكل آردن مع سوركين في وقت سابق من العام الجاري. وقال آردن إنه تردد بسبب شهرة النسخة السينمائية والمقارنات المحتملة بينها وبين العرض الجديد، لكنه رأى أن العمل يجمع بين الطابع الكلاسيكي والقدرة على مخاطبة قضايا الحاضر.
ويرى سوركين وآردن أن السؤال المحوري في المسرحية، وهو ما إذا كان المتهمون بتنفيذ "الشفرة الحمراء" مجرد جنود ينفذون الأوامر، يكتسب أهمية جديدة في ظل الجدل الأمريكي بشأن الأوامر العسكرية غير القانونية.
وقد عبر عدد من المشرعين الديمقراطيين، بينهم السيناتور مارك كيلي، وهو من قدامى أفراد البحرية الأمريكية، عن مخاوف بشأن احتمال صدور أوامر غير قانونية عن وزارة الدفاع. وأشار سوركين إلى أن قضية الطاعة العسكرية كانت حاضرة منذ العرض الأول للمسرحية، مستشهدا بمذبحة ماي لاي خلال حرب فيتنام.
وترتبط المسرحية بمسيرة ويتفورد المهنية، فقد شارك في عرضها الأصلي على برودواي بديلا لأحد الممثلين، ثم أدى لاحقا دور كافي، وكانت تلك بداية علاقته المهنية بسوركين التي قادته إلى "الجناح الغربي".
واشترط سوركين أن يُسمح له بمراجعة النص، وقال إنه كتب ما بين 20 و25 مسودة للمسرحية، لكنه لم يشعر بأنه انتهى منها تماما، مضيفا أنه واصل تعديلها خلال عروضها في لندن والجولات المحلية، وكذلك عند تحويلها إلى فيلم.
وشملت التعديلات شخصية غالاواي، وهي الشخصية النسائية الرئيسية الوحيدة في العمل. وقد تعرض سوركين لانتقادات بسبب عدم تقديم شخصيات نسائية متعددة الأبعاد، إذ تتعرض غالاواي للتقليل من شأنها في بعض المواقف، لكنها تتمتع بالإصرار والقدرة على مجاراة الرجال في المواجهة.
وقالت رودريغيز إن الشخصية تؤمن بالنظام العسكري والقانوني الذي تعمل داخله، وتريد إثبات كفاءتها والوصول إلى موقعها بفضل اهتمامها بالتفاصيل. وفي العرض الجديد، تحصل غالاواي على الجملة الأخيرة قبل لحظة بصرية أضافها المخرج آردن.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر