ياسر عرفات... القائد الذي حمل فلسطين في قلبه ورحل محاصراً وبقي حاضراً في ذاكرة شعبه
الكاتب: أبو الشريف رباح
لم يكن ياسر عرفات قائداً سياسياً وعسكرياً أو رئيساً لشعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال فحسب، بل كان حكاية شعب حمل قضيته من مخيمات اللجوء إلى المحافل الدولية، ومن خنادق الثورة إلى منابر الأمم المتحدة، أفنى حياته في سبيل فلسطين وخاض معارك سياسية وعسكرية ودبلوماسية مليئة بالتحديات والمؤامرات، ليصبح أحد أبرز رموز الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، والقائد الذي ارتبط اسمه بالثورة والهوية الوطنية والقرار الفلسطيني المستقل، إنه الشهيد الرمز ياسر عرفات «أبو عمار»، الذي استطاع أن يعيد فلسطين إلى واجهة الاهتمام الدولي وأن ينتزع لشعبه اعترافاً بهويته وحقوقه الوطنية بعد سنوات طويلة من محاولات التغييب والتهميش.
من النكبة إلى انطلاقة الثورة:
منذ نكبة عام 1948 التي اقتلعت الشعب الفلسطيني من أرضه وحولته إلى شعب مشرد ولاجئ أدرك أبو عمار أن استعادة الحقوق لا تتحقق بالانتظار أو الاتكال على الآخرين، فقام مع عدد من رفاقه في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» خلال خمسينيات القرن الماضي لتكون إطاراً وطنياً مستقلاً يقود النضال الفلسطيني، وفي الأول من كانون الثاني عام 1965 انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة معلنة مرحلة جديدة عنوانها أن الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والقرار والحق في تقرير المصير.
مسيرة النضال ومحطات المواجهة:
لم يكن طريق أبو عمار سهلاً بل امتلأ بالحروب والضغوط ومحاولات الاحتواء والتصفية فخاض تجربة الثورة في الأردن ولبنان وواجه تداعيات الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 واضطر إلى مغادرة بيروت مع المقاتلين الفلسطينيين لكنه واصل مسيرته من المنفى متمسكاً بهدف العودة إلى فلسطين، وعلى امتداد تلك السنوات ظل مدافعاً عن استقلالية القرار الوطني رافضاً أن تتحول القضية الفلسطينية إلى ورقة في يد أي طرف أو أن تخضع لوصاية خارجية، كما بقيت قضايا اللاجئين والأسرى والجرحى وعائلات الشهداء حاضرة في خطابه ومواقفه مؤمناً بأن حق العودة ثابت لا تنازل عنه.
القرار الوطني المستقل... معركة أبو عمار الكبرى:
كان استقلال القرار الفلسطيني من أبرز الثوابت التي تمسك بها ياسر عرفات إذ آمن بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات والممثل الشرعي والوحيد له، ولم يكن القرار المستقل بالنسبة إليه مجرد شعار بل أساساً لحماية المشروع الوطني وتحديد أولوياته ومستقبله، لذلك حرص على بناء علاقات عربية ودولية واسعة دون السماح بأن تكون بديلاً عن الإرادة الفلسطينية، كما اعتبر الوحدة الوطنية ضرورة لمواجهة التحديات ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية.
