أكرم بزي - كاتب وباحث سياسي لبناني
تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة من التحولات الاستراتيجية العميقة، تتجاوز حدود المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، لتطاول بنية النظام الأمني الإقليمي الذي تشكّل على امتداد عقود تحت المظلة الأميركية. فالتطور المتسارع في القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، واتساع نطاق الحروب غير المتكافئة، أعادا طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة واشنطن على تحويل تفوقها العسكري إلى ضمانات أمنية مستقرة ونفوذ سياسي مستدام. ولم تعد الإشكالية مرتبطة بحجم القوة الأميركية، بل بحدود فاعليتها في بيئة إقليمية تتغير فيها معادلات الردع وتتعدد مراكز النفوذ.
هذا التحول بات موضوعاً لنقاش متزايد داخل الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية، حيث تتقاطع قراءات أكاديمية مختلفة عند إشكالية الفجوة بين التفوق العسكري والنتائج الاستراتيجية.
ففي دراسة نشرتها دورية "International Affairs" عام 2011، ناقشت سوزان مالوني وراي تقيه حدود فاعلية العقوبات الاقتصادية ضد إيران، مبرزين أن إلحاق الضرر الاقتصادي بالدولة المستهدفة لا يضمن بالضرورة تغيير خياراتها السياسية والأمنية. وفي تحليل نشره معهد بروكينغز بتاريخ 22 حزيران 2025، عادت مالوني إلى مساءلة النتائج الاستراتيجية للهجمات الأميركية على إيران، مشيرة إلى التحديات التي تلي العمليات العسكرية، وإلى الفارق بين تحقيق أهداف عملياتية وفرض تسوية سياسية مستدامة.
وتتقاطع هذه الإشكالية مع مقاربة أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية، الذي ينتقد المبالغة في تقدير قدرة القوة العسكرية على إعادة تشكيل التوازنات السياسية. فالتفوق العسكري لا يلغي قدرة الدول المستهدفة على المقاومة، خصوصاً عندما تستطيع رفع كلفة المواجهة وتحويلها إلى استنزاف طويل الأمد.
ومن جامعة هارفارد، يقدّم ستيفن والت قراءة نقدية لمخاطر التورط العسكري الأميركي. ففي مقالات نشرتها مجلة "Foreign Policy" خلال نيسان وأيار 2026، تناول تداعيات القرارات الأميركية على الحلفاء، محذّراً من مفارقة قد تتحول فيها القوة الضامنة للأمن إلى مصدر إضافي للمخاطر. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الخليج، التي ترتبط بواشنطن بتحالفات استراتيجية، لكنها تحتاج في المقابل إلى الاستقرار لحماية مصالحها الاقتصادية ومشاريعها التنموية.
وفي السياق نفسه، تناول فالي نصر وماريا فانتابي، في دراسة نشرتها "Foreign Affairs" بتاريخ 20 نيسان 2026، خيارات السعودية في موازنة علاقاتها الدولية والإقليمية. وتعكس هذه القراءة توجهاً نحو تنويع الشراكات وتوسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي، من دون التخلي عن التحالف الأميركي، مع إبقاء قنوات الحوار والتفاهم مع إيران مفتوحة لتقليص احتمالات التصعيد.
أما الباحث مارك لينش، ففي مقاله
The End of the American Middle East المنشور
في "Foreign Affairs" عدد أيلول– تشرين الأول 2026، فيضع هذه التحولات من ضمن سياق أوسع يتعلق بتراجع قدرة الولايات المتحدة على إدارة التوازنات الإقليمية بصورة منفردة، في ظل تنامي أدوار القوى المحلية وتعدد الشراكات الدولية.
غير أن حدود الفاعلية الأميركية لا تعني بالضرورة تحقيق إيران انتصاراً استراتيجياً شاملاً. فطهران تواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة، لكنها تعتمد معايير مختلفة لقياس نتائج المواجهة. ففي الحروب غير المتكافئة، قد يشكّل الحفاظ على بنية النظام وقدراته الأساسية، ومنع الخصم من تحقيق أهدافه السياسية، نجاحاً استراتيجياً حتى في ظل خسائر عسكرية جسيمة.
وهنا تتجلى المفارقة المركزية: تستطيع الولايات المتحدة تحقيق تفوق عسكري وعملياتي واسع من دون فرض نتائج سياسية حاسمة، فيما يستطيع الطرف الأقل قوة إحباط أهداف خصمه عبر الصمود ورفع كلفة المواجهة والاستنزاف.
وتضع هذه المعادلة دول المنطقة أمام استحقاق إعادة النظر في مفهوم الأمن الإقليمي. فالاعتماد الحصري على المظلات الخارجية لم يعد كافياً لضمان الاستقرار، كما أن التخلي عن التحالفات الدولية ليس خياراً واقعياً. ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين تطوير القدرات الدفاعية الوطنية، وتنويع الشراكات الاستراتيجية، وبناء تفاهمات إقليمية تحدّ من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
ولا تشير هذه التحولات إلى انهيار وشيك للنفوذ الأميركي، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية استثنائية وشبكة واسعة من التحالفات. لكنها تكشف حدود نموذج استراتيجي افترض طويلاً أن التفوق العسكري قادر وحده على إنتاج الردع والاستقرار.
إن التحول الأعمق في الشرق الأوسط لا يتمثل في انتقال الهيمنة من قوة إلى أخرى، بل في إعادة توزيع عناصر القوة والنفوذ بين أطراف متعددة. فالقوى العظمى لا تفقد مكانتها بالضرورة نتيجة تراجع قدراتها العسكرية، وإنما عندما تتسع الفجوة بين القوة التي تمتلكها والنتائج السياسية التي تستطيع تحقيقها.
ومن هنا، فإن مستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط لن تحدده موازين السلاح وحدها، بل قدرة القوى الدولية والإقليمية على بناء ترتيبات أكثر توازناً، تعترف بتعدد المصالح وحدود الهيمنة، وتجعل التفاهم السياسي شريكاً أساسياً للردع العسكري في إنتاج الاستقرار.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر