لماذا اعتذر مذيع تلفزيوني على الهواء عن سنوات من التغطية الإعلامية؟
"لم تقم القناة العامة بوظيفتها على مدى سنوات؛ التزمت الصمت، وغضّت الطرف، وكانت منحازة في تغطيتها من دون تفكير نقدي، وأخفقت في توجيه الأسئلة المناسبة، أو لم توجّه أسئلة على الإطلاق. ومن أجل ذلك، فإننا مدينون لمشاهدينا بالاعتذار".
بهذه الكلمات، استهلّ مذيع تلفزيوني برنامجاً إخبارياً أذيع على الهواء مباشرة الأسبوع الماضي.
استغرق هذا البيان النادر من نوعه 30 ثانية، على قناة "آر تي في" (ضمن شبكة إذاعة وتلفزيون فويفودينا) في شمال صربيا.
وجاء الاعتذار بعد يوم من الانتخابات البرلمانية الصربية، حيث أقرّ الرئيس ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة لصالح حركة طُلابيةَ القيادة، لتنتهي بذلك هيمنة حزبه على المجال السياسي في البلاد بعد أن استمرت 14 عاماً.
وطوال هذه السنوات، مارست الحكومة نفوذاً قوياً على معظم نوافذ الإعلام في البلاد.
في الأيام التالية لهذا البيان الاعتذاري، تقدّم عدد من رؤساء تحرير البرامج والتنفيذيين بالاستقالة - سواء في شبكة "آر تي في" (المخصصة لإقليم فويفودينا) أو في هيئة الإذاعة والتلفزيون الصربية.
ورصد مراقبون لوسائل الإعلام بدء أصوات المعارضة في الظهور بالبرامج الإخبارية والحوارية، وهو ما كان شيئاً نادراً من قبل.
وسرعان ما وجد اعتذار شبكة "آر تي في" طريقه إلى منصات التواصل الاجتماعي، ليجتذب الانتباه الدولي.
- ترامب: واشنطن ستقرر خلال أسبوعين بشأن إيران، وباقري يقول إن طهران لا تكتفي بـ "التعهدات الورقية"
- "ترامب للشرق الأوسط: عليكم أنفسكم!" – مقال في وول ستريت جورنال
- تشييع جثمان الضابط الأردني بعد مقتله طعناً في عمّان، والملك يقول: "لن نتهاون في محاربة الإرهاب"
- "الحكومات الشعبوية محكوم عليها بالفشل" - مقال في تلغراف
الأكثر قراءة نهاية
فما السر وراء ذلك؟
- سرقة صور نساء صوماليات واستغلالها للترويج لدعاية سياسية
- كيف يبدو واقع حرية الصحافة والصحافيين في العالم العربي؟
"كنا نغضّ الطرف"
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
جاء الاعتذار، الذي بثّه البرنامج الإخباري الرئيسي على قناة "آر تي في"، يوم الاثنين الموافق 26 أكتوبر/تشرين الأول، بعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات، الذي أكّد فوز قائمةٍ تحظى بدعم الطلاب.
وكتبت بيان الاعتذار، ماريا ستوكوتشا، التي تعمل محرّرة صحفية في القناة، وأوضحت قائلة إن عدداً من الصحفيين في غرفة الأخبار تنحّوا جانباً بعد الانتخابات، مُفسحين المجال أمام غيرهم لتولّي مسؤولية إعداد البرنامج الإخباري.
ولفتت ستوكوتشا إلى أن "هذه ليست المرة الأولى التي نطالب فيها بتغييرات، ولكنها المرة الأولى التي توافق فيها الإدارة".
وكانت ستوكوتشا، التي عملت سابقاً في قسم آخر داخل غرفة الأخبار، حظيت بترشيح زملائها للمساعدة في قيادة جهود التغيير.
وتنوّه ستوكوتشا إلى أن عدم الرضا والاستياء داخل القناة كان موجوداً منذ نحو عشر سنوات.
وفي حديث لبي بي سي، قالت ستوكوتشا إن "عدداً من العاملين لدى شبكة (آر تي في) كانوا يتطلعون منذ زمن إلى حدوث تغييرات بحيث يتمكنون من تغطية الأخبار بشكل موضوعي يخدم الصالح العام".
وبحسب ستوكوتشا، فإن الصحفيين طالما حذروا من أنّ التقارير المهمّة "إمّا أنها تُحذف أو يتمّ تناولها من منظور سياسي ضيق".
وأشارت ستوكوتشا إلى المظاهرات التي أعقبت انهيار مظلة محطة قطار مدينة نوفي ساد، عاصمة مقاطعة فويفودينا، والذي أسفر عن مقتل 16 شخصاً، ليخرج الآلاف في مسيرات احتجاجية صامتة يوم الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مطالبين بمحاسبة المسؤولين، لكن شبكة "آر تي في" أخفقت بشكل كبير في تغطية الحادث، وفقاً لـ ستوكوتشا.
أشارت ستوكوتشا كذلك إلى مظاهرات قادها الطلاب وإلى عمليات حصار أعقبت حادث انهيار مظلة محطة القطار، ولقيت أيضاً تغطية إعلامية محدودة من جانب شبكة "آر تي في".
وأشعل الحادث فتيل مظاهرات حاشدة استمرت على مدى أشهر، وأسهمتْ في تغذية الحركة التي يقودها الطلاب، والتي ستُقْدم لاحقاً على تحدّي الحكومة في صناديق الاقتراع.
