حذرت شركة أنثروبيك الأمريكية خلال الشهور الماضية من مخاطر الذكاء الاصطناعي والتطور السريع الذي يشهده، ولكن هذا لم يمنعها من التمهيد لطرح أسهمها في البورصة ضمن اكتتاب عام يتوقع أن تصل قيمته إلى 2 تريليون دولار وفق تقرير شبكة "إن بي سي " الإخبارية الأمريكية.
وضمن هذه الاستعدادات، كشفت الشركة عن وثيقة إفصاح مالي مكونة من 355 ورقة لتقدم نافذة هي الأولى من نوعها على آلية عمل الشركة ونموها المتسارع والمخاطر الجسيمة التي تواجهها وأرباحها الصافية أيضا حسب ما جاء في التقرير.
قصص مقترحة
وتسلط الوثيقة الضوء على مجموعة من النقاط المحورية في مسيرة الشركة الأمريكية الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، فضلا عن كشفها الاصطدام الحادث بين نهجها الأخلاقي المعلن في المجال وواقع اقتصاديات السوق الحر والمنافسة فيه.
وفيما يلي أبرز ما كشفت عنه الوثيقة حول الشركة والذكاء الاصطناعي ومستقبلها فيه:
حرب ضروس ضد السرقة
لطالما اتهمت أنثروبيك الشركات الصينية العاملة في قطاع الذكاء الاصطناعي بسرقة نماذجها واستخدامها لتقصير مسيرة تطوير نماذجها الخاصة ضمن الهجمات التي تعرف باسم هجمات التقطير.
ويشير مفهوم التقطير إلى استخدام نموذج ذكاء اصطناعي قوي متاح في الأسواق لتدريب نماذج لم تطرح بعد، وذلك سعيا لتقصير دورة تطوير النماذج وخفض تكاليفها وتكاليف البيانات المستخدمة في تطويرها.
وأفادت وثيقة الشركة بأنها أرجأت تطوير نماذجها وطرحها من خلال تأخير دورة التدريب لمنع الآخرين من سرقة الأسرار التقنية التي تدير أنظمتها، فيما يصفه التقرير بأنه أمر بالغ الأهمية.
ويعني ذلك أن الشركة بالفعل وصلت إلى نماذج أقوى من تلك التي أتاحتها لمستخدميها، ولكن خوفا من سرقة تقنيات هذه النماذج، أجلت الشركة الكشف عنها.
نوع جديد من المخاطر
قدمت أنثروبيك نفسها دائما على أنها جهة معنية بسلامة الذكاء الاصطناعي أولا، لذلك كرست جزءا كبيرا من الوثيقة لتفصيل المخاطر التي تشكلها أنظمتها الخاصة على الشركة والمجتمع على حد سواء.
وتمثل هذه الخطوة نهجا مختلفا عن الذي تتبعه الشركات التقنية عادة في وثائق الإفصاح المالي قبل الطرح في البورصة، إذ تفصح الشركات عادة عن مخاطر ارتفاع التكاليف أو انخفاض المبيعات، لكن أنثروبيك امتدت لتشمل احتمال تسبب منتجاتها في ضرر بالشركة، وهو أمر غير مألوف في إفصاحات القطاعات الأخرى.
وحذرت الشركة من أن مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن تُفسَّر على أنها "قسرية أو خادعة أو تلاعبية " من جانب المستخدمين، مشيرة إلى أن منتجاتها أظهرت بالفعل افتقار النماذج للموثوقية وتحركها بسرعة تفوق قدرة البشر على الإشراف والرقابة.
وأوضحت قائلة: "إذا تراجعت قدرتنا على اكتشاف اختلال النماذج أو تقييمها، فقد نطرح نماذج لا نستطيع التحقق من سلوكها كما ينبغي، مما يرفع مخاطر حدسب سلوك ضار دون أن يرصد".
حراسة أمنية مشددة لرئيسها التنفيذي
وحصل الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي بناء على الوثيقة على خدمات حراسة أمنية شخصية تجاوزت قيمتها 2.7 مليون دولار في العام الماضي، فضلا عن إنفاق 1.3 مليون دولار أخرى لحماية شقيقته والمؤسسة المشاركة دانييلا أمودي.
وتتخطى هذه الأرقام ميزانية الحماية المخصصة لكبار الرؤساء التنفيذيين في شركات قائمة فورتشن 500 حسب التقرير، إذ أنفقت شركات مثل أمازون وآبل نحو 1.7 مليون دولار لكل منهما لحماية رئيسيهما التنفيذيين.
نمو متسارع باهظ الثمن
وأفادت الوثيقة بأن الشركة تحقق إيرادات طائلة، لكنها تخسر الكثير منها في الوقت ذاته، وذلك رغم أنها لم تدرج قيمتها المقدرة أو التقييم المستهدف فيها.
وكشف تقرير صحيفة غارديان البريطانية أن الشركة التي تأسست في عام 2021، حققت نموا كبيرا في كل سنة من سنوات وجودها، وحققت إيرادات بلغت نحو 16.3 مليار دولار بينما تكبدت خسائر وصلت إلى 80 مليار دولار في النصف الأول من العام الجاري فقط.
ومن بين نفقات الشركة في النصف الأول من عام 2026، ظهرت رسوم غير متكررة تدفع لمرة واحدة بقيمة 72.4 مليار دولار، وهي تشير على الأغلب إلى خوادم الشركة والقدرات الحوسبية الخاصة بها.
ويتكرر الأمر مع عام 2025، إذ حققت إيرادات بلغت 4.58 مليار دولار، ولكنها خسرت نحو 33.9 مليار دولار تقريبا.
كما أوضحت الوثيقة أن أكبر خمسة عملاء لدى أنثروبيك مسؤولون بمفردهم عن 25% من إجمالي أعمال الشركة وهو ما يجعل نموذج أعمالها محفوفا بالمخاطر، إذ تركز الشركة في المقام الأول على الشركات الأخرى في الترويج لأعمالها بعكس منافستها أوبن إيه آي التي تنتظر هي الأخرى طرحا لأسهمها في البورصة.
دولة من العباقرة داخل مركز بيانات
وتصف أنثروبيك قدرات نماذجها والإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي بأنها أقرب إلى دولة من العباقرة المقيمين داخل مركز بيانات يمكن لأي شخص في العالم الوصول إليهم، مشيرة إلى وجود ملايين الوكلاء القادرين على إحداث ثورة في كل مجال من مجالات السعي البشري.
وسلطت الشركة الضوء في مستهل الوثيقة على أربع فئات محددة من الفرص، وهي تسريع التطور في علم الأحياء والطب وتحقيق النمو الاقتصادي ونشر هذا النمو عالميا ثم تبسيط الخدمات الحكومية، فضلا عن الإشارة إلى القدرات العسكرية رغم صراعها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مطلع هذا العام بسبب الأمر ذاته.
ضوابط حماية غير مكتملة
وناقشت الوثيقة أيضا المخاطر التي يفرضها الذكاء الاصطناعي وصنفتها إلى أربع فئات رئيسية، وهي سوء الاستخدام من جهات خبيثة، وفقدان السيطرة والعنف الاستبدادي والاضطراب الاقتصادي.
ورغم جهودها المطردة في فرض حواجز حماية وقيود على نماذجها، فإنها أوردت تحذيرا كبيرا لاحقا في الوثيقة يفيد بأن تلك الضوابط قد لا تجدي نفعا.
كما رصدت الشركة حسب ما جاء في الوثيقة وتقرير غارديان ما تعتقد بأنه أول حالة موثقة لهجوم سيبراني واسع النطاق بتدخل بشري ضئيل، إذ ترجح الشركة أن مجموعة قرصنة مدعومة من الصين تلاعبت بأداة "كلود كود " لمحاولة اختراق نحو 30 هدفا عالميا شملت شركات تكنولوجية كبرى ومؤسسات مالية وشركات تصنيع كيميائي ووكالات حكومية.
ورغم كل هذه التحذيرات، ما تزال أنثروبيك ماضية في طرح أسهمها للاكتتاب العام في البورصة، وهو ما سيمنحها تدفقا ماليا يسهم في زيادة قدرات نماذجها وتطوير المزيد من النماذج المستقبلية، وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن مدى صدق الصورة التي تحاول الشركة تبنيها بأنها هيئة لسلامة الذكاء الاصطناعي وحماية البشرية منه.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر