"صنع في إسرائيل".. الحيلة التي تنهار على أبواب أوروبا
في 22 سبتمبر/أيلول الماضي، دخل الحظر الهولندي على منتجات المستوطنات الإسرائيلية حيز التنفيذ، وسرعان ما اشتعلت معركة دبلوماسية بين أمستردام وتل أبيب على وقعه. فبعد خمسة أيام، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلغاء الصفة الدبلوماسية للدبلوماسيين الهولنديين العاملين في مكتب التمثيل الهولندي برام الله، ومنحهم سبعة أيام لإعادة الوثائق التي منحتها لهم السلطات الإسرائيلية. وربط ساعر الخطوة بالحظر الهولندي صراحة، قائلا إن هولندا تستطيع، إن أرادت مواصلة تمثيل مصالحها لدى الفلسطينيين، أن تفعل ذلك من أراضي السلطة الفلسطينية لا من "أراضي دولة إسرائيل". من جهتها، قالت هولندا إن عقوباتها المؤقتة لا تستهدف إسرائيل، بل تنبع من التزامها بعدم الإسهام في الوضع غير القانوني الذي أنشأته المستوطنات. وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن وزير الخارجية الهولندي توم بيرندسن أن الإجراء الإسرائيلي طال ثمانية دبلوماسيين، لكن حكومته اكتفت باستدعاء السفير الإسرائيلي ولم ترد بالمثل.
لم يكن القرار الهولندي تحركا مفاجئا، بل جاء بعد سنوات من السجال في أوروبا حول السلع "غير القانونية" القادمة من المستوطنات، وأساليب التحايل التي لجأت إليها الشركات الإسرائيلية كي تسوق منتجاتها على أنها "صنعت في إسرائيل" من دون أن تذكر مكان منشئها الحقيقي. وقد دفعت الحرب على غزة أوروبا إلى تشديد جهودها القانونية ضد أساليب الالتفاف تلك، كما تشي بذلك وقائع عدة، آخرها التوتر الدبلوماسي الهولندي الإسرائيلي، وقبله قرار واحدة من أشهر سلاسل متاجر مستحضرات التجميل في بريطانيا رفع منتجات مرتبطة بالأراضي المحتلة في الضفة الغربية من منصتها الإلكترونية.
قصص مقترحة
- list 1 of 2مخاصمة الحقيقة: صدام ترمب مع الاستخبارات الأمريكية
- list 2 of 2ثلاث حاملات ومارينز وأم القنابل.. ما الذي يحشده ترمب ضد إيران هذه المرة؟
بين آلاف المنتجات المعروضة على الواجهة الإلكترونية لسلسلة "سوبردراغ" (Superdrug)، عملاق تجزئة مستحضرات التجميل البريطاني، ظلت حتى منتصف مارس/آذار 2026 عبوات لعلامة "أهافا" (AHAVA) يعرضها بائع خارجي عبر المنصة، مع ملصق يسوقها بوصفها منتجا فاخرا. تغري السلعة المصنوعة من معادن البحر الميت وطينه الشهير الزبائن بوعود النضارة والجمال، لكن إن قاد أحدهم الفضول إلى تتبع خيوط إنتاج تلك العبوة من شاشات لندن إلى منشئها الفعلي، فستبدأ المشكلة الحقيقية في الظهور.
لا تنتهي تلك الرحلة عند عنوان بريدي مسجل داخل الحدود التي تعترف بها أوروبا على أنها "إسرائيل"، بل عند مستوطنة "متسبيه شاليم" المقامة عنوة على أراضي الضفة الغربية المحتلة. ففي فبراير/شباط 2026، التقطت "اللجنة الأمريكية لخدمات الأصدقاء" (AFSC)، وهي منظمة تابعة لجماعة "الكويكرز" (Quakers) البروتستانتية، صورا ومقاطع فيديو في موقع تقول إنه داخل المستوطنة، تظهر فيها أوعية تحمل ملصقات بتواريخ إنتاج أو استلام تعود إلى عامي 2025 و2026، وأكواما من مادة ترجح المنظمة أنها طين البحر الميت المستخدم في مستحضرات "أهافا"، وبوابة مغلقة عليها لافتة "إغلاق مؤقت" تحيل الزوار إلى كيبوتس "عين جدي".
لم يكن ذلك سوى حلقة جديدة في اللعبة التجارية التي تمارسها "أهافا" لتفادي القيود الأوروبية. ففي السنوات السابقة، حين اشتد الخناق القانوني والتجاري على الشركة بسبب اتخاذها من المستوطنة مقرا لإنتاجها، أعلنت عام 2015 عزمها نقل الإنتاج إلى داخل الخط الأخضر، ثم افتتحت في مارس/آذار 2016 مصنعا إضافيا في كيبوتس "عين جدي"، من دون أن توضح ما إن كان سيحل محل مصنع "متسبيه شاليم". وبعد أسابيع، في أبريل/نيسان 2016، استحوذت مجموعة "فوسون" الصينية العملاقة على العلامة التجارية بالكامل مقابل 290 مليون شيكل (نحو 77 مليون دولار)، فبدت الشركة بذلك وكأنها التفت على القيود الأوروبية.
سرعان ما طُويت الصفحة في الإعلام وتنفست المتاجر الأوروبية الصعداء، لكن خلف الكواليس كان هناك فصل آخر يُكتب عبر توزيع الأدوار. ففي تسجيل سري بثته شبكة "سكاي نيوز" البريطانية، قال أحد العاملين في مركز الزوار التابع لـ"أهافا" في "عين جدي" إن منشأة "متسبيه شاليم" لم تغلق، بل ما زالت تعالج الطين والأملاح الخام المستخرجة من البحر الميت وترسلها إلى "عين جدي"، حيث تضفي خطوط التعبئة والتغليف على المنتج منشأ "إسرائيليا" قانونيا. وبعدما تسلمت "سوبردراغ" صور الحاويات المكدسة في "متسبيه شاليم"، أزالت منتجات "أهافا" من منصتها الإلكترونية، وأعلنت في يونيو/حزيران 2026، بحسب ما نقلته "سكاي نيوز"، حذف رمز المنتج واتخاذ إجراءات تمنع أي بائع من إدراج العلامة مستقبلا على المنصة. أما "أهافا" فتمسكت بنفيها، مؤكدة على لسان رئيسها التنفيذي رون ميخائيل أنها لا تملك ولا تشغل أي منشأة إنتاج في الموقع المملوك لأحد الكيبوتسات، وأن عمليات التصنيع كلها جُمعت منذ عام 2022 داخل ما تصفه بالأراضي الإسرائيلية المعترف بها دوليا، وأن موادها الخام تأتي من أراض "غير متنازع عليها". وهكذا تبقى المسألة نزاعا موثقا بين أدلة قدمتها منظمة حقوقية ونفي صريح من الشركة.
لا تقف القصة عند حدود تحايل شركة أو مزرعة في مستوطنة ما، بل تتعداها لتكشف عن مواجهة بين جبهتين. على الجبهة الأولى توجيهات أوروبية حاولت على مدى عقد الانتقال من المداراة السياسية إلى قواعد قانونية ملزمة لوسم منتجات المستوطنات، وعلى الجبهة المقابلة هندسة رسمية تقودها الدولة الإسرائيلية نفسها لتفريغ تلك التوجيهات من مضمونها، بأدوات تتوزع بين التعويض المالي المباشر والعناوين الصورية والتمويه الجغرافي. لكن اليوم، ومع انكشاف حجم الغش، أخذت المنظومة الأوروبية تدخل تعديلات متلاحقة على قوانينها لتضييق الخناق وسد الثغرات التي نفذت منها السلع الاستيطانية طوال السنوات الماضية، في وقت كانت فيه الدول الغربية، ولا تزال، شريانا تجاريا أساسيا للمستوطنات.
الشريان الأول
من شريان رسمي بدأ تدفق بضائع المستوطنات الإسرائيلية نحو السوق الأوروبية. ففي عام 1956، أسست الحكومة الإسرائيلية شركة "أغريكسكو" ذراعا شبه حكومية احتكرت فعليا تصدير المنتجات الزراعية الإسرائيلية، وبنت حضورها في المتاجر الأوروبية عبر علامتي "كرمل" و"كرمل بايو-توب". وبعد عام 1967، ومع تمدد الزراعة والمنشآت الاستيطانية، خاصة في غور الأردن وشمال البحر الميت، وإنشاء مناطق صناعية كبرى مثل "ميشور أدوميم" و"بركان" و"عطاروت"، صار إنتاج المستوطنات يصل أوروبا بسلاسة ضمن شحنات إلى بلجيكا وألمانيا وهولندا وغيرها، دون أي تمييز تجاري.
لم يكن هذا التمدد الاستيطاني ليتكرس تجاريا لولا الغطاء الذي وفرته الاتفاقيات الرسمية المتعاقبة مع بروكسل. ففي عام 1975 وُقعت أول اتفاقية تجارة حرة بين الجماعة الاقتصادية الأوروبية (EEC) وإسرائيل، وبحلول عام 1989 اكتملت منطقة تجارة حرة للسلع الصناعية مع تفضيلات جمركية محدودة للقطاع الزراعي. ثم جاء التوقيع على اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية عام 1995 (دخلت حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2000) ليقدم تصدير منتجات المستوطنات إلى أوروبا على "طبق من ذهب"، إذ توسع نطاق الإعفاءات والتيسيرات التجارية أمام البضائع الإسرائيلية في السوق الأوروبية.
ولم تتوان المنشآت الصناعية في المستوطنات عن استغلال هذه المظلة تحت شعار "صنع في إسرائيل" لتحصد إعفاءات جمركية غير مستحقة، حتى إن الحكومة الإسرائيلية نفسها، بحسب ما وثقته مؤسسة "الحق" في تقرير صدر عام 2013، قدرت قيمة صادرات المستوطنات إلى أوروبا بنحو 300 مليون دولار سنويا. ومع مرور الوقت، بدأت المنظومة الأوروبية تدرك ثقل المأزق القانوني والأخلاقي الذي تورطت فيه، ففتحت المفوضية الأوروبية عام 1998 النزاع علنا حين أبلغت مجلس الاتحاد أن إسرائيل تخالف قواعد المنشأ بتصديرها سلع المستوطنات على أنها إسرائيلية، ثم ثبتت الموقف في إشعار رسمي للمستوردين عام 2001 مفاده أن الإعفاءات والتفضيلات الجمركية حكر على البضائع القادمة من داخل حدود عام 1967.
ولكبح هذا التدقيق الأوروبي المتصاعد وتطويق الأزمة، وافقت إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2004 على تسوية إجرائية عُرفت بـ"الترتيب التقني" أو "ترتيب الرموز البريدية"، بدأ تطبيقها في فبراير/شباط 2005، وتقضي بأن يذكر المصدّر الإسرائيلي في وثائق المنشأ الرمز البريدي واسم البلدة أو المنطقة الصناعية التي أُنتجت فيها السلعة، كي تميز الجمارك الأوروبية بين البضائع المنتجة داخل الخط الأخضر وتلك المصنعة في مستوطنات الضفة الغربية وهضبة الجولان. غير أن هذا النظام حمل في تكوينه ثغرات هيكلية جعلت منه أداة قاصرة، إذ اعتمد بالكامل على إفصاح المصدّر عن نفسه، وسمح له بكتابة كلمة "إسرائيل" بعد اسم المستوطنة. وهكذا تحول الترتيب الذي أريد له أن يكون آلية تفتيش إلى عقبة شكلية يسهل الالتفاف عليها، عبر تسجيل عناوين صورية للشركات داخل الخط الأخضر، بينما تواصل خطوط إنتاجها في المستوطنات استنزاف موارد الأراضي المحتلة.
وقبل ذلك، كانت المواجهة قد انتقلت من المراسلات الإدارية المترددة إلى أروقة القضاء، في عاصفة قانونية بدأت شرارتها الأولى عام 2002، حين استوردت شركة "بريتا" الألمانية شحنات من أجهزة تحضير المياه الغازية من شركة "صودا كلوب" (لاحقا "صوداستريم")، المصنعة في مستوطنة "ميشور أدوميم"، وطالبت بإعفاء جمركي استنادا إلى اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية. وفي سبتمبر/أيلول 2003، سحبت جمارك ميناء هامبورغ الإعفاء المؤقت وطالبت الشركة بسداد رسوم بنحو 19 ألف يورو، معتبرة أن المنتج لا يحمل شرعية الانتساب الجغرافي لإسرائيل.
وتصاعد النزاع حتى بلغ محكمة العدل الأوروبية، التي أصدرت في 25 فبراير/شباط 2010 حكمها التاريخي بأن سلع الضفة الغربية لا تدخل في نطاق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وأن السلطات الجمركية الفلسطينية، بموجب اتفاق الاتحاد الأوروبي مع منظمة التحرير، هي الجهة المختصة بإصدار شهادات المنشأ لبضائع الضفة، فلا صلاحية لإسرائيل في منح مزايا تفضيلية لسلع تُنتج خارج حدودها المعترف بها دوليا.
ومع ذلك، سرعان ما انتقل شريان التصدير الإسرائيلي من قبضة الدولة إلى أنياب رأس المال الخاص، فتضاعفت قدرته على التخفي والمناورة. ففي عام 2011، تعثرت شركة "أغريكسكو" الحكومية، رغم توسعها السريع في السنوات السابقة، ودخلت مسار التصفية بديون قاربت 175 مليون يورو. غير أن هذا الانهيار لم يكن إيذانا بنهاية تدفق سلع المستوطنات، بل أعيدت هيكلة الشركة بيد رأس المال الخاص لتواصل ضخ تلك السلع في الشرايين التجارية العالمية، متجاوزة الأحكام القضائية ومستفيدة من تعقيدات سلاسل التوريد الخاصة. فقد اشتراها أولا مزارعا الزهور غدعون بيكل وحين لمدان مقابل 17.6 مليون شيكل في أكتوبر/تشرين الأول 2011، قبل أن تخضع، بحسب مركز "من يربح" (Who Profits) الإسرائيلي، لتصفية ثانية عام 2016 آلت بها إلى ملكية مجموعة "أمبا" المملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي شلومي فوغل وعائلة "نقاش" اليهودية الأمريكية.
ومع هذا التحول إلى شركة خاصة، خرجت "أغريكسكو" من التزامات الرقابة العامة الشكلية لتغدو أشرس في التمدد والاستثمار داخل الأراضي المحتلة بدلا من الانسحاب منها. وبحلول عام 2022، باتت شركة تابعة لها تدير مزرعة توت مساحتها 120 ألف متر مربع في عمق الجولان السوري المحتل، تنتج وحدها نحو 250 طنا من الفاكهة في الموسم للتصدير.
منظومة "دعم" إسرائيلية لحماية الشركات
في 20 يناير/كانون الثاني 2025، أصدرت شركة إسرائيلية تدعى "مجهول بلس" (Medjool Plus) إقرار منشأ على فاتورة شحنة من أربعة أطنان من تمور المجهول (المجدول) العضوية متجهة إلى هولندا، يعلن أنها بضاعة ذات منشأ إسرائيلي تفضيلي. غير أن الفاتورة نفسها، التي حصل عليها مركز "غلوبال إيكو" للتقاضي، كشفت أن 739 صندوقا منها جاءت من شركة "ديكل هبيكعا" التي يحمل رمزها البريدي عنوان مستوطنة "نتيف هغدود"، و61 صندوقا من مزرعة في مستوطنة "حمرا"، كلتاهما في عمق غور الأردن المحتل. ولا يُعرف إن كان المستورد الهولندي قد قدم هذا الإقرار للجمارك طلبا للإعفاء، ولا إن كان الإعفاء قد مُنح.
وبموجب أحكام اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، كما فسرتها محكمة العدل الأوروبية، لا تستحق هذه الشحنة أي امتياز جمركي؛ وحين تضبط الجمارك الأوروبية شحنة من هذا النوع، تلغي التفضيل وتلزم المستورد بسداد الرسوم كاملة. تبدو الخطوة انتصارا للرقابة الأوروبية وضربة مالية موجعة للمصدّر الإسرائيلي الذي تعمد التمويه الجغرافي.
بيد أن الحسابات المالية خلف الكواليس تروي قصة مختلفة. ففي إحدى الحالات التي وثقها المركز، قال مستورد سلوفاكي إن الرسوم الجمركية التي فُرضت عليه عن بضائع تبين أنها من المستوطنات "سددها لنا المورد بالكامل". ويربط المركز ذلك بخط دفاع مالي صُمم بدقة داخل الميزانية الإسرائيلية لإبطال الأثر الرادع لأي قرار أوروبي، إذ دفعت الحكومة الإسرائيلية، عبر وزارة الزراعة ومعهد التصدير، ما لا يقل عن 278.9 مليون شيكل (نحو 63 مليون يورو) بين عامي 2005 و2024 تعويضات للمصدرين الزراعيين والصناعيين العاملين في الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري عن الرسوم الجمركية الأوروبية، وخصصت ميزانية 2006 وحدها 31 مليون شيكل لبند "تعويض المصدرين"، لضمان ألا يتحمل المصدّر الاستيطاني أي خسارة.
لم تكن شحنة "مجهول بلس" الوحيدة من نوعها، بل حلقة في سلسلة وقائع كشفها المركز بعد تحليل أكثر من 30 ألف وثيقة تصدير تغطي أكثر من 6800 شحنة بين أكتوبر/تشرين الأول 2017 وفبراير/شباط 2026، إذ وجد أن نحو شحنة من كل خمس شحنات موجهة إلى الاتحاد الأوروبي تحتوي على بضائع من المستوطنات، وأن وثائق المنشأ التفضيلي التي ثبت أنها تغطي بضائع استيطانية تبلغ قيمتها نحو 13 مليون يورو، مع أدلة على منح الإعفاء الجمركي فعلا في حالات عدة.
ولا يقتصر الدعم الرسمي الإسرائيلي على امتصاص الرسوم والغرامات، بل يمتد إلى تسهيل اقتصادي استباقي قبل أن تُصنع السلعة أصلا، عبر منح المناطق الصناعية المقامة في المستوطنات تصنيف "منطقة أولوية وطنية من الفئة (أ)"، وهو تصنيف يمنح المصانع إعفاء ضريبيا كاملا أو منحة بنسبة 24% من قيمة أصولها الثابتة، إلى جانب ضرائب بلدية وإيجارات منخفضة وربط كامل بشبكة المياه، فيخفض كلفة الإنتاج والتصدير من الأساس، ويحصن الشركات من أي ضغوط جمركية خارجية.
وتحت هذه المظلة الرسمية السخية، أتقن المصدرون الاستيطانيون، بحسب مركز "غلوبال إيكو"، ثلاثة أساليب لتمرير السلع عبر المنافذ الحدودية. أولها "الاختباء على مرأى من الجميع"، بكتابة اسم المستوطنة على وثائق المنشأ متبوعا بكلمة "إسرائيل"، وهو ما يجيزه الترتيب التقني نفسه ولا تلتقطه الجمارك المرهقة. وثانيها "العنوان الصوري"، بتسجيل المقرات الإدارية للمزارع والمنشآت في مدن داخل الخط الأخضر. وثالثها "الخلط"، بدمج منتجات المستوطنات بمحاصيل قادمة من داخل الخط الأخضر قبل التصدير، حتى تذوب المكونات الاستيطانية وتتعذر تفرقتها عند التفتيش الجمركي. ويضيف المركز أن الشهادات الصحية والنباتية وشهادات "المنتج العضوي" التي تصدرها السلطات الإسرائيلية لمنتجات المستوطنات لا تملك أي صلاحية بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك تمر عبر موانئ أوروبية تفتقر غالبا إلى آليات تدقيق مباشر.
ويفسر هذا الاندماج بين الغطاء الحكومي وأساليب الشركات كيف بقيت منظومة "الوسم" الأوروبية عاجزة عن ردع الظاهرة طوال عقد كامل. فلم تأت توجيهات المفوضية الأوروبية الصادرة عام 2015 بقواعد جديدة، بل اكتفت بتفسير القانون القائم، الذي يوجب ذكر المنشأ في فئات محددة فقط، مثل مستحضرات التجميل والفواكه والخضروات الطازجة والأسماك والنبيذ والعسل وزيت الزيتون واللحوم ولحوم الدواجن المعبأة، ويترك الأمر اختياريا في سائر السلع ما لم يكن إغفاله مضللا للمستهلك. كما تركت التوجيهات المسؤولية الرقابية في الأساس على عاتق سلطات كل دولة عضو على حدة، فنشأ تباين بين موانئ الدخول الأوروبية.
وهنا تبرز خلاصة التحليلات القانونية، وفي مقدمتها ما تذهب إليه جيسيكا ستوبر، مؤلفة تقرير "غلوبال إيكو"، من أن "الوسم" وحده لا يرفع كلفة الغش على المصدّر، بينما ينقل "الحظر الشامل" عبء الالتزام والمخاطرة القانونية إلى القطاع الخاص والمستوردين الأوروبيين أنفسهم؛ فالشحنة المخالفة تُعاد لا تُغرَّم فحسب، والعقوبات المدنية والجنائية تجعل الامتثال أرجح، فتصبح التجارة في بضائع المستوطنات بلا جدوى تجارية، بل ومحفوفة بالمخاطر.
مرحلة تضييق أوروبية جديدة
في قرية "العوجا" شمال أريحا، يقف المزارع الفلسطيني عبد الحليم أبو عمر متأملا بحسرة أغصان نخيله، بحسب ما وثقته مراسلة "بي بي سي" يولاند نيل في سبتمبر/أيلول الماضي. نصف النخيل هنا لم يحمل ثمرا هذا الموسم، بعدما وصل إلى الأشجار أقل من ثلث حاجتها من المياه؛ فمنذ تسعينيات القرن الماضي تُوزع مياه الغور لصالح المستوطنين، واستولى مستوطنون على ينابيع كانت تروي بساتين القرية. وعلى بعد كيلومترات قليلة، في مستوطنة "مسوا" (Mesua)، تنقلب الصورة تماما؛ تتدفق المياه بلا انقطاع، ويقف المزارع المستوطن أفيغدور أربيل بثقة أمام محصوله الناضج من التمور، غير مبال بالحظر التجاري الذي أعلنته دول أوروبية. يبيع أربيل معظم إنتاجه في أوروبا، لكنه يقول إنهم كلما واجهوا ضغوطا أو مقاطعة بحثوا عن أسواق جديدة، وإن أُغلقت قنوات البيع في أوروبا فسيجدون البديل في الولايات المتحدة، "والآن الهند".
تختصر هذه المواجهة الجوهر الأخلاقي الذي يضع جدوى القوانين الأوروبية على المحك. فلأكثر من عشر سنوات، اكتفى الاتحاد الأوروبي بـ"سياسة التمايز والوسم" عبر توجيهات عام 2015 وحكم محكمة العدل الأوروبية عام 2019 في قضية "بساغوت"، الذي ألزم المصدّر بوضع ملصق يبين المنشأ الاستيطاني، غير أن هذا النظام تحول إلى لعبة بيانات صورية استغلتها شبكات الالتفاف بمرونة كاملة عبر العناوين الصورية وخلط المحاصيل، كما أسلفنا.
وأمام عجز "الوسم" عن وقف تدفق المنتجات، جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024 ليحدث القفزة القانونية المفصلية، إذ ألزم جميع الدول صراحة بالامتناع عن أي تعاملات اقتصادية أو تجارية مع إسرائيل بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة قد ترسخ وجودها غير الشرعي فيها، مما دفع عدة دول أوروبية إلى الانتقال من مرحلة "توعية المستهلك" إلى مسار "الحظر الشامل والتجريم الجنائي".
كانت أيرلندا السباقة، إذ دخل قانونها الحاظر لاستيراد بضائع المستوطنات حيز التنفيذ في 15 سبتمبر/أيلول 2026، وفي 8 سبتمبر/أيلول أعلنت الحكومة البريطانية حظرا على استيراد بضائع المستوطنات، مع عقوبات على مقدمي خدمات البناء والتمويل والعقارات لتوسيع المستوطنات، وحظر الإعلان عن عقارات فيها، ووعد بتشريع خلال ستة إلى تسعة أشهر، في حين تحدثت القناة السابعة الإسرائيلية عن عقوبات قد تصل إلى السجن عشر سنوات للمستوردين والشركات المخالفة. وفي الاتجاه نفسه، أدخلت هولندا المخالفات ضمن قانون الجرائم الاقتصادية بعقوبات تصل إلى السجن ست سنوات لمن يخالف الحظر عمدا، مع إغلاق المنشأة المخالفة حتى سنة ومصادرة البضائع.
كذلك تنتظر النرويج إقرار البرلمان لمشروع قانون يعاقب بالسجن حتى ثلاث سنوات، بعدما أغلق باب التشاور العام عليه في سبتمبر/أيلول. وكانت إسبانيا قد أقرت، بموجب المرسوم الملكي بقانون 10/2025، حظرا تاما تتحقق فيه الجمارك من الرمز البريدي ومكان الإنتاج، بالتوازي مع إقرار الحكومة البلجيكية مشروع مرسوم ملكي بالحظر في يوليو/تموز 2026، وتعهد الدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وبولندا والبرتغال والسويد، في بيان مشترك مع بريطانيا وأيرلندا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وكندا في 8 سبتمبر/أيلول 2026، بفرض قيود مماثلة على المستوى الوطني أو الأوروبي.
غير أن الطريق من الإعلان إلى التطبيق ليست قصيرة. ففي بريطانيا لم يصدر حتى اليوم أي نص قانوني يحظر استيراد بضائع المستوطنات؛ وما صدر في 13 أكتوبر/تشرين الأول هو توسيع لنظام عقوبات حقوق الإنسان العام يتيح استهداف الشركات والمطورين والبنوك التي تدعم المستوطنات، وقال وزير الخارجية إد ميليباند أمام مجلس العموم في 27 أكتوبر/تشرين الأول إن نظام عقوبات المستوطنات "قادم خلال الأشهر الستة المقبلة". وفي هولندا، رفضت محكمة لاهاي في 16 سبتمبر/أيلول طلبا مستعجلا من "مركز المنتجات الإسرائيلية" في نايكيرك لتعليق الحظر، مستندة إلى رأي محكمة العدل الدولية؛ وبدأت سلطات مطار سخيبول بعد أيام من سريانه تفتيش أمتعة القادمين من تل أبيب بحثا عن نبيذ المستوطنات وتمورها وزيتونها، فأصدرت الخارجية الإسرائيلية تحذيرا للمسافرين من "تفتيش طويل ومتطفل".
أما في إسرائيل، فأعلنت إدارة التجارة الخارجية في وزارة الاقتصاد عن منح تصل إلى 200 ألف شيكل لكل مصدّر تضرر من الحظر الأوروبي، وقالت إن نحو عشرين مصدّرا حُجبت بضائعهم وإن أكثر من 25 شركة طلبت الدعم، فيما شُكل فريق لفتح أسواق بديلة في الهند والإمارات وتشيلي والأرجنتين والفلبين. وقدرت صحيفة "كالكاليست" صادرات المستوطنات إلى بريطانيا بنحو 45 مليون دولار وإلى هولندا بنحو 50 مليون دولار سنويا، بينما حذرت تقديرات صناعية نقلها موقع "واينت" في 18 أكتوبر/تشرين الأول من أن نحو أربعة آلاف من أصل 18 ألف عامل فلسطيني في مناطق "بركان" و"ميشور أدوميم" و"أريئيل" الصناعية قد يفقدون وظائفهم بسبب إلغاء عقود التوزيع.
