في مفارقة تعكس حجم التعقيد الجيوسياسي والرياضي، يمكن للاعب الجودو الروسي اليوم أن يعتلي منصة التتويج ممثلا لبلاده تحت راية العلم الروسي، بينما يُلزم الاتحاد الدولي للتزلج على الجليد (ISU) الرياضي الروسي ذاته بالمشاركة بصفة "محايدة" ومجردة من أي رموز وطنية!
تعود جذور هذا التباين إلى قرار اللجنة الأولمبية الدولية (IOC) في يوليو/تموز 2026 بالرفع المؤقت لتعليق عضوية اللجنة الأولمبية الروسية، حيث تخلت المنظمة الدولية عن فرض معيار موحد، وتُركت لكل اتحاد رياضي دولي صلاحية البت في شروط العودة، سواء برفع العلم وعزف النشيد أو فرض الحياد، مما جعل مفهوم "العودة" يختلف جذريا من بطولة إلى أخرى.
الرياضي أم الدولة؟
تتمحور الإشكالية الكبرى حاليا حول التمييز بين حق "الرياضي كفرد" في المنافسة، وبين "الدولة" ككيان سياسي ممثل في النشيد والعلم.
أخبار مقترحة
ففي ألعاب رفع الأثقال مثلا، شارك الروس في بطولة العالم بمدينة نينغبو الصينية تحت ألوان علمهم الوطني، وهو ما استند إليه مؤيدو المشاركة الذين يدافعون عن المبادئ الأولمبية التي تكفل للرياضيين حق التنافس بغض النظر عن جنسياتهم أو الصراعات السياسية لحكوماتهم.
في المقابل, يرفض المعارضون، وعلى رأسهم المسؤولون والرياضيون الأوكرانيون، هذه الثنائية تماما، وتتركز حجتهم على التبعات الميدانية للحرب؛ متسائلين عن العدالة الرياضية والأخلاقية في السماح برفع العلم الروسي على منصات التتويج، في وقت أدت فيه العمليات العسكرية إلى تدمير البنية التحتية الرياضية في أوكرانيا، مما قوض بشكل مباشر قدرة الرياضيين الأوكرانيين على التدريب والمنافسة، بل أودى بحياة عدد منهم.
وقد امتد هذا السجال ليخلق جدلا وانقساما حادا داخل أروقة السباحة الأوروبية، حيث تباينت الآراء بين اتحادات ترفض الوجود الروسي كليا، وأخرى تقبل به تحت شروط الحياد الصارمة.
أزمة الهوكي
على صعيد الرياضات الجماعية، أخذ الانقسام بعدا مؤسسيا حادا بعد تدخل محكمة التحكيم الرياضية (CAS)، التي ألغت قرارات الاتحاد الدولي لهوكي الجليد (IIHF)، وأقرت بضرورة إعادة المنتخبات الروسية للمشاركة في موسم 2026-2027.
هذا الحكم القضائي قوبل بتمرد فوري من قِبل دول فاعلة في اللعبة؛ حيث أعلنت كندا والسويد وفنلندا والدنمارك والنرويج ولاتفيا وجمهورية التشيك رفضها القاطع للعب ضد روسيا أو المشاركة في بطولات تضم فرقا روسية وبيلاروسية.
وقد تجلى ذلك في تصريحات رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي أكد منع روسيا وبيلاروسيا من المشاركة في بطولة العالم للشباب المقررة في ألبرتا، تزامنا مع تهديد مدينة توركو الفنلندية بالتخلي عن استضافة نسخة 2028 إذا سُمح للروس بالمشاركة.
وفي أحدث تطورات الملف، قرر الاتحاد الدولي لهوكي الجليد عدم مشاركة منتخبي بيلاروسيا للرجال تحت 20 عامًا والمنتخب الأول للرجال في بطولة العالم للناشئين 2027 وبطولة العالم 2027، على الترتيب، وذلك في بيان أصدره اليوم السبت 7 نوفمبر/تشرين الثاني.
رد فعل موسكو
لم تقف موسكو مكتوفة الأيدي أمام حملات المقاطعة، فيوم الخميس، صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن قرارات محكمة (CAS) واللجنة الأولمبية الدولية التي تعيد دمج روسيا هي قرارات "تدافع عن الميثاق الأولمبي"، معتبرا أن الدول التي تفرض حظرا مستقلا تمارس "قيودا مسيسة تمثل انتهاكا صارخا للقانون وللمؤسسات الديمقراطية ذاتها".
ورغم هذا الدفاع السياسي، تواجه عودة الرياضيين الروس عراقيل فنية وإجرائية أخرى تتعلق بملف المنشطات المعقد منذ أولمبياد سوتشي الشتوية 2014.
مشكلة جديدة
بينما يعود الروس للتنافس، كشفت تقارير الوكالة الدولية للاختبارات (ITA) أن 75% من فريق رفع الأثقال الروسي (12 من أصل 16 بطلا) لم يخضعوا لاختبارات مستقلة خارج المنافسات قبل بطولة العالم الأخيرة في الصين.
هذا الأمر أثار حفيظة جهات مثل "الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات" (WADA) ومنظمة "جلوبال أثليت"، التي اعتبرت أن غياب الشفافية والرقابة المستقلة على الوكالة الروسية (RUSADA) يجعل من قرار العودة الرياضية لروسيا قرارا محفوفا بالمخاطر وانعدام الثقة في نزاهة المنافسات.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر