موقف الجزائر سيظل عاملا مؤثرا في حسابات المرحلة المقبلة
حذّرت الباحثة الأمريكية سابينا هينبرج من التداعيات الأمنية والسياسية لانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو»، معتبرة أن المرحلة التي أعقبت إنهاء مهمتها تفتح المجال أمام تصاعد التوترات واحتمال تجدد المواجهات المسلحة، في ظل غياب وسيط دولي واضح واستمرار الخلاف حول مستقبل الإقليم وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
توقف تحليل نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى للسلام الدولي، يوم 4 نوفمبر 2026، تحت عنوان «ما بعد بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية: إدارة التوتر ومنع اندلاع النزاع»، أعدته الباحثة سابينا هينبرج عند التحولات التي أعقبت فشل مجلس الأمن في تجديد ولاية البعثة، عقب استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، مشيرة إلى أن انتهاء مهمة «مينورسو» لا يعني بالضرورة نهاية تدخل الأمم المتحدة في النزاع، لكنه يزيل إحدى الآليات التي ساهمت طوال 35 عاما في مراقبة الوضع الميداني والحد من احتمالات التصعيد.
وركزت الباحثة على المخاطر المرتبطة بالطموحات المغربية في توسيع السيطرة على الأراضي الصحراوية، خاصة المناطق الواقعة خارج سيطرة الرباط، والتي تمثل نحو 20 بالمائة من مساحة الإقليم، ويقدر عدد سكانها بين 30 ألفا و40 ألف نسمة. ولفتت إلى أن انسحاب البعثة الأممية قد يثير تكهنات بشأن إمكانية استغلال المغرب غياب المراقبين الدوليين للتقدم نحو هذه المناطق، بما قد يؤدي إلى مواجهات مباشرة مع قوات جبهة البوليساريو.
ورغم أن هينبرج ترى أن احتمال إقدام الرباط على خطوة عسكرية من هذا النوع قد يكون مبالغا فيه، فإنها تربط ذلك بحسابات المغرب المتعلقة بصورته الدولية، خاصة مع استعداده لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، إذ إن أي تحرك عسكري لتوسيع السيطرة على الإقليم قد يتعارض مع الرواية المغربية التي تقدم الاعترافات الدولية بـ”مغربية الصحراء” باعتبارها أساسا لترسيخ سيطرتها، بدلا من اللجوء إلى التوسع العسكري.
وفي المقابل، اعتبرت الباحثة أن موقف الجزائر سيظل عاملا مؤثرا في حسابات المرحلة المقبلة، لكنها أشارت إلى أن البلدين، رغم حدة الخلافات بينهما، لا يملكان مصلحة في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، بالنظر إلى انعكاساتها على الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة. غير أنها حذرت من أن غياب الدوريات الأممية وآليات المراقبة الميدانية قد يجعل احتواء أي حادث أو تحرك عسكري أكثر صعوبة.

واشنطن مطالبة بالتحرك بعد تداعيات سياستها
وفي الجزء الأبرز من تحليلها، وجهت هينبرج توصيات مباشرة إلى الإدارة الأمريكية، معتبرة أن اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وما ترتب عنه من توجه نحو إنهاء مهمة «مينورسو»، يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام مسؤولية التعامل مع التداعيات المحتملة لهذه السياسة، خصوصا أن انتهاء البعثة قد يخلق فراغا تستغله أطراف إقليمية ودولية لتحقيق مصالحها.
ودعت الباحثة الإدارة الأمريكية إلى اعتماد تحرك دبلوماسي نشط لمنع تجدد المواجهات، وعدم الاكتفاء بالموقف الذي تبنته داخل مجلس الأمن، من خلال توجيه دعوة واضحة لجميع الأطراف إلى ضبط النفس والامتناع عن الخطوات التي من شأنها زيادة التوتر، مع تجديد التأكيد على استعداد واشنطن لدعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، الرامية إلى تيسير الحوار والتوصل إلى تسوية سلمية للنزاع.
كما أوصت بإيفاد مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، من بينهم المستشار البارز مسعد بولس، لإجراء محادثات مباشرة مع المسؤولين في الجزائر والمغرب، في خطوة ترمي إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع سوء التقدير الذي قد يقود إلى تصعيد ميداني، خاصة في ظل غياب قوة أممية تتولى مراقبة خطوط التماس بين الطرفين.
ولم تغفل الباحثة الجانب الإنساني، إذ دعت واشنطن إلى دعم وكالات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في الجزائر.

روسيا والصين أمام فرصة لتوسيع نفوذهما
وفي قراءتها للتداعيات الدولية لانتهاء «مينورسو»، حذرت هينبرج من أن الفراغ الدبلوماسي والأمني قد يمنح القوى المنافسة للولايات المتحدة فرصة لتعزيز حضورها في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، مستحضرة الدور الروسي في تعطيل مشروع القرار الأمريكي داخل مجلس الأمن، وما رافقه من طرح موسكو مشروعا بديلا لتمديد ولاية البعثة لمدة 12 شهرا.
واعتبرت أن روسيا قد تستغل حالة الارتباك الناجمة عن انتهاء البعثة لتعزيز نفوذها في المنطقة، مستفيدة من علاقاتها في المنطقة، أما الصين، فقد أشارت الباحثة إلى احتمال توظيفها الموقف الأمريكي داخل مجلس الأمن لتحميل واشنطن مسؤولية أي تصاعد في حالة عدم الاستقرار خلال الأشهر المقبلة، على خلفية رفضها التوصل إلى صيغة وسط بشأن تجديد ولاية البعثة، فضلا عن إمكانية تقديم نفسها وسيطا بين الأطراف المعنية بالنزاع.
وتخلص هينبرج إلى أن انتهاء مهمة «مينورسو» لا يضع حدا للنزاع، بل ينقل المنطقة إلى مرحلة جديدة تزداد فيها أهمية التحرك الدبلوماسي لمنع التصعيد، محذرة من أن ترك التطورات تسير دون وساطة فعالة قد يتيح لخصوم واشنطن توسيع نفوذهم، ويجعل احتواء التوترات أكثر تعقيدا في منطقة لا تزال تداعيات النزاع الصحراوي تلقي بظلالها على استقرارها.