تكمن قوة هذا التحول التشريعي في أنه يتجاوز ثغرات النموذج القديم؛ إذ ينقل عبء المخاطرة بالكامل من عاتق المفتش الجمركي والمستهلك إلى عاتق المتاجر والمستوردين الأوروبيين أنفسهم. وتحت طائلة العقوبات الجنائية ومصادرة البضائع، لم تعد الشحنة الاستيطانية تسوية مالية يمكن للخزينة الإسرائيلية التعويض عنها من صندوقها الحكومي، بل أضحت مخاطرة كبرى تفرض على شركات التجزئة امتناعا ذاتيا ومسبقا عن استقبال السلعة قبل أن تتحرك من أرضها.
ولا يقف أمام هذا المسار الصارم سوى تحد واحد هو الانقسام الأوروبي. فرغم اقتراح المفوضية الأوروبية في سبتمبر/أيلول 2025 تعليق البنود التجارية من اتفاقية الشراكة وفرض عقوبات على الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش ومستوطنين عنيفين، لم يحصل المقترح على الأغلبية المؤهلة المطلوبة بين الدول الأعضاء السبع والعشرين؛ إذ قادت إسبانيا وأيرلندا جبهة القيود المشددة، بينما عطلت ألمانيا والمجر والتشيك أي توجه لمعاقبة الحكومة الإسرائيلية، فاقتصر التحرك الفعلي على مبادرات الدول منفردة لا على موقف أوروبي موحد.
وحين طرحت المفوضية الأوروبية في يوليو/تموز 2026 ورقة خيارات تتراوح بين الحظر الكامل وتراخيص التصدير والرسوم الجمركية، قالت الممثلة العليا كايا كالاس إن الحظر الكامل "حظي بأكبر قدر من التأييد"، لكن ألمانيا وإيطاليا والتشيك أصرت على اشتراط الإجماع، ومر اجتماع وزراء الخارجية في 12 أكتوبر/تشرين الأول من دون أي قرار. بل إن سلوفينيا، التي كانت أول دولة أوروبية تحظر بضائع المستوطنات في أغسطس/آب 2025، ألغت الحظر في يونيو/حزيران 2026 بعد وصول حكومة يانيز يانشا اليمينية إلى السلطة.
وعلى مستوى الدول منفردة أيضا، تطال التطبيقَ المساوماتُ السياسية والاقتصادية. ففي أيرلندا، أقر مجلس النواب مشروع قانون الحظر في يوليو/تموز 2026 بعدما استبعدت منه الحكومة قطاع الخدمات كليا، واكتفت بالسلع المادية التي لا تتجاوز قيمتها 200 ألف يورو سنويا، معظمها من الخضار والفواكه، حماية لمئات الآلاف من الوظائف المرتبطة بالشركات التكنولوجية والخدمية الإسرائيلية، وقال رئيس الوزراء مايكل مارتن إن حظر الخدمات "سيضر أيرلندا أكثر من أي طرف آخر". وهو استثناء انتقدته المعارضة بوصفه تفريغا للقانون من جوهره، لا سيما أن رأي محكمة العدل الدولية أقر حظرا شاملا لا يفرق بين السلع والخدمات.
يكشف هذا التضارب أن الانتقال نحو التجريم الجنائي، على أهميته، يظل مسارا متفاوتا تحكمه الحسابات المزدوجة للدول. وبينما تبقى المنظومة الأوروبية بوصفها مؤسسة رهينة التباينات الداخلية، فإن اتساع خريطة الحظر بدأ يحدث إرباكا حقيقيا لسلاسل التوريد الاستيطانية، إذ يصطدم التحايل الإسرائيلي للمرة الأولى بعبء قانوني ومالي جعل الوصول إلى الأسواق الدولية أكثر تعقيدا، ومحفوفا بتبعات لم تعد تل أبيب قادرة على تحييدها بالكامل.