هل يفتح اكتساح الديمقراطيين للانتخابات باب عزل ترامب من رئاسة أمريكا؟
أعاد الفوز الكبير الذي حققه الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، الثلاثاء، احتمال عزل الرئيس دونالد ترامب إلى واجهة النقاش السياسي في واشنطن، بعدما استعاد خصومه السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يمنحهم صلاحيات واسعة لمراقبة الإدارة الجمهورية وفتح تحقيقات بشأن أنشطتها خلال العامين المتبقيين من الولاية الرئاسية.
وتصاعد الجدل بشأن مستقبل ترامب السياسي عقب إعلان نتائج الانتخابات، التي منحت الديمقراطيين 54 مقعدا على الأقل في مجلس الشيوخ وأغلبية مريحة في مجلس النواب، وسط تباين داخل الحزب بشأن جدوى إطلاق إجراءات العزل للمرة الثالثة، مقابل توجه يدعو إلى إعطاء الأولوية للتحقيقات البرلمانية ومساءلة كبار المسؤولين في البيت الأبيض.
وحذر ترامب، الأربعاء، من أن أي محاولة يقدم عليها الديمقراطيون لعزله بعد تسلمهم قيادة الكونغرس ستؤدي إلى “تدمير” حزبهم، قائلا ردا على سؤال بشأن احتمال إطلاق هذه الإجراءات: “أعتقد أن ذلك سيدمر الحزب الديمقراطي إذا أقدموا عليه”، ومؤكدا أنه “لا يوجد أي سبب” يبرر عزله من منصبه.
وكان الرئيس الأمريكي قد حذر أنصاره، في رسالة لجمع التبرعات تزامنت مع إغلاق مكاتب الاقتراع، من أن الديمقراطيين يستعدون للتحرك من أجل عزله إذا تمكنوا من استعادة الأغلبية البرلمانية، معتبرا أن خصومه يسعون إلى عرقلة ما تبقى من ولايته الرئاسية.
انقسام حول جدوى العزل
لم يحسم حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب والمرشح لتولي رئاسته، موقف حزبه من إطلاق إجراءات العزل، إذ قال، وفق ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز”، إن الديمقراطيين “لم يؤكدوا شيئا ولم يستبعدوا شيئا”، في إشارة إلى استمرار النقاش بشأن الخيارات المتاحة بعد الانتصار الانتخابي.
ونقلت الصحيفة الأمريكية أن قيادات ديمقراطية تتحفظ على خوض مواجهة جديدة لعزل ترامب، خشية أن تتحول إلى معركة سياسية يستفيد منها الجمهوريون، خصوصا بعد فشل محاولتين مماثلتين خلال ولايته الأولى، فيما يدفع تيار آخر داخل الحزب نحو استثمار الأغلبية الجديدة في تشديد المساءلة البرلمانية للرئيس وإدارته.
ويخشى بعض الديمقراطيين أن تؤدي محاولة جديدة لعزل ترامب إلى إعادة تعبئة قاعدته الانتخابية، بعدما أظهرت الانتخابات الرئاسية لسنة 2024 أن القضايا القانونية التي واجهها لم تمنع عودته إلى البيت الأبيض، وهو ما يدفع عددا من النواب إلى تفضيل التحقيقات الرقابية على الدخول في مواجهة دستورية قد تنتهي بتبرئته مجددا.
وفي هذا السياق، نقلت شبكة “سي إن إن” عن النائب الديمقراطي جيمي راسكين، المرشح لرئاسة اللجنة القضائية بمجلس النواب، قوله إنه لم يسمع من أي شخص داخل الحزب أن الأولوية القصوى ينبغي أن تكون عزل دونالد ترامب.
عقبة دستورية أمام الديمقراطيين
تواجه إمكانية إقالة ترامب من الرئاسة عقبة تتعلق بموازين القوى داخل مجلس الشيوخ، إذ يسمح الدستور الأمريكي لمجلس النواب بتوجيه اتهامات إلى الرئيس بأغلبية بسيطة، بينما تتطلب إدانته وإبعاده عن منصبه موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين خلال المحاكمة.
