بالصور - إلى محبّي عالم السبحات... ما قصّتها؟
في دمشق، لا تختصر السبحة حكاية تسبيح أو عادة يومية، بل تحمل بين حباتها ذاكرة رجال وأجيال، وتراثاً ارتبط بتفاصيل الحياة الاجتماعية، من الجلسات والمضافات إلى العزائم. ومع مرور الوقت، تجاوزت وظيفتها اليومية لتصبح لدى بعض المهتمين قطعة تروي حكاية حرفة وشغف بالاقتناء، وقد تتحول إلى تحفة نادرة تتنافس عليها الأيدي.
وفي أسواق دمشق، تتنوع السبحات بين قطع بسيطة ترافق أصحابها في يومياتهم وأخرى تستقطب هواة جمع المقتنيات القديمة، في عالم تتداخل فيه المهارة اليدوية مع قيمة الخامة ودقة التفاصيل وندرة القطعة.
حين تصبح المسبحة جزءاً من شخصية صاحبها
يرى حرفي السبحات أنس الجلاد أن ارتباط السبحة بالذكر والتسبيح شكّل أحد أبرز أوجه استخدامها، إذ اعتاد الناس عدّ الأذكار على أصابع اليد قبل انتشار المسابح بأعداد مختلفة من الحبات.
ويوضح أن عدد الحبات يتعدد بين 33 و66 و99 حبة، وفق استخدام الشخص وتفضيلاته. لكن السبحة لا تبقى لدى الجميع أداة للاستخدام اليومي؛ فبعض المهتمين يجدون فيها هواية تفتح الباب أمام البحث عن القطع المميزة والنادرة واقتنائها.
من اليسر إلى العاج.. خامات تصنع الفارق
تتنوّع السبحات في خاماتها وألوانها وأشكالها، ما يمنح الحرفيين مساحة لتقديم قطع مختلفة تلائم أذواق المستخدمين وهواة الجمع.
ويشرح حرفي السبحات إياد محمود أن اليسر والعاج والمسك من الخامات المستخدمة في صناعة المسابح، مشيراً إلى اختلاف خصائصها وألوانها، وإلى الاستعانة بالزينة الفضية والشرابات لإضفاء طابع جمالي خاص على بعض القطع.
وتعتمد صناعة هذه الأعمال، بحسب محمود، على المهارة اليدوية في تجهيز الخامة وتزيين السبحة وتركيب تفاصيلها، وهي مراحل تمنح كل قطعة طابعاً يميزها عن غيرها.
لماذا تتجاوز أسعار بعض المسابح 1500 دولار؟
في عالم اقتناء السبحات، لا تتحدد القيمة بالاستخدام وحده، بل تدخل عوامل عدة في تحديدها، من بينها الخامة وحالة القطعة وجودة صناعتها وندرتها وتفاصيلها المميزة.
ويشير حرفي السبحات مالك كيوان إلى وجود قطع ذات طابع عثماني، تلفت تفاصيلها النادرة اهتمام الهواة، وتختلف قيمتها بحسب الخصائص التي تميّزها عن غيرها.
أما حرفي السبحات خالد الشواك، فيوضح أن الأسعار تتفاوت كثيراً، إذ تبدأ أسعار بعض القطع من بضعة دولارات، وتصل إلى مئات الدولارات، فيما قد تتجاوز قيمة بعض المقتنيات النادرة 1500 دولار، وفق تقديره.
وبين هذه المستويات السعرية، يتحول البحث عن السبحة لدى الهواة إلى رحلة وراء قطعة مختلفة، سواء بسبب خامتها أو تفاصيلها أو ما تحمله من قيمة تراثية.
مسبحة عمرها مئة عام.. حكاية تتوارثها الأجيال
لا تنحصر جاذبية السبحات القديمة في شكلها أو خاماتها، بل تمتد إلى ما تحمله من آثار الصناعة التقليدية وتفاصيلها المتوارثة.
ويلفت حرفي المسابح أبو طارق الديب إلى أن بعض المسابح القديمة يعود عمرها إلى نحو مئة عام، مشيراً إلى ما تتميز به بعض السبحات الحلبية القديمة من شرابات وزخارف تعكس جماليات صناعتها التقليدية.
ويؤكد أن السبحة تمثل لدى كثير من المهتمين أكثر من أداة للاستخدام اليومي؛ فهي هواية ومجال للتجارة أيضاً، يجتمع فيه الشغف بالقطع القديمة مع الاهتمام بقيمتها التراثية.
وهكذا، لا تبقى السبحة القديمة مجرد قطعة انتقلت من يد إلى أخرى، بل تصبح جزءاً من ذاكرة الحرفة، بما تختزنه من تفاصيل وأساليب عمل حافظ عليها الحرفيون عبر الزمن.
كيف يمكن الحفاظ على حرفة المسابح في دمشق؟
رغم حضور السبحة في الأسواق واهتمام الهواة بها، يبرز دور التعريف بالحرف التقليدية في توسيع دائرة المهتمين بها وفتح فرص جديدة أمام أصحابها.
وفي هذا السياق، يأمل إياد محمود أن تسهم الجهود السياحية واستقطاب صنّاع المحتوى والمؤثرين على منصّات التواصل الاجتماعي في التعريف بدمشق وحرفييها، وتشجيع الزوار على اكتشاف أسواق المدينة ومهنها التراثية.
ولا يقتصر التعريف بهذه الحرفة على عرض منتجاتها، بل يشمل أيضاً نقل قصص أصحابها وإبراز المهارات التي تقف وراء صناعتها، بما يتيح لجمهور أوسع اكتشاف قيمتها ويدعم فرص استمرارها.
من حبات ترافق الذكر إلى قطع نادرة قد تتجاوز قيمتها 1500 دولار، تختصر السبحة حكاية تتجاوز حدود الاستخدام اليومي، لتلامس الذاكرة الاجتماعية والهوية وتفاصيل الحياة الدمشقية.
وبين أيدي الحرفيين، تظل قيمتها مرتبطة بما تختزنه من مهارة ووقت وتاريخ. فالحفاظ على هذه الصناعة لا يعني صون قطعة تراثية فحسب، بل إبقاء حكاية إنسانية ومهنية حيّة، قادرة على الانتقال إلى الأجيال المقبلة.