أمراض القلب والسكري تتزايد في الهند
يشهد المشهد الصحي في الهند تحوّلاً لافتاً، فمع ارتفاع متوسّط العمر المتوقّع، تتزايد الأمراض المزمنة التي تُهدّد جودة حياة السكان وفي مقدّمتها أمراض القلب، السكري والانسداد الرئوي المزمن.
ولم تعد هذه المشكلات الصحية تقتصر على كبار السن، إذ باتت تُشخّص لدى أشخاص في العشرينات والثلاثينات من العمر. ووفقاً لمنظّمة الصحة العالمية، ارتفع متوسّط العمر المتوقّع في الهند من 62.8 عاماً عام 2000 إلى 71 عاماً عام 2023، لكن المتوقع بصحة جيدة لم يتجاوز 60.6 عاماً.
وتُسلّط هذه الفجوة الضوء على تحدٍّ يتجاوز إطالة العمر، ليطرح تساؤلات حول العوامل التي تُؤثّر في صحة السكان، من أنماط الحياة غير الصحية والتدخين إلى السمنة، قلّة النشاط البدني وتلوّث الهواء.
أمراض مزمنة تتصدر المشهد الصحي
ويرى الدكتور أشوك كومار جينغان، المدير الرئيسي لمركز السكري، الغدة الدرقية، السمنة والغدد الصماء في مستشفى "BLK-Max" التخصّصي في دلهي، أن هذا التحوّل لا يعني اختفاء الأمراض المعدية، بل يعكس استمرار التحدّيات الصحية بالتزامن مع تصاعد تلك المزمنة.
ويلفت إلى أن استمرار بعضها يرتبط بثغرات في خدمات الصرف الصحي، التغذية، التلقيح وإمكان الوصول إلى الرعاية الطبّية والحصول على العلاج في الوقت المناسب.
وفي المقابل، لا تزال أمراض القلب من أبرز أسباب الوفاة، إلى جانب السكتات الدماغية ومرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، الذي يعكس بدوره تزايد أعباء الأمراض التنفّسية.
ولا تقتصر أسباب ارتفاع الأمراض المزمنة على الخيارات الفردية، إذ تشمل التدخين، الأنظمة الغذائية غير الصحية، قلّة النشاط البدني، السمنة، ارتفاع ضغط الدم والسكري، فضلاً عن التعرّض المستمر لتلوّث الهواء.
أمّا مرض الانسداد الرئوي المزمن، فيرتبط بالتدخين وتلوّث الهواء داخل المنازل والتعرّض للغبار في أماكن العمل، الأبخرة والمواد الضارة.
ويُحذّر جينغان من التعامل مع السكري باعتباره اضطراباً في مستويات السكر فحسب، إذ يُمكن أن يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب، السكتات الدماغية، الفشل الكلوي، تلف الأعصاب ومشكلات النظر.
ويُشير إلى أن الهند تُواجه عبئاً مزدوجاً للأمراض، إذ لا تزال المعدية منه حاضرة، بالتزامن مع تزايد انتشار تلك المزمنة.
الأمراض المزمنة تطاول الشباب أيضاً
ولا تقتصر هذه المشكلة على كبار السن، إذ باتت أمراض كانت تُسجّل تقليدياً في مراحل عمرية متقدّمة تظهر بصورة متزايدة لدى أشخاص في العشرينات والثلاثينات من العمر.
وتوضح الدكتورة نيثرا إن، استشارية الطبّ الباطني في مستشفيات مانيبال بمدينة بنغالورو، أن حالات السكري من النوع الثاني، ارتفاع ضغط الدم، السمنة ومرض الكبد الدهني أصبحت تُشخّص بشكل متزايد لدى فئات عمرية أصغر.
وتربط هذه الظاهرة بأنماط الحياة الخاملة، العادات الغذائية غير الصحية، التوتر المزمن وقلّة النوم، إلى جانب الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية.
وتكمن خطورة هذه الحالات في أنها قد تتطوّر لسنوات من دون أعراض واضحة، إذ يُمكن أن يُعاني الشخص ارتفاع ضغط الدم، مقاومة الإنسولين أو اضطراب مستويات الكوليسترول من دون أن يدرك ذلك.
وتُحذّر نيثرا من اجتماع أكثر من اضطراب أيضي لدى الشخص نفسه، الأمر الذي قد يرفع احتمالات الإصابة بأمراض القلب، الفشل الكلوي والسكتات الدماغية في سن مبكرة نسبياً.
وتُشدّد على ضرورة الانتقال من الاكتفاء بعلاج الأمراض بعد ظهورها إلى التركيز على الكشف المبكر عن عوامل الخطر والوقاية منها.
هل يُمكن للهند الحدّ من هذا التحدي الصحي؟
يتطلّب الحدّ من انتشار الأمراض المزمنة إعطاء الرعاية الصحية الوقائية أولويةً أكبر، من خلال الفحوص الطبّية الدورية، مراقبة ضغط الدم ومستويات السكر، إلى جانب اعتماد نظام غذائي متوازن، ممارسة النشاط البدني بانتظام والحصول على قسط كافٍ من النوم والحدّ من استهلاك التبغ.
كما يُشكّل الحدّ من تلوّث الهواء وتحسين فرص الحصول على العلاج بأسعار مناسبة جزءاً أساسياً من مواجهة هذا العبء الصحي.
وفي هذا السياق، تُؤكّد الدكتورة نيثرا أن الهدف لا ينبغي أن ينحصر بزيادة متوسّط العمر المتوقّع، بل يجب أن يشمل إطالة السنوات التي يتمتّع فيها الأشخاص بصحة جيّدة وقدرة على ممارسة حياتهم باستقلالية.
فإطالة العمر لا تكتسب معناها الحقيقي بمجرّد زيادة عدد السنوات، بل بقدرة الإنسان على عيشها بصحة أفضل.