من غصن الزيتون إلى بناء مؤسسات الدولة:
في عام 1974 وقف أبو عمار أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملاً غصن الزيتون بيد وبندقية الثائر باليد الأخرى في خطاب تاريخي وضع القضية الفلسطينية في قلب الاهتمام الدولي، وفي 15 تشرين الثاني عام 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني وثيقة الاستقلال وإقامة دولة فلسطين، ثم جاءت اتفاقية أوسلو عام 1993 التي فتحت الطريق أمام عودة الثورة الفلسطينية إلى أرض الوطن عام 1994، وبدء أبو عمار مرحلة بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، ورغم الخلافات والانتقادات التي رافقت اتفاق أوسلو ونتائجه فقد شكلت تلك المرحلة انتقالاً مهماً من العمل الوطني في المنفى إلى بناء المؤسسات على أرض الوطن وكان أبو عمار ينظر إلى السلطة باعتبارها مرحلة انتقالية نحو الاستقلال لا بديلاً عن الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
الحصار الأخير... حين حاصروا الرئيس في مقره:
لم تتقبل إسرائيل بقاء أبو عمار قائداً يمتلك شرعية وطنية وشعبية ودولية، ففرضت عليه الحصار في مقره الرئاسي بالمقاطعة في رام الله عام 2001 ودمرت أجزاء واسعة منه وقيّدت حركته وتنقله، وهناك وسط الحصار والاجتياحات والضغوط بقي متمسكاً بمواقفه ورافضاً مغادرة أرض الوطن مجسداً في شخصه صورة شعب يرفض الاستسلام والتنازل عن حقوقه، وخلال الحصار أطلق أبو عمار عبارته الشهيرة: *«يريدونني إما طريداً أو إما أسيراً أو إما قتيلاً، وأنا أقول لهم شهيداً، شهيداً، شهيداً»،* في تعبير واضح عن رفضه الخضوع للتهديد والابتزاز السياسي الإسرائيلي.
الرحيل الغامض وملف الاغتيال:
في 29 تشرين الأول عام 2004، نُقل أبو عمار إلى مستشفى بيرسي العسكري في فرنسا بعد تدهور حالته الصحية بصورة مفاجئة وسط ظروف طبية أثارت الكثير من التساؤلات، وفي 11 تشرين الثاني 2004، أُعلن استشهاده عن عمر ناهز 75 عاماً، لم يكن رحيله خسارة رئيس فحسب بل غياب قائد ارتبط اسمه بتاريخ الثورة الفلسطينية لعقود، ورغم مرور السنوات لا تزال ظروف وفاته وملف اغتياله تثير التساؤلات والمطالبات بكشف الحقيقة الكاملة ومحاسبة المسؤولين.
أبو عمار... ذاكرة وطن ومشروع لم يكتمل:
بعد أكثر من عقدين على رحيله لا يزال ياسر عرفات حاضراً في الوجدان الفلسطيني ليس فقط من خلال صوره وكوفيته وخطاباته بل من خلال المشروع الوطني الذي حمله والحلم الذي أفنى حياته من أجله، فلسطين حرة مستقلة، والقدس عاصمتها، وعودة اللاجئين إلى ديارهم، وامتلاك الشعب الفلسطيني قراره الوطني المستقل، وقد تختلف القراءات بشأن بعض محطات تجربته السياسية ولا سيما اتفاق أوسلو لكن مكانته في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية تبقى راسخة باعتباره أحد أبرز مؤسسي الثورة الفلسطينية المعاصرة والقائد الذي أعاد الهوية الوطنية الفلسطينية إلى واجهة السياسة الدولية.
رحل أبو عمار لكنه ترك أمانة وطنية ومسؤولية تاريخية للأجيال الفلسطينية:
إن الوفاء لأبي عمار لا يكون برفع صوره وترديد شعاراته وحدها، بل بالحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية وصون القرار الوطني المستقل وإنهاء الانقسام وحماية وحدة الشعب الفلسطيني والتمسك بحقوقه وثوابته الوطنية وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، فقد رحل أبو عمار جسداً، لكنه ترك أمانة وطنية ومسؤولية تاريخية للأجيال الفلسطينية، فالقضية التي حملها في قلبه لا تزال تنتظر الحرية والاستقلال وشعبه الذي صمد أمام النكبة والشتات والحروب والحصار لا يزال متمسكاً بحقه في الحياة على أرضه، *فسلام لروحك يا أبا عمار، يا من جعلت من فلسطين قضية عمرك، ومن النضال طريقك، ومن القرار المستقل عنوانك، ومن القدس حلمك، ستبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال، ما بقيت فلسطين، وما بقي في هذا الشعب قلب ينبض بالحرية والكرامة والعودة.