تقول ستوكوتشا إن "قناة إعلامية عامة ينبغي أن تتحدث إلى كل المواطنين وأن تنقل ما يحدث؛ لا يمكنها أن تغضّ الطرف، كما كنا نفعل".
وتؤكد ستوكوتشا أنه كان هناك صحفيون داخل القناة يعترضون على الخيارات التحريرية، لكنهم لم يكونوا يملكون القرار لتغييرها.
وفي هذا الأسبوع، قبِلتْ ستوكوتشا الاضطلاع بدور محرّر البرنامج الإخباري في القناة.
- حرية الصحافة: هل الدول العربية تُعدّ الأكثر قمعاً للصحفيين؟
وتواصلت بي بي سي مع المكتب الإعلامي لقناة "آر تي في"، حيث قدّمت استفسارات بشأن طبيعة التغطية.
وبالفعل، جاء الردّ عبر البريد الإلكتروني من بريدراغ نوفوكوفيتش، وهو مدير منتخَب حديثاً لأحد برامج القناة.
وقال نوفوكوفيتش إن القناة "فشلت في الوفاء بالتزاماتها القانونية الخاصة بإعلام الجماهير بشكل مهنيّ وموضوعي ومحايد وفي الوقت المناسب".
وأضاف بأن هناك قضايا أخرى كان يتم تجاهلها، تشمل: "قضايا خطيرة تتعلق بالفساد والجريمة على أعلى المستويات؛ وتهديدات حسيّة للمواطنين وللأمن القانوني؛ وتآكل الحريات الإعلامية وحرية التعبير".
وشدّد نوفوكوفيتش على أن هذا الحديث ينطبق بالأساس على البرنامج الإخباري الرئيسي في القناة، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن هناك برامج إذاعية وتلفزيونية أخرى استطاعت الحفاظ على مستوى من المهنية، رغم الضغوط المستمرة من جانب الجهات الإدارية الحاكمة".
في الكواليس
يحكي غوران إرور، مذيع الأخبار الذي تلا بيان الاعتذار، أنه كان في دوامه يوم الاثنين، ولما وصل إلى مكان العمل، علِم بخبر تغيير رئيس تحرير قناة "آر تي في"، وبأن ستوكوتشا ستحرّر البرنامج الإخباري في غضون ساعتين فقط.
يقول إرور: "جلستْ إلى جهاز الكمبيوتر، وكنا جميعاً من حولها نمدّ يد العون؛ ذلك أن إعداد نشرة الأخبار هو عمل عادة ما يستغرق ساعات".
وكتبتْ ستوكوتشا بيان الاعتذار الذي تلاه إرور لاحقاً، وقال إنه ذُهل من ردّ الفعل الذي أعقب إذاعة هذا البيان.
ويرى إرور أن "الاعتذار ينطوي في حد ذاته على قدر من الترياق؛ إذ يُظهر أننا أدركنا ما كان يحدث خلال السنوات السابقة، وأن سياستنا التحريرية كان ينبغي أن تكون مختلفة إلى حد كبير".
"رمزيّ وليس جوهرياً"
ترى تانيا ماكسيتش، التي تعمل محللة للسياسات الإعلامية لدى شبكة البلقان للتحقيقات الاستقصائية، أن هذه لحظة مهمّة لكنْ لا ينبغي مع ذلك النظر إليها كما لو كانت "إصلاحاً هيكلياً".
تقول ماكسيتش: "التحوّل كان درامياً لأنّ المحطات الإعلامية العامة لم تكن مستقلة بالأساس، وإنما مقيّدة بالسلطة السياسية".
ومن وجهة نظرها، فإن الاعتذار يعكس تغيّراً طارئاً على المناخ السياسي في صربيا أكثر مما يعكس إرساء ضمانات لاستقلال سياسات التحرير.
وتثمّن ماكسيتش سنوات من الضغوط مارسها صحفيون عبر تحدّي السياسة التحريرية علانيةً من الداخل، لكن تلك الضغوط لم تنجح في مواجهة الآليات المعزّزة للنفوذ السياسي القائم.
تقول ماكسيتش إن هذا التغير "رمزي وليس جوهرياً؛ فالاعتماد على تمويل الدولة لا يزال قائماً وكذلك التعيينات المدعومة سياسياً للجهات الإدارية الحاكمة لا تزال قائمة".
- بعد الجدل حول قضية "مدى مصر"، مجلس القضاء المصري ينفي الإخلال بضمانات المحاكمة
وإلى جانب الإعلام الحكومي في صربيا، هناك أيضاً الإعلام الخاص، لكن كليهما لا يزال عُرضة لنفوذ الدولة عبر التمويل والدعاية والإعلان.
ويواجه الإعلام المستقل في صربيا ضغوطاً سياسية ومالية، في وقت تسيطر فيه أساليب التهويل والإثارة والتحيّز على المشهد الإعلامي في البلاد.
وفي وقت سابق من العام الجاري، وافق البرلمان الصربي على استمرار تقديم الدعم المقدَّم من الميزانية لشبكة "آر تي في" حتى نهاية 2026، ما يعني أن رسوم ترخيص البث وحدها لم تكن تكفي لتمويل أعمال الشبكة.
وتحرص ستوكوتشا، محررة "آر تي في" التي كتبت بيان الاعتذار، على ألّا تغالي في تقدير أهميته، قائلة: "لا ينبغي لأحد أن يعتقد أن بياناً اعتذارياً مدّته 30 ثانية يكفي؛ فاستعادة الثقة هي بناء تراكمي يجري تشييده يومياً".