(CNN)-- خلال العقود الثلاثة تقريبًا التي حلّقت فيها طائرات "إيرباص" من طراز "A340-600"، صنّفت شركات الطيران هذه الطائرة فاشلة تجارياً، فهي غير اقتصادية، وتفوّقت عليها طرازات منافسة بعد فترة وجيزة من إطلاقها.
كانت محرّكاتها الأربعة تستهلك كميات كبيرة من الوقود، وتطلّب طولها القياسي معايير مدرّجات خاصة، كما أنّ تصميمها الفريد أكسبها سمعةً ارتبطت ببعض الميزات غير المألوفة على متنها.
لكنّ هذا الانطباع لا يتوافق مع الاستقبال الذي حظيت به إحدى طائرات "A340-600" القليلة المتبقية هذا الشهر، عند وصولها إلى مطار واشنطن دالاس الدولي في الولايات المتحدة برحلة مثّلت نهاية علاقة شركة الطيران الألمانية "لوفتهانزا" بهذا الطراز.
تجمّع عشّاق الطيران عند النوافذ مع اقتراب الطائرة "D-AIHW"، التي دخلت الخدمة قبل 17 عامًا، من بوابة المطار، ثم انضموا إلى طاقمها لالتقاط صور تذكارية في رحلتها الأخيرة.
وقال كريس جودنشفيجه، الذي سافر من برلين إلى واشنطن للمشاركة في الرحلة المتجهة إلى فرانكفورت: "إنه أمر محزن للغاية، فهي طائرة تتمتع بمظهر قوي".
أما تيموثي رايمان، الذي قدم من شتوتغارت مع خمسة أصدقاء إلى مطار دالاس للصعود على متن الرحلة الأخيرة في 18 أكتوبر/تشرين الأول، فأحضر قالب حلوى لطاقم الطائرة، مشيرًا إلى أن "وجود أربعة محركات في الطائرات المخصصة للرحلات الطويلة أمر رائع دائمًا".
ورغم أن طائرة "A340-600" لم تحقق نجاحًا تجاريًا، فإنها حظيت بقاعدة جماهيرية مخلصة من عشاق الطيران، بفضل تصميمها الهندسي الفريد.
سمعة مثيرة للجدل
عندما دخلت "إيرباص A340-600" الخدمة في أغسطس/آب 2002، كان طولها البالغ 75 مترًا يجعلها أطول طائرة ركاب تجارية في العالم. لكنها فقدت هذا اللقب بعد ثماني سنوات لصالح "بوينغ 747-8 إنتركونتيننتال"، التي زاد طولها بمقدار 1.5 متر.
واستدعت أبعاد الطائرة ترتيبات خاصة، إذ زُوّدت بما يشبه كاميرات الرجوع إلى الخلف في السيارات، لمساعدة الطيارين على الرؤية أثناء المناورة في المطار. كما تطلّبت زياراتها إجراءات إضافية للتأكد من قدرة ممرات المطارات على استيعاب حجمها.
ورغم ذلك، نال هيكلها الطويل، ومحركاتها الأربعة من طراز "رولز رويس ترينت 500"، وأجنحتها العريضة إعجاب عشاق الطيران.
ومن سماتها غير المألوفة أيضًا وجود مراحيض في طابق سفلي، على حساب جزء من مساحة الشحن، ما أتاح مساحة أكبر لإضافة مقاعد في المقصورة الرئيسية.
وفي مقابلة أُجريت قبل الإقلاع، قال فرانشيسكو شورتينو، طيّار الرحلة الأخيرة وعضو مجلس إدارة مجموعة "لوفتهانزا": "تُعد طائرة A340-600 طائرة مميزة حقاً. في وقتها، كانت الأطول في العالم. لقد قمنا بتشغيلها على مدار 23 عاماً، ونقلنا على متنها أكثر من 40 مليون مسافر حول العالم".
رهان خاسر
رغم حب المسافرين وأطقم الطيران لطائرة "A340-600"، لم تحظَ بإقبال كبير من شركات الطيران. فقد أطلقتها "إيرباص" استجابةً لطلب العملاء طائرةً كبيرة بعيدة المدى، واشترت شركات مثل "إيبيريا" و"فيرجن أتلانتيك" و"جنوب إفريقيا" عشرات الطائرات منها، وأجرت "فيرجن أتلانتيك" أول رحلة تجارية بها عام 2002.
ووصف آلان باردو، مدير منتجات طائرات "A330" و"A340" في "إيرباص"، الطائرة عام 2000 بأنها بديل لطائرة "747"، لا منافس لطراز "777X".
لكن مبيعاتها ظلت محدودة، إذ بلغ عدد طائراتها العاملة عالميًا ذروته عند 95 طائرة عام 2009، وفق بيانات شركة "Cirium". ورغم توقعات رئيس "إيرباص" التنفيذي آنذاك، نويل فورجارد، بأن يفضّل الركاب الطائرات ذات المحركات الأربعة، لم تسايره شركات الطيران، مع تغيّر اتجاهات السوق.
تزامن ظهور طائرة "A340-600" مع طرح "بوينغ" طرازي "777-300" و"777-300ER" المخصصين للرحلات الطويلة. وقد لبّى الطرازان، بسعتهما المماثلة، حاجة شركات الطيران إلى طائرة كبيرة للرحلات العابرة للقارات، بمحركين فقط لتوفير الوقود. وباعت "بوينغ" مئات الطائرات من هذين الطرازين، ليصبحا من أكثر طائراتها مبيعًا.
في المقابل، باتت طائرة "A340-600" نادرة مع مرور السنوات. وسحبت خطوط "شرق الصين" آخر طائراتها من هذا الطراز عام 2015، وتبعتها "إيبيريا" و"فيرجن أتلانتيك" عام 2020، فيما استمرت "جنوب إفريقيا للطيران" في تشغيلها حتى عام 2021.
ورغم محدودية نجاحها التجاري، أسهمت طائرة "A340-600" وعائلة "A340" في ترسيخ مكانة "إيرباص" عالميًا. وكتب بيير سباراكو، المدير السابق لمكتب مجلة "Aviation Week" في باريس، عام 2011: "رغم عيوبها، كانت طائرة A340 عنصرًا جوهريًا في تطور إيرباص لتصبح لاعبًا عالميًا".
كما أرست هذه الطائرة أسس تطوير "A380" ذات الطابقين، التي حظيت بإعجاب المسافرين منذ دخولها الخدمة عام 2007.
هيمنة الطائرات ثنائية المحركات
لا يزال بإمكان عشاق طائرة "A340-600" رصد عدد قليل منها في الأجواء، إذ تواصل شركتا "كونفياسا" الفنزويلية و"ماهان إير" الإيرانية تشغيل بعض طائراتها، وفق بيانات "Cirium".
أما طائرات "لوفتهانزا" الأربع الأخيرة من هذا الطراز، فقد أُخرجت من الخدمة وخُزّنت في دوسلدورف، وقد تنتقل إلى شركات الطيران العارض قبل أن ينتهي بها المطاف في ساحات الخردة.
وتعتزم "لوفتهانزا" استبدالها بطائرات "إيرباص A350-1000"، التي يُتوقع تسلّم أولاها في ديسمبر/كانون الأول، وطائرات "بوينغ 777-9"، المقرر دخولها الخدمة بحلول عام 2027.
ويطال التحول نفسه، وإن بوتيرة أبطأ، طائرات "A380" وما تبقى من طائرات "بوينغ 747"، بعدما أثبتت الطائرات ثنائية المحركات قدرتها على منافسة الطائرات ذات المحركات الأربعة، مع تكاليف تشغيل أقل بكثير.
وتكتسب هذه الميزة أهمية كبيرة لدى شركات الطيران، لا سيما مع تجاوز سعر وقود الطائرات 4 دولارات للغالون.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر