الدكتور عزوز جميل: الرقمنة ستحفظ الوثائق وتحمي الأدلة الطبية

أصبحت رقمنة الوثائق داخل مصالح الطب الشرعي، ضرورة تفرضها طبيعة العمل الطبي الشرعي، فلم تعد مجرد خيار تقني أو إجراء إداري يرمي إلى التخلص من الملفات الورقية. وفي هذا المجال الذي تتقاطع فيه الحقيقة الطبية مع متطلبات العدالة، تكتسي كل وثيقة وكل معلومة أهمية بالغة، ما يجعل حفظها وتأمينها وسهولة الرجوع إليها جزءا لا يتجزأ من جودة الأداء وموثوقية العمل.
ونظمت مصلحة الطب الشرعي بالمركز الاستشفائي الجامعي مصطفى، حول هذا الموضوع، يوما للتكوين المستمر تحت شعار “رقمنة الوثائق الطبية الشرعية”، حيث أكد الدكتور عزوز جميل، المختص في الطب الشرعي، بذات المصلحة، أن أهمية الانتقال نحو منظومة رقمية حديثة تتيح لمصالح الطب الشرعي إعادة تنظيم طرق معالجة الملفات والوثائق، تتحقق من خلال اعتماد الأرشفة الإلكترونية وقواعد البيانات المهيكلة، بما يسمح بحفظ التقارير الطبية الشرعية، ومحاضر المعاينات، ونتائج الفحوصات، وتقارير التشريح، وغيرها من الوثائق المرتبطة بالنشاط الطبي الشرعي، ضمن فضاء رقمي منظم يسهل استغلاله واسترجاعه عند الحاجة.
وأوضح أن هذه النقلة، لا تقتصر على رقمنة الوثائق فحسب، بل تمتد إلى إحداث تحول في أساليب العمل اليومية، حيث يمكن للأنظمة المعلوماتية أن تساهم في تقليص الوقت المستغرق في البحث عن الملفات، وتسهيل متابعة مسارها منذ استقبال الحالة إلى غاية إعداد التقرير النهائي، علاوة عن تحسين التنسيق بين الأطباء الشرعيين والأطقم الإدارية، والحد من مخاطر ضياع الوثائق أو تلفها نتيجة التداول والحفظ التقليدي.
وأشار الدكتور عزوز جميل، إلى أن خصوصية الطب الشرعي تجعل أمن المعلومات خطا أحمر لا يقبل التهاون، لأن الملفات التي تتعامل معها هذه المصالح، بحسبه، قد تتضمن معطيات شخصية وصحية بالغة الحساسية، ومعلومات تتصل بضحايا ومفحوصين ومتوفين، إضافة لوثائق قد تكون ذات صلة بإجراءات قضائية. وهو ما يستدعي إرساء نظام حماية متعدد المستويات، يقوم على تشفير البيانات، وتحديد صلاحيات الولوج بحسب المهام والمسؤوليات، وتسجيل عمليات الاطلاع والتعديل، إلى جانب اعتماد النسخ الاحتياطي المنتظم وآليات استعادة المعلومات عند الطوارئ.

رقمنة تتطلب التحقيق الدقيق حول الوثيقة
وخلال اليوم التكويني بمصلحة الطب الشرعي بمستشفى مصطفى باشا، أكد الأطباء المشاركون، أن الرقمنة تطرح تحديا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالحفاظ على سلامة الوثيقة الطبية الشرعية ومصداقيتها، إذ ينبغي أن تضمن المنظومة المعتمدة إمكانية التحقق من مصدر الوثيقة وتاريخ إنشائها، وتتبع مختلف التعديلات التي قد تطرأ عليها، مع احترام الشروط القانونية المتعلقة بالتوقيع الإلكتروني وحفظ الوثائق واستعمالها.
ويرى هؤلاء، أن الحلول الرقمية تفتح آفاقا جديدة أمام التسيير الاستراتيجي لمصالح الطب الشرعي، من خلال توفير معطيات إحصائية دقيقة حول حجم النشاط وطبيعة التدخلات والفحوصات المنجزة، بما يساعد المسؤولين على تقييم الأداء، وتحديد الاحتياجات، وتوزيع الموارد البشرية والمادية بصورة أكثر فعالية.
ويبقى، بحسبهم، نجاح هذا التحول مرهونا، إلى جانب توفير التجهيزات والبرمجيات المناسبة، بتأهيل الموارد البشرية وتعزيز ثقافة الرقمنة لدى الأطباء الشرعيين والأعوان الإداريين، مع وضع بروتوكولات واضحة للاستخدام والحماية، تضمن التوفيق بين متطلبات السرعة والفعالية من جهة، وواجبات السر المهني وحماية المعطيات الشخصية والالتزامات القانونية من جهة أخرى.
وقال الدكتور عزوز جميل، إن الرهان الحقيقي لمصالح الطب الشرعي لا يكمن في مجرد تخزين الوثائق داخل أجهزة الحاسوب، بل في بناء ذاكرة رقمية مؤسساتية موثوقة، تحفظ المعلومة من الضياع، وتصونها من الاستغلال غير المشروع، وتجعل الوصول إليها أكثر سرعة ودقة، مؤكدا أنها خطوة نحو طب شرعي أكثر تنظيما وعصرنة، تكون فيه التكنولوجيا أداة لخدمة الحقيقة الطبية، وتعزيز موثوقية الوثيقة، ودعم جودة الأداء في خدمة العدالة.