جمهورية الموت والانتظار (البلد ضايعه)
الكاتب: عكرمة ثابت
أهلاً بكم في البلاد التي تُباد علناً على شاشات التلفاز ، بينما يُطالب ضحاياها بالاعتذار عن إزعاج العالم بصرخاتهم .
هنا في وطني ، حيث لم يعد الاحتلال مجرد سياق سياسي ، بل صار هو الهواء الملوث الذي نتنفسه ، والحرب ليست حدثاً عابراً بل هي التفصيل اليومي الوحيد المستمر .
هنا بلادٌ ضائعة ، ينهشها الموت من الجو ، ويخنقها الاستيطان من البر ، وتكبلها الحواجز من الوريد إلى الوريد ، في أكبر عملية اغتيال علنية للتاريخ والجغرافيا والإنسان .
تبدأ صباحك بمحاولة النجاة من قصفٍ عشوائي أو اقتحامٍ مفاجئ ، لتجد نفسك فوراً في مواجهة حواجز عسكرية وُجدت خصيصاً لتذكيرك بأنك مجرد عابر سبيل في بيتك .
حواجز تقسم المقسم ، وتتحكم بأعمار البشر ومصائرهم ، وكأنها بوابات تفتيش تؤدي إلى المقبرة.
وعلى الجانب الآخر ، ترى التغول الاستيطاني يتمدد كسرطان يلتهم الجبال والقرى وسهول الزيتون بنهم وحشي ، يبنون بؤرهم الاستيطانية فوق أنقاض أحلامنا ، ويستولون على البيوت والمساكن بسهولة ، بينما نحن غارقون في حصار معيشي خانق ؛ أزمة بنزين وسولار ، وغلاء غاز وقلة رواتب وإنعدام فرص العمل .
لقد أصبحت إسطوانات الغاز الفارغة شاهداً على عجزنا ، وتحول البحث عن لتر وقود إلى رحلة شاقة أشبه بالبحث عن إكسير الحياة ، وسط عربدة وانفلات لعصابات المستوطنين وتنكيل لا يوصف لجيش الاحتلال وإستفراد مرعب بالأسرى والمعتقلين والتنكيل بهم سرا وعلانية.
وفي ظل هذه الحرب الطاحنة ، بوادر الانهيار تهدد كل شيء ؛ الاقتصاد ، التعليم ، الصحة ، الكهرباء والماء ، السكن والمأوى .
انعدام الأمن ، بسبب ممارسات الاحتلال والمستوطنين والطابور الخامس ، صار هو الهم العام ، وسيطر الخوف والترقب على الشوارع والبيوت .
ينام الناس ، إن ناموا ، وأعينهم على السقف خشية أن يهوي فوق رؤوسهم ، أو ينتظرون صوتاً يخبرهم بالرحيل القسري نحو مجهول آخر .
والمفارقة المرة وسط هذا الموت المحقق ، هي تلك السلوكيات المشوهة التي لا تمت لواقعنا وتقاليدنا بصلة. تجد في هذا الانفصام الجماعي من يجادل في صغائر الأمور والبلد تحترق ، وتصدمك مظاهر "البرستيج" الكاذب والنفاق الاجتماعي والحفلات الخاصة التي تثير الإشمئزاز والسخرية ، وحالة الفلتان الاعلامي التشويهي على منصات التواصل الاجتماعي وسط شلال الدم .
ايدي خفية شيطانية تسعى لتدمير البلد وتشويه أصالتها وطيبتها ونقائها ، عقول خبيثة تحاول خلط الاوراق وزعزعة الامن والاستقرار والمساس بالسلم الاهلي والمجتمعي .
إنها بلادٌ تُسحق تحت مجازر الاحتلال وآلة حربه ، وتضيع في دهاليز الصمت الدولي ، يريدون لها أن تسير نحو المجهول وهي تنزف من كل جانب .
لكننا ، بوحدتنا ووعينا
وإسنادنا لأمننا وتمسكنا بمشروعنا الوطني وتقاليدنا الاجتماعية والاخلاقية وصبرنا وصمودنا فوق أراضينا ، سنحمي هذا البلد ونصونه من الضياع وسنحقق حلمنا مهما إشتدت الصعاب وقست الظروف وطال الزمن .