لا يمكن النظر إلى انعقاد القمة الروسية - الأفريقية الثالثة في موسكو بوصفه محطة جديدة في العلاقات بين روسيا ودول القارة السمراء، أو لقاء دورياً لتبادل المواقف والاتفاقيات؛ فالتوقيت الذي تنعقد فيه القمة، والظروف الدولية المحيطة بها، يمنحانها أبعاداً تتجاوز إطار التعاون الثنائي، لتصبح جزء من مشهد أوسع تتنافس فيه القوى الكبرى على إعادة رسم خرائط النفوذ والشراكات الاقتصادية والسياسية.

وتكتسب هذه القمة بعداً إضافياً مع مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي زار موسكو يوم الأربعاء 28  تشرين الأول/ أكتوبر تشرين الأول، وترأس وفد بلاده في أعمالها يوم الخميس، بحضور يحمل دلالات سياسية؛ فمصر ليست مجرد دولة أفريقية مشاركة، بل تمثل حلقة وصل جغرافية وسياسية واقتصادية بين العالم العربي وأفريقيا، فضلاً عن كونها شريكاً استراتيجياً لروسيا يمتلك علاقات ممتدة في مجالات الطاقة والتجارة والتسليح والتعاون السياسي. وقد عكست المباحثات بين السيسي ونظيره الروسي بوتين هذا البعد، من خلال تناول ملفات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والأزمة الأوكرانية، إلى جانب التأكيد على أهمية التنسيق السياسي بين البلدين.


بالنسبة إلى روسيا، تمثل أفريقيا اليوم مساحة استراتيجية متعددة الأبعاد. فالقارة التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة، وأسواقاً واسعة، وموقعاً جغرافياً يتحكم في ممرات بحرية وتجارية حيوية، لم تعد مجرد ساحة للتنافس الدولي، بل أصبحت طرفاً يسعى إلى توظيف موقعه وموارده لتعزيز استقلالية قراره السياسي والاقتصادي.

وتدرك موسكو أن بناء علاقات طويلة الأمد مع الدول الأفريقية لا يمكن أن يقوم على البعد السياسي وحده، بل يحتاج إلى مصالح ملموسة، تشمل الطاقة والتعدين والزراعة والبنية التحتية والصناعات والتكنولوجيا. كما أن قضايا الأمن الغذائي، وتوفير الحبوب والأسمدة، وتطوير محطات الطاقة، تمثل مجالات عملية يمكن أن تمنح هذه الشراكة مضموناً يتجاوز البيانات السياسية.

وقد عكست مخرجات القمة هذا التوجه، من خلال اعتماد إعلانها الختامي وخطة عمل منتدى الشراكة الروسية - الأفريقية للفترة 2027-2029، إلى جانب وثيقة خاصة بالتعاون في الاستخدام المدني لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. وهي مؤشرات إلى رغبة الطرفين في الانتقال بالعلاقات إلى مجالات أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والتقنيات الحديثة ومتطلبات التنمية.

لكن أهمية هذا التقارب لا تنفصل عن السياق الدولي؛ فروسيا، في ظل المواجهة المستمرة مع الغرب وتداعيات الحرب الأوكرانية، تعمل على تنويع شراكاتها الاقتصادية والسياسية وتقليص اعتمادها على المسارات التقليدية للعلاقات مع أوروبا. وفي المقابل، تبحث الدول الأفريقية عن شركاء متعددين يتيحون لها هامشاً أوسع للمناورة، بعيداً عن الارتهان لمحور دولي واحد.

كما لا ينبغي النظر إلى العلاقات الروسية - الأفريقية باعتبارها محاولة لاستبدال نفوذ غربي بنفوذ روسي، بل باعتبارها اختباراً لقدرة الدول الأفريقية على تحويل التنافس الدولي إلى فرص تخدم مصالحها الوطنية. فالقارة لا تحتاج إلى تبديل مراكز الوصاية، وإنما إلى شراكات تحترم سيادتها وتدعم قدراتها الإنتاجية وتساعدها على معالجة أزماتها التنموية والأمنية.

ولا يقل البعد الشرق أوسطي أهمية عن البعد الأفريقي في الحسابات الروسية؛ فالعلاقات مع مصر والجزائر ودول الخليج العربي، فضلاً عن الحضور الروسي في ملفات المنطقة، تمنح موسكو شبكة من المصالح والاتصالات تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر و الخليج، كما أن التداخل بين أمن الشرق الأوسط واستقرار القرن الأفريقي يجعل من الصعب فصل المسارين عن بعضهما، خصوصاً في ملفات الطاقة والملاحة البحرية والأمن الغذائي ومكافحة الإرهاب.

وبالنسبة إلى القاهرة، فإن الحفاظ على شراكة متوازنة مع موسكو، بالتوازي مع علاقاتها بالولايات المتحدة وأوروبا والقوى الإقليمية، يمنحها مساحة أوسع للتحرك في ملفات الأمن والتنمية؛ وهذا ما يجعل المشاركة المصرية في القمة ذات دلالة تتصل بموقع مصر في معادلات الإقليم والقارة، وليس فقط بمستقبل العلاقات الثنائية مع روسيا.

وتكشف القمة الروسية - الأفريقية الثالثة عن حقيقة تتقدم تدريجياً في العلاقات الدولية، هي أن النفوذ لم يعد يقاس بالقوة العسكرية أو بحجم الحضور السياسي فحسب، بل أيضاً بالقدرة على بناء شراكات اقتصادية مستدامة وتقديم بدائل في مجالات الطاقة والغذاء والتكنولوجيا والتنمية.

لكن الطموح الروسي يواجه تحدياً يتعلق بقدرة موسكو على ترجمة حضورها السياسي إلى استثمارات ومشروعات اقتصادية مستدامة، في ظل منافسة قوى تمتلك أدوات اقتصادية وتمويلية أوسع.

ويبقى القول إن قيمة هذه القمة ستبقى مرهونة بما ستنتجه من مشروعات واستثمارات واتفاقيات قابلة للتنفيذ، لا بحجم الحضور أو سقف التصريحات. فأفريقيا لا تبحث عن شريك جديد في معادلة الاستقطاب الدولي بقدر ما تبحث عن موقع أكثر تأثيراً في صياغة النظام الدولي؛ وروسيا، بدورها، تدرك أن توسيع حضورها في القارة يحتاج إلى ما هو أبعد من التاريخ المشترك والمواقف السياسية، كالمصالح المتبادلة التي تثبت قدرتها على الاستمرار.

 

*باحث ومستشار سياسي 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية