"واحدة من مليون".. فيلم يوثق 10 أعوام من رحلة لاجئة سورية
وصل الفيلم الوثائقي "واحدة من مليون" (One in a Million) إلى دور السينما البريطانية، الجمعة 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حاملا قصة اللاجئة السورية إسراء التي تابعها المخرجان جاك ماكينيس وإيتاب عزام طوال 10 أعوام، منذ لقائهما بها طفلة تبيع السجائر في أحد شوارع تركيا حتى دخولها مرحلة الزواج والأمومة.
وكانت إسراء في الـ11 من عمرها عندما التقاها المخرجان عام 2015، وهي تبيع السجائر برفقة والدها بعدما فرت أسرتها من الحرب في مدينة حلب. ولفتت الطفلة بحيويتها أنظار ماكينيس وعزام، فقررا توثيق رحلة العائلة عبر 8 دول وصولا إلى ألمانيا.
أخبار مقترحة
- "أفتربيس" يفتتح مهرجان شنغهاي وتوني ليونغ يرأس لجنة "الكأس الذهبية"
- مهرجان الجونة السينمائي.. حكايات عربية عن الحرب والمنفى والهشاشة الإنسانية
- شارات "اطردوا شرطة الهجرة" على السجادة الحمراء بمهرجان صاندانس
وقالت عزام لوكالة رويترز إن المخرجين لازما الأسرة طوال الطريق، وناما معها في الشوارع وتحملا المطر والبرد القارس في صربيا وكرواتيا، قبل أن تتحول العلاقة تدريجيا إلى رابطة تشبه علاقة أفراد العائلة، ومن تلك التجربة ولدت فكرة الفيلم، الذي لم يتوقف عند رحلة عبور الحدود، بل استمر في ملاحقة التحولات التي عاشتها إسراء خلال انتقالها من الطفولة إلى البلوغ داخل مجتمع جديد.
نضوج تحت ضغط عالمين
يقدم "واحدة من مليون" قصة نضج ترصد محاولات إسراء وأسرتها التكيف مع الحياة في ألمانيا، حيث اصطدمت الحريات الجديدة التي اكتشفتها الفتاة بتقاليد حملتها العائلة معها من سوريا.
وتنتقل الكاميرا مع إسراء عبر المراهقة والبحث عن الذات، ثم الزواج والأمومة، في وقت تشهد فيه حياتها المنزلية تحولات وانقسامات متتابعة. ولا يقدم الفيلم الهجرة باعتبارها رحلة تبدأ بالحرب وتنتهي بالحصول على مأوى، بل تجربة طويلة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وأسرته وبلده الذي غادره.
ويختتم أحد مسارات الحكاية بعودة إسراء، بعد زواجها، إلى زيارة سوريا برفقة زوجها عقب الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد عام 2024، لتعود إلى المكان الذي بدأت منه رحلة الأسرة بعد سنوات من العيش في المنفى.
وقال ماكينيس إن الهجرة تحولت إلى "كرة قدم سياسية" ترتبط بالطريقة التي ينظر بها الناس بعضهم إلى بعض وإلى بلادهم، بينما تبتعد النقاشات العامة عن التجربة الفعلية للاجئ. وأضاف أن صناع الفيلم يأملون أن يمنح العمل المشاهد فرصة للسير لمدة ساعة ونصف "في حذاء لاجئ"، وفهم التعقيدات التي تتوارى عادة خلف الخطابات السياسية والأرقام.
١٠ سنوات صنعت علاقة تتجاوز التصوير
لم تكن بداية فيلم "واحدة من مليون" (One in a Million) تضع في الاحتمالات استمرار صناعته لعشرة أعوام، فقد توجه المخرجان إيتاب عزام وجاك ماكينيس إلى مدينة إزمير التركية عام 2015 لتصوير اللاجئين السوريين الذين كانوا يستعدون لعبور البحر إلى أوروبا، قبل أن يلتقيا إسراء، البالغة آنذاك 11 عاما، وهي تبيع السجائر مع والدها طارق للمساعدة في إعالة الأسرة.
قالت عزام خلال مهرجان صندانس إن حضور الطفلة دفعهما إلى اتخاذ قرار فوري بمتابعتها، بينما رأى ماكينيس أن إسراء جمعت بين هشاشة طفلة تواجه رحلة خطرة، وقوة شخصية جعلتها تشارك في صنع مصيرها بدلا من الاكتفاء بدور الضحية.
رافقت الكاميرا الأسرة في عبورها من تركيا إلى ألمانيا، ثم واصلت تسجيل حياتها بعد الاستقرار في مدينة كولونيا. ومع امتداد التصوير، تحول الفيلم من توثيق رحلة لجوء إلى قصة بلوغ تتغير فيها إسراء والأسرة والعلاقة بألمانيا وسوريا في الوقت نفسه.
وحافظ المخرجان على الاتصال بإسراء خلال الفترات التي لم يكونا يصوران فيها. وكانت ترسل إليهما عندما يقع تحول مهم في حياتها، فيسافر أحدهما أو كلاهما لاستكمال التصوير.
وسمحت هذه العلاقة للفيلم بتسجيل تعلمها الألمانية ودخولها المدرسة وتكوين صداقات، وظهور خلافات التي ظهرت داخل الأسرة مع احتكاك الحريات الجديدة بالتقاليد السورية. ولا يخفي العمل أثر هذه التحولات في أفراد العائلة. فقد توترت علاقة إسراء بوالدها الذي كانت شديدة التعلق به، بينما بدأت والدتها نسرين تتبنى أفكارا أوسع عن الحرية والاستقلال.
لا يقدم الفيلم الاندماج باعتباره انتقالا بسيطا من الخطر إلى الأمان، بل عملية طويلة قد تمنح أفراد الأسرة فرصا جديدة، وفي الوقت نفسه تعيد تشكيل علاقاتهم وهوياتهم.
وقالت إسراء إن وجود فريق التصوير ساعدها أحيانا في تكوين صداقات داخل مدرستها الجديدة، بعدما اعتقد بعض زملائها أنها شخصية مشهورة. وشاهدت الفيلم كاملا للمرة الأولى خلال عرضه العالمي الأول في مهرجان صندانس يوم 23 يناير/كانون الثاني 2026، ثم ظهرت أمام الجمهور مع المخرجين وسط تصفيق وترحيب واسع.
جائزتان من مهرجان صندانس
لم يكتف "واحدة من مليون" بجائزة الجمهور في مسابقة السينما الوثائقية العالمية في مهرجان صندانس، بل فاز أيضا بجائزة الإخراج في القسم نفسه، وأشادت لجنة التحكيم بالطريقة التي تناول بها الفيلم معنى الحرية وأهمية الوطن بعد الحرب، وبالتزام المخرجين بمتابعة أبطالهما طوال 10 أعوام.
وواصل الفيلم رحلته في المهرجانات، ففاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان دالاس، وجائزة "شاين غلوبال للمرونة" في مهرجان شيفيلد للأفلام الوثائقية، وجائزة "غريفون" في مهرجان جيفوني، وجائزة أفضل فيلم في "أيام الوثائقي السوري" وتنويه خاص في مهرجان زيورخ. وشارك في مهرجانات كوبنهاغن للأفلام الوثائقية، وسالونيك، وسان فرانسيسكو، وميونخ، وشنغهاي، وريو دي جانيرو، قبل انتقاله إلى العروض التجارية في الولايات المتحدة وبريطانيا.