اعتبر الكاتب والخبير في الشأن الإسرائيلي والإقليمي، الدكتور سهيل دياب، أن الأحزاب العربية باتت تمثل عاملًا حاسمًا في معادلة تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، في ضوء النتائج الأولية للانتخابات، مشيرًا إلى أن حجم تمثيلها البرلماني يمنحها قدرة مؤثرة على منع عودة بنيامين نتنياهو وائتلافه إلى الحكم، ويجعل تشكيل حكومة بديلة أكثر صعوبة من دون التوصل إلى تفاهمات معها.
وقال دياب في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، إن النتائج الأولية أظهرت أهمية الكتل العربية في تحديد شكل الائتلاف الحكومي المقبل، موضحًا أن هذه الكتل، التي أشار إلى أن تمثيلها يصل إلى نحو 19 عضوًا في الكنيست، أصبحت رقمًا صعبًا في الخريطة السياسية الإسرائيلية، في ظل عدم قدرة معسكر المعارضة على تشكيل حكومة بديلة بسهولة من دون أصواتها أو دعمها.
وأضاف أن أهمية النتائج تكمن في جانبين أساسيين؛ أولهما إسهام التصويت العربي في منع نتنياهو من تشكيل حكومة مشابهة للحكومة الحالية، وثانيهما أن تشكيل بديل حكومي بات مرتبطًا بموقف الأحزاب العربية وشكل التعاون الذي يمكن أن ينشأ بينها وبين قوى المعارضة.
المشهد الانتخابي.. معسكران لا ثلاثة
ورفض دياب قراءة نتائج الانتخابات على أساس وجود ثلاثة معسكرات منفصلة، هي اليمين والمعارضة والأحزاب العربية، معتبرًا أن هذا التصنيف يتجاهل شرعية الصوت العربي ودوره في التأثير على الخارطة السياسية الإسرائيلية.
وأوضح أن المشهد، وفق قراءته، يعكس انقسامًا بين معسكرين رئيسيين: معسكر يضم 67 عضوًا في الكنيست، بحسب الأرقام التي طرحها، لا يريد استمرار الحكومة الحالية ولا يرغب في مشاركة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وبنيامين نتنياهو في الحكومة المقبلة، مقابل معسكر آخر يضم 53 عضوًا.
ورأى أن فهم النتائج في إطار هذا الانقسام يوضح أن التغيير السياسي لا يمكن فصله عن دور الأحزاب العربية، مشددًا على أن التعامل مع هذه الأحزاب بوصفها طرفًا غير شرعي في تشكيل التوازنات السياسية يحجب حقيقة تأثيرها الانتخابي والبرلماني.
وأشار إلى أن دعوات التعاون مع الأحزاب العربية، التي صدرت عن شخصيات في معسكر المعارضة، تعكس تحركًا لافتًا داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما بين الجمهور اليهودي المعارض لنتنياهو، الذي يرى أن إسقاط الحكومة الحالية يتطلب التعاون مع النواب العرب.
وأضاف أن هذا التوجه يترافق مع تحركات شعبية وإعلامية، من بينها عرائض وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي، تؤكد شرعية الصوت العربي وأهمية إشراك الأحزاب العربية في أي مسعى لتغيير الحكومة.
ارتفاع التصويت العربي.. رسالة سياسية تتجاوز المنافسة الانتخابية
وفي تفسيره لأسباب ارتفاع المشاركة العربية، قال دياب إن هذا الارتفاع لا يرتبط فقط بالرغبة في التأثير على نتائج الانتخابات أو دعم مرشح في مواجهة آخر، بل يعكس، بحسب تقديره، تغيرًا في المزاج السياسي لدى الجمهور العربي خلال السنوات الأربع الأخيرة.
وأوضح أن سياسات الحكومة الحالية، ومواقف بن غفير وسموتريتش، وما وصفه بتغطية نتنياهو لهذه السياسات، أسهمت في زيادة مخاوف المواطنين العرب ودفعهم إلى المشاركة بصورة أوسع في الانتخابات.
وأضاف أن قطاعات من الجمهور العربي شعرت بأن المخاطر لم تعد بعيدة عن حياتها اليومية، بل باتت تمس مستقبلها ووجودها وحقوقها، في ظل المخاوف من امتداد السياسات الإسرائيلية المطبقة في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مناطق الجليل والمثلث والنقب والساحل والمدن التاريخية داخل إسرائيل.
وأشار إلى أن هذه المخاوف دفعت الناخبين العرب إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها مواجهة سياسية تتصل بمستقبلهم، وليس مجرد منافسة بين أحزاب أو مرشحين.
وأكد دياب أن ارتفاع نسبة التصويت العربي كان عاملًا أساسيًا في إضعاف فرص بعض الأحزاب اليمينية التي كان يمكن أن توفر دعمًا إضافيًا لنتنياهو، معتبرًا أن انخفاض المشاركة العربية كان من الممكن أن يتيح له فرصًا أكبر لتشكيل حكومة مشابهة للحكومة الحالية.
التعاون مع المعارضة.. تحول سياسي أم ضرورة حسابية؟
وفي تعليقه على دعوات التعاون مع الأحزاب العربية الصادرة عن شخصيات في معسكر المعارضة، رأى دياب أن هذه الدعوات تعكس تحولات في الخطاب السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا لدى المعارضين لنتنياهو، الذين باتوا يدركون أن تغيير الحكومة يتطلب الاعتراف بدور النواب العرب والتعامل معهم بوصفهم شركاء سياسيين شرعيين.
لكنه أشار إلى أن ترجمة هذه الدعوات إلى تعاون فعلي تتطلب الانتقال من التصريحات العامة إلى حوار سياسي واضح حول طبيعة الحكومة البديلة وبرنامجها والتزاماتها تجاه المواطنين العرب.
وشدد على أن الأحزاب العربية، رغم اختلاف توجهاتها بشأن المشاركة في الحكومة أو تقديم الدعم لها من خارجها، تتفق على أهمية منع عودة نتنياهو وائتلافه إلى الحكم، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بملاحظات وتساؤلات بشأن طبيعة المعارضة وسياساتها المستقبلية.
ولفت إلى أن القائمة العربية الموحدة قد تسعى إلى المشاركة في الحكومة، بينما قد تفضل القائمة المشتركة الثلاثية تقديم الدعم من خارج الائتلاف، بما يشكل شبكة أمان برلمانية تمنع سقوط الحكومة البديلة، وفقًا للترتيبات السياسية التي قد يتم التوصل إليها.
شروط الأحزاب العربية لدعم الحكومة المقبلة
وأكد دياب أن دعم الأحزاب العربية لأي ائتلاف بديل لن يكون بالضرورة مفتوحًا أو غير مشروط، بل يرتبط بمطالب سياسية وتشريعية وعملية تمس حياة المواطنين العرب وحقوقهم.
وأوضح أن المطلب الأول يتمثل في منع عودة نتنياهو وائتلافه إلى الحكم، معتبرًا أن الأحزاب العربية أعلنت استعدادها لاتخاذ خطوات سياسية لتحقيق هذا الهدف، رغم وجود خلافات وملاحظات بشأن مواقف قوى المعارضة وبرامجها.
أما المستوى الثاني من المطالب، فيتعلق بالتغييرات التشريعية والسياسية التي قد تسعى المعارضة إلى تنفيذها في حال تشكيل حكومة جديدة، ومن بينها تغيير رئيس الكنيست، وإلغاء القوانين والإجراءات المرتبطة بالتعديلات القضائية التي أثارت جدلًا واسعًا في إسرائيل، إلى جانب تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر.
وأشار دياب إلى أن الأحزاب العربية قد تربط دعمها لهذه الخطوات بمطالب خاصة بالمجتمع العربي، وفي مقدمتها إلغاء قوانين تمييزية، ومعالجة قضايا هدم المنازل ومصادرة الأراضي، ومواجهة الجريمة المنظمة والعنف، وتحقيق المساواة في الحقوق والخدمات.
قانون القومية وكمنس وهدم المنازل في صدارة المطالب
وفي تفصيله للمطالب العربية، أشار دياب إلى ضرورة إلغاء قانون القومية، الذي يرى منتقدوه أنه يكرس التمييز ضد المواطنين العرب، إلى جانب معالجة آثار قانون كمنس المتعلق بالتخطيط والبناء في البلدات العربية، وما يرتبط به من مصادرة أراضٍ وهدم منازل.
ولفت إلى وجود عشرات أوامر الهدم التي تهدد منازل عربية في الجليل والمثلث والنقب، مشيرًا إلى أن ملف هدم المنازل ومصادرة الأراضي يمثل أحد أبرز القضايا التي تنتظر معالجة سياسية وتشريعية.
كما شدد على أن مواجهة الجريمة المنظمة والعنف في المجتمع العربي يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي تفاهم سياسي، إلى جانب معالجة أوجه عدم المساواة والتمييز في الخدمات والموارد والفرص المتاحة للمواطنين العرب.
وأكد أن هذه المطالب لا تقتصر على القضايا السياسية الكبرى، بل تشمل أيضًا ملفات حياتية يومية تتعلق بالأمن الشخصي، والسكن، والأرض، والخدمات العامة، والحقوق المدنية، وهي قضايا يرى أن أي حكومة بديلة مطالبة بتقديم حلول ملموسة بشأنها.
اتصالات أولية بين المعارضة والقوائم العربية
وكشف دياب أن رئيس كتلة الجبهة والعربية للتغيير، الدكتور أحمد الطيبي، أعلن مساء اليوم السابق للمقابلة بدء اتصالات من جانب قيادات في معسكر المعارضة مع القوائم العربية، بهدف فتح نقاش حول إمكانات التعاون والملفات التي يمكن أن تشكل أساسًا للتفاهم السياسي.
واعتبر أن هذه الاتصالات تمثل خطوة أولية مهمة، لكنها لا تعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تشكيل الحكومة أو طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمه الأحزاب العربية.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستتطلب مفاوضات بشأن القضايا السياسية والتشريعية والاجتماعية، ومدى استعداد قوى المعارضة للاستجابة للمطالب العربية، سواء تعلق الأمر بالمشاركة في الحكومة أو تقديم الدعم لها من خارج الائتلاف.
وخلص دياب إلى أن النتائج الأولية للانتخابات تضع الأحزاب العربية أمام فرصة لتعزيز تأثيرها السياسي والبرلماني، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليها مسؤولية التعامل مع المرحلة المقبلة وفق برنامج واضح يربط المشاركة في جهود التغيير بتحقيق مكاسب ملموسة للمجتمع العربي، وعدم الاكتفاء بدور حسابي في منع تشكيل حكومة أو إسقاط أخرى.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر