لقد بنى المغرب أماله، على مدى أكثر من ثلاثين سنة، على دفع الأمم المتحدة إلى تشريع احتلاله للصحراء الغربية، وظن أن وقوف واشنطن وفرنسا معه في مجلس الأمن كفيل بكسب الرهان، واعتقد أن الوقت كفيل بتحقيق ذلك.
والحقيقة أنه كسب بعض النقاط في مجلس الأمن بفضل الغطاء الأمريكي والفرنسي: عّطّل تنظيم الاستفتاء، نزع من القرارات الأممية مصطلح الاستفتاء، جمّد الملف في الأمم المتحدة، أدخل مصطلح الحل السياسي والحكم الذاتي إلى قرارات مجلس الأمن، وكان يأمل أن القرارات القادمة ستسمح له، بكل أريحية، بإخراج القضية من الجمعية العامة ومن لجنة تصفية الاستعمار، ويختم “انتصاراته” باعتماد مجلس الأمن لقرار يفرض فيه الحكم الذاتي حلا وحيدا للقضية.
لكن على ما يبدو لم يحسب حساباته للتغير الحاصل بهدوء في محيطه الجغرافي ولا للمفاجآت ولا إلى قوة أصدقاء الشعب الصحراوي.
لقد خطط المغرب أن طي الملف في الأمم المتحدة سيحدث في سنة 2027م، وكان ينتظر فقط المصادقة على المسودة الأمريكية لتكريس الحكم الذاتي حلا وحيدا فيبادر إلى إخراج القضية من الأمم المتحدة ويعلن “انتصاره”، لكن هذه الاستراتيجية تحولت إلى سراب خلال دقائق بعد إسقاط مشروع القرار الأمريكي الداعم للمغرب بالفيتو الروسي.
إذا تحدثنا عن الفيتو الروسي لابأس من العودة قليلا إلى الوراء. حين غزا المغرب الصحراء الغربية سنة 1975م لم يحرك الاتحاد السوفييتي سابقا، والذي كان في أوج قوته وكانت الحرب الباردة ضد الولايات المتحدة في قمتها، ساكنا ولم يرفع الفيتو، وترك الأمور تسير مثلما أرادتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. منذ سنة 1991م، امسكت الولايات المتحدة بالملف الصحراوي من يد الأمم المتحدة، وأصبحت هي حاملة القلم، وهي التي تعد القرارات، لم تتدخل روسيا خليفة الاتحاد السوفييتي، وإن فعلت فعلى استحياء أو تقترح تغيرات بسيطة لا تمس الجوهر. لكن الآن استعملت الفيتو، ويجب أن لا ننظر إلى هذا الفيتو على أساس أنه أمر بسيط، أو أنه ظرفي، لكن يجب أن نربطه بالجيوبوليتيك. هذه أول مرة يرفع بلد من الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الفيتو في قضية الصحراء الغربية وفي وجه الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن علينا أن نقرأ ماهي ابعاده في المنطقة في المستقبل وما علاقته بالجيوبوليتيك.
هناك أكثر من دافعْ يمكن أن يكون وراء الخطوة الروسية. في المقام الأول ترى روسيا والصين والجزائر أن القانون الدولي الحالي، رغم عيوبه، هو الكفيل بفرملة العالم عن التصعيد والفوضى. انطلاقا من هذه القناعة رأت روسيا، ودعمتها في ذلك الصين والجزائر، أن قضية تقرير مصير الشعب الصحراوي هي مقياس مأمورية الأمم المتحدة وإذا تم تجاوزها يمكن تجاوز ما تبقى من القانون الدولي بسهولة.
في المقام الثاني، تضع روسيا منذ زمن عينها على الساحل الإفريقي، ومنذ انسحاب فرنسا منه زاد الاهتمام الروسي به-الساحل- وخَطَت أكثر من خطوة جريئة إلى الأمام، وتدخلت عسكريا في مالي وشمال النيجر. تكريس الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، ولاحقا الاحتلال كأمر واقع “شرعي” بواسطة قرار من مجلس الأمن، نظرت إليه روسيا على أساس أنه يشكل خطرا حقيقيا على منطقة الساحل وعلى طموحاتها هناك، وأنه لن يتوقف عند الصحراء الغربية فقط، وستكون رأس الحربة فيه هي الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وليست روسيا هي وحدها التي تنظر إلى خطورة ما كان سيحدث لو تمت المصادقة على القرار الأمريكي بل تنظر إليه القوة الأخرى الصاعدة في الجوار وهي الجزائر التي ترى أن منطقة الساحل ستتحول إلى برميل بارود وأرض ألغام لو سيطر المغرب على الصحراء الغربية بقرار من الأمم المتحدة.
الفيتو الروسي المتزامن مع مشروع القرار الذي قدمته روسيا أيضا أوقف التغول الأمريكي على القانون الدولي وانتزع، ولو مؤقتا، القلم من بين أصابع واشنطن التي استحوذت عليه لعقود، وأفشل استراتيجية مغربية عمرها ثلاثين سنة. أكثر من ذلك أحدث مفاجأة غير متوقعة. ففي حين كان الجميع ينتظر أن تتم الموافقة على القرار الأمريكي “المعدل”، وكان ينتظر أن تمتنع روسيا عن التصويت، ويُنتظر أن ترفضه البوليساريو وتدخل في مواجهة مع مجلس الأمن، حدث العكس: أجهض الفيتو الروسي القرار، وبدل أن تنسحب البوليساريو من العملية السلمية يبدو أن المغرب هو الذي أعلن انسحابه، وأنه سيدخل في مواجهة مع مجلس الأمن.
من جهة أخرى، تمكن قراءة هذا الفيتو أن روسيا غيرت استراتيجيتها في منطقة شمال غرب إفريقيا، ودخلت إليها بقوة معتمدة على القانون الدولي ومؤيدة للموقف الجزائري المدافع هو الآخر عن تقرير مصير الشعب الصحراوي والقانون الدولي.
بهذه الخطوة يمكن القول أنه، في حين كان المفروض أن تغير الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجيتها في المنطقة وفي قضية الصحراء الغربية بالخصوص، وتطبق القانون الدولي وتقيم علاقات مربحة مع الدول الوازنة في المنطقة مثل الجزائر نتيجة لهذا التغيير، سبقتها روسيا.
الولايات المتحدة الأمريكية كانت هي الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تحل قضية الصحراء الغربية بمكالمة واحدة مع المغرب، ولو كانت فعلت كانت ستربح الكثير، لكن الآن يبدو أن الفرصة تلاشت. إذا نظرنا ابعد من حادثة رفع الفيتو الروسي ضد مشروع القرار الأمريكي لا يمكن استبعاد أن تحدث تطورات كبيرة في المنطقة.
في حالة إصرار المغرب على نفض يده من العملية السلمية، وعلى طرد البعثة الأممية فهذا سيعني التصعيد في المنطقة والعودة الى اجواء سنة 1975م، وستتغير أشياء كثيرة.
مغادرة المينورسو للمنطقة تعني السخرية من مجهودات مجلس الأمن والمجتمع الدولي على مدى ثلاثين سنة، وتعني تغير خطير في منطقة هشة رمالها متحركة وعواصفها لا تهدأ.
هل سيقبل العالم بهذا؟ هل إذا غادرت البعثة الأممية ستجد البوليساريو نفسها مضطرة أن تتخلى عن دورها في حراسة المنطقة من الأخطار القادمة من الجنوب؟
هل سنشهد تغيرا في الصراع ونشهد دخول لاعبين جدد؟ هل سيضطر مجلس الأمن إلى معاكسة الولايات المتحدة، ويعود للشرعية الدولية في صورتها الأولى وهي الاستفتاء؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر