هذا المقال بقلم الدبلوماسي التركي أردم أوزان، سفير أنقرة السابق لدى الأردن، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN. خلال سنوات عملي في السلك الدبلوماسي، كثيرًا ما سمعت صانعي القرار يستحضرون مفهوم "المصلحة الوطنية" وكأنه بوصلة ثابتة وموضوعية لا تقبل التأويل. لكن التجربة علّمتني خلاف ذلك. فالمصلحة الوطنية ليست حقيقة جاهزة نكتشفها، بل هي مفهوم تصوغه النخب السياسية والاقتصادية والأمنية المتنافسة، وتتنازع على تعريفه، بل وتوظّفه أحيانًا سلاحًا في صراعاتها. لا يزال جانب كبير من التحليلات السياسية المعاصرة أسير سردية مبسّطة تضع "النخب" في مواجهة "الشعب". وقد عزّز الصعود العالمي للشعبوية هذه النظرة، لكنه في الوقت نفسه حجب واقعًا أكثر عمقًا وتأثيرًا، إذ إن الصراع السياسي الذي يتسم به عصرنا ليس في جوهره صراعًا بين النخب والمجتمع، وإنما هو تنافس شرس ومتواصل بين النخب نفسها، تحوّلت فيه السياسة الخارجية إلى إحدى ساحاته الرئيسية. تحتاج كل دولة إلى قيادة سياسية، وإدارة اقتصادية رشيدة، وسلطة مؤسسية فاعلة. لكن السؤال الحاسم في القرن الحادي والعشرين يبقى متى تخدم المنافسة بين النخب الصالح العام، ومتى تصبح المصلحة الوطنية رهينة لطموحاتها ومصالحها الخاصة؟ نهاية أسطورة الدولة الموحّدة على مدى عقود، صوّرت نظريات العلاقات الدولية الدول باعتبارها أطرافًا موحّدة تتحرك وفق أهداف استراتيجية متماسكة. أما اليوم، فقد تهاوت هذه الصورة إلى حدّ بعيد. لننظر إلى واشنطن، فالنقاشات الحادة حول المساعدات العسكرية لأوكرانيا، والرسوم الجمركية على الواردات الصينية، ومستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تحولت من خلافات حول السياسات العامة، إلى صراع مفتوح بين مركزين متنافسين للقوة: مؤسسة تقليدية للسياسة الخارجية تتمسك بالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وتحالف قومي-اقتصادي صاعد يسعى إلى تفكيك ركائزه. وحين تتعامل العواصم الأجنبية مع واشنطن اليوم، فإنها لم تعد تتعامل مع إجماع وطني مستقر، بل بات عليها أن تحسب حساباتها وفقًا للفصيل الداخلي الذي قد يمسك بزمام السلطة غدًا. وفي أوروبا، لا تقل التناقضات حدّة. فالتكنوقراط في بروكسل، والتيارات المدافعة عن السيادة الوطنية، وجماعات الضغط الصناعية، تتصادم علنًا حول الاستقلال الاستراتيجي، والهجرة، وأمن الطاقة. وبينما تبدو النقاشات حول السياسات العامة واضحة للعيان، فإن الصراع الأعمق يدور حول سؤال أكثر جوهرية عمن يمتلك فعليًا الشرعية والتفويض للتحدث باسم أوروبا؟ وهنا يكمن الصراع الحقيقي على السلطة. وحتى في الأنظمة التي تتسم بسيطرة قوية للدولة، يبقى تماسك النخب عاملًا حاسمًا، فمثلًا الاستمرارية الاستراتيجية في روسيا تعتمد إلى حد كبير على توازنات القوة الداخلية بين شبكاتها الأمنية والاقتصادية. أما في الصين، فتتشكل الطموحات العالمية ضمن منظومة معقدة تربط بين سلطة الحزب، وقيادات الشركات المملوكة للدولة، ورواد قطاع التكنولوجيا. وعبر مختلف النماذج السياسية، يظل السؤال الأساسي واحدًا حول من يملك حق تعريف المصلحة الوطنية؟ انتقال مراكز القوة السيادية لقد تغيّرت طبيعة سلطة النخب نفسها بصورة جذرية. فقبل عشرين عامًا، كانت إدارة شؤون الدولة الخارجية حكرًا إلى حد كبير على وزراء الخارجية والجنرالات والدبلوماسيين المحترفين. أما اليوم، فكثيرًا ما تتجاوز قوة القطاع الخاص والشبكات التكنولوجية والصناعية حدود السلطة العامة، بل وتتفوق عليها في بعض المجالات. ويمكن رصد هذا التحول في 3 مجالات رئيسية: أولًا: السيادة التكنولوجية والدفاعية عندما يقيّد إيلون ماسك الوصول إلى شبكة "ستارلينك" فوق مناطق النزاع، أو عندما يصدّر قادة الصناعات الدفاعية التكنولوجية في تركيا منصات غير مأهولة إلى أوروبا الشرقية وإفريقيا والشرق الأوسط، فإننا نشهد قدرة مباشرة لقيادات تكنولوجية خاصة أو شبه خاصة على التأثير في العمليات العسكرية السيادية والتحالفات الاستراتيجية للدول. ثانيًا: رأس المال وسلاسل الإمداد تتفاوض مؤسسات مالية عملاقة مثل "بلاك روك"، وشركات رائدة في صناعة أشباه الموصلات مثل "إنفيديا"، بصورة مباشرة مع رؤساء الدول، وتمارس نفوذًا واسعًا في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وأطر إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحروب. ثالثًا: جبهة الذكاء الاصطناعي مع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أحد الأصول الأساسية للقوة الوطنية، لن تقتصر التنافسات الجيوسياسية المقبلة على الدول ذات السيادة، بل ستمتد إلى منظومات تكنولوجية خاصة متنافسة، ترتبط بهذه الدول وتتحالف معها. وعندما تصبح شبكات الاستثمار الخاص قادرة على إعادة توجيه الاقتصادات الوطنية، وتتمكن المنصات التكنولوجية من تشكيل الخطاب العام عبر القارات، فإن الدبلوماسية التقليدية تجد نفسها في موقع الاستجابة للتطورات أكثر من المبادرة إلى صناعتها. لم تعد العلاقات الدولية رقعة شطرنج تتنافس فوقها الحكومات، بل أصبحت ساحة صراع مفتوحة بين شبكات وتحالفات متداخلة من القوى السياسية والتجارية والتكنولوجية، تتنافس على النفوذ والمصالح والقدرة على توجيه القرار. ولعل هذه الديناميكيات تتجلى بأوضح صورها في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وخصوصًا ما وراء الأيديولوجيا والطائفية. فعلى مدى عقود، اعتاد كثير من المحللين الغربيين تفسير السياسات الخارجية في المنطقة من خلال الطائفية المتجذرة أو الخصومات الأيديولوجية. لكن هذا التفسير بات قاصرًا عن فهم التحولات الجارية. خلف الخطابات السياسية المعلنة، تجري تحولات عميقة تقودها إعادة تشكيل التحالفات بين النخب، ويمكن ملاحظتها في مسارين رئيسيين: المسار الأول: إعادة التموضع البراغماتي إن التحولات الدبلوماسية الكبرى التي شهدتها السنوات الأخيرة، من اتفاقيات أبراهام إلى التقارب المتسارع في علاقات تركيا مع دول الخليج ومصر وغيرها من دول المنطقة، لم تنشأ نتيجة تحولات أيديولوجية مفاجئة. بل دفعتها، إلى حد كبير، أجيال جديدة من قادة الأعمال، ورواد الصناعات الدفاعية، ومديري صناديق الثروة السيادية، الذين أعادوا حسابات دولهم ومواقعها الاستراتيجية سعيًا إلى تأمين رؤوس الأموال، والتكنولوجيا الصناعية، وطرق التجارة، في عالم يتجه تدريجيًا إلى تقليص اعتماده على النفط. المسار الثاني والأشد خطورة: اقتصاديات الصراع من غزة ولبنان إلى سوريا والسودان، لا تستمر النزاعات بفعل تصادم الهويات الوطنية وحده، بل تسهم في إدامتها أيضًا شبكات من النخب المحلية والإقليمية التي تستمد من الأزمات المستمرة شرعية سياسية، وأرباحًا تجارية، وأدوات لتعزيز نفوذها الداخلي. وعندما نتأمل الاختراقات الدبلوماسية المفاجئة أو التصعيدات الحادة في المنطقة، فإننا نادرًا ما نكون أمام تحولات جوهرية في الرأي العام. بل نكون، في كثير من الأحيان، أمام تسويات تفاوضية بين مراكز قوى متنافسة، أو تداعيات صراعات نشطة فيما بينها، على المستويين الداخلي والإقليمي. التحدي المؤسسي وُجدت المؤسسات لتوجيه الطموحات الإنسانية نحو غايات جماعية تتجاوز المصالح الفردية والفئوية. ولا يتعارض ذلك مع التنافس بين النخب، الذي قد يكون ضروريًا لسلامة الأنظمة السياسية، لما يحفّزه من ابتكار، ويعزّزه من ضوابط وتوازنات، ويفتحه من آفاق أمام أفكار جديدة. لكن التحدي الأساسي يكمن في ضمان بقاء المؤسسات أقوى من الفصائل والتيارات المتنافسة داخلها، وأن تظل هذه المنافسة في خدمة هدف وطني مشترك. فالتاريخ يعلّمنا أن المجتمعات نادرًا ما تنهار لمجرد وجود نخب متنافسة، بل تتعثر حين تنفصل مصالح تلك النخب عن المصلحة العامة. وعندما تضعف مؤسسات الدولة أمام هذا التنافس، تتحول الحوكمة إلى مجرد استجابة متأخرة للأحداث، وتتفتت الاستراتيجيات الوطنية إلى حسابات سياسية داخلية قصيرة الأجل، وتتآكل الثقة العامة. لذا، فإن ملامح القرن الحادي والعشرين لن ترسمها الحروب بين الدول وحدها، بل ستحددها أيضًا الصراعات الداخلية بين الشبكات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية المتنافسة على التحكم في مصائر تلك الدول. ومن هنا، فإن السؤال المصيري الذي يواجهنا اليوم لم يعد يقتصر على "من يحكم؟"، بل أصبح أعمق وأكثر تعقيدًا، حول من يملك سلطة تحديد ما تمثّله الأمة، وما الذي تدافع عنه؟ وهل تستطيع مؤسساتنا العامة الصمود أمام الصراع على تعريف هويتها ومصالحها ومستقبلها؟ * نبذة عن الكاتب:  أردم أوزان دبلوماسي تركي متمرس يتمتع بخبرة 27 عامًا في الخدمة الدبلوماسية. وقد شغل العديد من المناصب البارزة، بما في ذلك منصبه الأخير كسفير لدى الأردن، بالإضافة إلى مناصب في الإمارات العربية المتحدة والنمسا وفرنسا ونيجيريا. ولد في إزمير عام 1975، وتخرج بمرتبة الشرف من كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. واكتسب معرفة واسعة بالمشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الشرق الأوسط، حيث قام بتحليل تعقيدات الصراعين السوري والفلسطيني، بما في ذلك جوانبهما الإنسانية وتداعياتهما الجيوسياسية. كما شارك في العمليات الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتخصص في مجال حقوق الإنسان والتطورات السياسية الإقليمية. وتشمل مساهماته توصيات لتعزيز السلام والاستقرار من خلال الحوار والتفاوض بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية. ويواصل حاليا دراساته عن الشرق الأوسط بينما يعمل مستشارا.