أكد أطباء أنه على الرغم من أن الدفتيريا (الخناق) والأنفلونزا الموسمية مرضان مختلفان من حيث المسببات وطبيعة المضاعفات وطرق العلاج، فإنهما قد يتشابهان في بعض الأعراض التنفسية الأولية، وهو ما قد يجعل التمييز بينهما صعبا، خصوصا خلال فصل البرد، حين تنتشر الالتهابات التنفسية ويزداد الإقبال على الاستشارات الطبية.

في هذا السياق، نبه مولاي سعيد عفيف، طبيب الأطفال رئيس الجمعية المغربية للعلوم الطبية، إلى أن الأعراض الأولى للدفتيريا قد تشبه أعراض نزلات البرد والأنفلونزا، موضحا أنها قد تشمل سيلان الأنف والتهاب الحلق والسعال وارتفاع درجة الحرارة.

وقال عفيف، ضمن تصريح لهسبريس، إن هذا التشابه يستدعي عدم الاستهانة بهذه الأعراض، داعيا الأمهات والآباء إلى التوجه، عند ظهورها، إلى أقرب مركز صحي أو مستشفى إقليمي، أو استشارة طبيب الأطفال المعالج، تفاديا لأي تفاقم محتمل للحالة، ولضمان التشخيص المبكر في حال تعلق الأمر بالدفتيريا.

وأوضح المتحدث أن الدفتيريا مرض خطير تسببه بكتيريا، بخلاف الأنفلونزا الموسمية التي يتسبب فيها فيروس الأنفلونزا، مشددا على أهمية التعرف على طبيعة المرضين وعدم الخلط بينهما، بالنظر إلى اختلاف خطورتهما والتدخل الطبي المطلوب في كل حالة.

اختلاف في المسببات وطبيعة المضاعفات

من جهته، أكد الطيب حمضي، طبيب باحث في السياسات والنظم الصحية، أن الدفتيريا والأنفلونزا الموسمية مرضان مختلفان تماما، رغم وجود بعض أوجه التشابه بينهما، موضحا أن الدفتيريا تنتج عن بكتيريا الوتدية الدفتيرية (Corynebacterium diphtheriae)، بينما تسبب الأنفلونزا الموسمية فيروسات الأنفلونزا.

وتنتقل الدفتيريا، وفق المعطيات الطبية التي قدمها حمضي ضمن تصريح لهسبريس، عبر الرذاذ التنفسي المباشر أو قطرات السوائل التي يطرحها المصاب، فيما تنتقل الأنفلونزا من خلال القطيرات المتطايرة عند السعال أو العطس، وتتميز بسرعة انتشار أكبر.

وتكمن الخطورة الأساسية للدفتيريا في السم الذي تفرزه البكتيريا المسببة لها، والذي يمكن أن يؤثر على أعضاء حيوية في الجسم، من بينها القلب والكليتان والجهاز العصبي، كما قد يصل تأثيره إلى مجرى الدم، ما يجعل المرض قابلا للتسبب في مضاعفات خطيرة إذا لم يتم التدخل الطبي في الوقت المناسب.

وعلى مستوى الأعراض، أشار حمضي إلى أن الدفتيريا قد تتسبب في ظهور غشاء سميك أبيض مائل إلى الرمادي في الحلق، وقد يؤدي نزعه إلى حدوث نزيف، كما يمكن أن يصاحبها تورم شديد في العنق، يُعرف طبيا بـ”عنق الثور”، وقد يتسبب في صعوبات تنفسية تصل إلى الاختناق.

أما الأنفلونزا الموسمية، فتتميز عادة بارتفاع مفاجئ في درجة الحرارة، قد يصل إلى 39 أو 40 درجة مئوية، إلى جانب آلام العضلات والمفاصل والسعال والعطس والصداع، وهي أعراض تختلف في طبيعتها وشدتها عن العلامات المميزة للدفتيريا.

مضاعفات الدفتيريا أكثر خطورة

وبخصوص المضاعفات، أوضح الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية أن الدفتيريا قد تؤدي إلى التهاب عضلة القلب وتضرر الجهاز العصبي، فضلا عن انسداد الجهاز التنفسي، وهي مضاعفات قد تكون قاتلة، خصوصا في الحالات المتقدمة أو التي لا تستفيد من العلاج المناسب.

وأشار إلى أن نسبة الوفيات المرتبطة بالدفتيريا قد تكون مرتفعة في الحالات المتقدمة وغير المعالجة، فيما تظل الأنفلونزا الموسمية أقل خطورة على مستوى الإصابة الفردية، رغم أن انتشارها الواسع يجعلها مسؤولة عن عدد مهم من الوفيات سنويا، خصوصا في صفوف الفئات الهشة وكبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.

وأضاف أن الأنفلونزا قد تتسبب بدورها في التهابات ومضاعفات تنفسية، وقد تؤدي إلى تفاقم أمراض القلب والرئة، لا سيما لدى الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة، غير أن طبيعة مضاعفاتها تختلف عن تلك المرتبطة بالدفتيريا.

العلاج يختلف بين المرضين

وفي ما يتعلق بالعلاج، شدد حمضي على أن التعامل مع الدفتيريا يتطلب تدخلا طبيا استعجاليا، يقوم أساسا على إعطاء مضاد سم الدفتيريا لتحييد السم الذي تفرزه البكتيريا، إلى جانب المضادات الحيوية للقضاء على البكتيريا المسببة للمرض.

وفي هذا الصدد، أشار عفيف إلى أن العلاج بالمضادات الحيوية قد يشمل أدوية مثل أزيثرومايسين أو أموكسيسيلين، وفق التقييم الطبي، داعيا إلى عدم انتظار تفاقم الأعراض قبل طلب الاستشارة الطبية.

في المقابل، يعتمد علاج الأنفلونزا الموسمية، في الغالب، على تخفيف الأعراض من خلال خافضات الحرارة، والراحة، والإكثار من السوائل، فيما يمكن اللجوء إلى مضادات الفيروسات في حالات محددة، وفق الحالة الصحية للمريض وتقدير الطبيب.

التلقيح.. القاسم المشترك وأساس الوقاية

على مستوى الوقاية، يشكل التلقيح القاسم المشترك الأبرز بين المرضين؛ إذ تتوفر لقاحات للوقاية من الدفتيريا والأنفلونزا الموسمية، غير أن طبيعة استعمالها والجدول الزمني الخاص بها يختلفان.

في هذا الإطار، أكد عفيف أن لقاح الدفتيريا يظل الوسيلة الأساسية للوقاية من هذا المرض، مذكرا بأن المغرب لم يسجل حالات منه لأكثر من ثلاثين سنة، قبل عودة تسجيل إصابات في الفترة الأخيرة.

وأوضح أن اللقاح يتميز بفعاليته، ويُستعمل منذ أكثر من أربعين سنة، كما يتوفر مجانا في المراكز الصحية، ويمكن اقتناؤه من الصيدليات مقابل نحو 38 درهما.

وأضاف أن التلقيح ضد الدفتيريا يبدأ خلال الأشهر الأولى من حياة الطفل، في الشهر الثاني والثالث والرابع، مع جرعات تذكيرية في عمر سنة ونصف وخمس سنوات، مشددا على أن التذكير لا يتوقف عند هذا السن، بل ينبغي أن يستمر في سن العاشرة والخامسة عشرة.

وحذر عفيف من أن عددا من الوفيات المسجلة بسبب الدفتيريا يرتبط بعدم تلقي اللقاح أو عدم استكمال الجرعات التذكيرية، داعيا الأسر إلى التأكد من احترام أبنائها للجدول الوطني للتلقيح، وعدم اعتبار الجرعات الأولى كافية للحماية مدى الحياة.

أما لقاح الأنفلونزا الموسمية، فيُجدد سنويا، وتوصى به بشكل خاص الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، وفي مقدمتها كبار السن والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة، إلى جانب الالتزام بالتدابير الوقائية، من قبيل غسل اليدين وتجنب نقل العدوى عبر السعال والعطس واستعمال الكمامة عند الحاجة.

تشابه في الانتقال واختلاف في سرعة الانتشار

على الرغم من الاختلافات الجوهرية بين المرضين، إلا أنهما يلتقيان في كونهما يصيبان الجهاز التنفسي وينتقلان بين الأشخاص عبر الرذاذ التنفسي، كما تتوفر لقاحات للوقاية منهما أثبتت أهميتها في الحد من الإصابات والمضاعفات.

غير أن الأنفلونزا الموسمية تتميز بانتشار أسرع وأوسع، بينما ترتبط خطورة الدفتيريا، على نحو خاص، بالسم الذي تفرزه البكتيريا، وبإمكانية تسببه في أضرار تصيب أعضاء حيوية، ما يجعل التشخيص المبكر والتدخل العلاجي العاجل عاملين أساسيين في مواجهة المرض.

وفي ظل عودة تسجيل حالات الدفتيريا بعد سنوات طويلة من الغياب، شدد عفيف على ضرورة عدم التهاون مع الأعراض التنفسية، والأهم من ذلك الحرص على استكمال جرعات التلقيح والتذكير، باعتبارهما خط الدفاع الأساسي للوقاية من مرض قد تكون مضاعفاته خطيرة.