وبالنظر إلى حصول الديمقراطيين على 54 مقعدا على الأقل من أصل 100 في مجلس الشيوخ، فإن إقالة ترامب ستحتاج إلى تأييد 13 عضوا جمهوريا على الأقل، في حال مشاركة جميع أعضاء المجلس وتصويت الديمقراطيين جميعا لصالح الإدانة، وهو ما يستوجب حدوث انقسام داخل الحزب الجمهوري بشأن استمرار الرئيس في منصبه.
واعتبرت لوديفين جيلي، مديرة مرصد أمريكا الشمالية بمؤسسة جان جوريس، في تصريح لموقع “فرانس إنفو”، أن نجاح إجراءات العزل يتطلب انضمام أعضاء جمهوريين إلى الديمقراطيين، مستبعدة استعداد عدد كاف منهم للتصويت لصالح إقالة ترامب.
وسبق للرئيس الأمريكي أن واجه إجراءات العزل مرتين خلال ولايته الأولى، إذ وجه إليه مجلس النواب في دجنبر 2019 اتهامات بإساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس على خلفية القضية الأوكرانية، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ في فبراير 2020.
وتكررت الإجراءات في يناير 2021، عقب اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول، عندما اتهمه مجلس النواب بالتحريض على التمرد، غير أن مجلس الشيوخ برأه مجددا، رغم تصويت 57 عضوا لصالح إدانته، بينهم سبعة جمهوريين، دون بلوغ أغلبية الثلثين المطلوبة.
تحقيقات تستهدف إدارة ترامب
تتجه أنظار الديمقراطيين إلى الصلاحيات الرقابية التي ستتيحها لهم الأغلبية الجديدة، خصوصا استدعاء المسؤولين للمثول أمام لجان الكونغرس، والمطالبة بالوثائق الحكومية، وفتح تحقيقات تتعلق بالمصالح المالية والعقود المرتبطة بأعضاء الإدارة الأمريكية.
وذكرت مصادر إعلامية أن روبرت غارسيا، أحد أبرز الديمقراطيين في لجنة الرقابة بمجلس النواب، يضع أنشطة عائلة ترامب ضمن أولويات التحقيقات المحتملة، فيما يسعى النائب جيمي راسكين إلى الحصول على معلومات بشأن المعاملات التجارية المرتبطة بصهر الرئيس جاريد كوشنر وابنه دونالد ترامب جونيور.
ومن الملفات المرشحة للعودة إلى واجهة التحقيقات البرلمانية قضية رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، عقب الجدل الذي رافق نشر وزارة العدل الأمريكية ملايين الصفحات من الوثائق المتعلقة بالقضية، والخلاف بشأن الملفات التي لم يكشف عنها.
كما يرتقب أن يخضع عدد من كبار المسؤولين في إدارة ترامب لتدقيق برلماني، يتقدمهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي يواجه انتقادات بشأن تدبير الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب تساؤلات حول بعض العقود والإنفاق العسكري.
وكان نواب ديمقراطيون قد أطلقوا، في أبريل الماضي، إجراءات تستهدف مساءلة هيغسيث، فيما نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين بالحزب أن خيار مساءلة بعض الوزراء قد يحظى بتأييد أوسع من محاولة عزل الرئيس نفسه.
ويعتزم النائب جيسون كرو، العضو في لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات بمجلس النواب، التركيز على وزارة الدفاع، خصوصا التقارير المتعلقة بتوجيه أموال مخصصة للقطاع العسكري نحو شركات لها ارتباطات بعائلة ترامب.
ويستعد الديمقراطيون لتولي قيادة الكونغرس الجديد في الثالث من يناير 2027، مع امتلاكهم صلاحيات تسمح بعرقلة مشاريع القوانين التي يدعمها البيت الأبيض، والتأثير في التعيينات الرئاسية التي تتطلب مصادقة مجلس الشيوخ، فضلا عن مباشرة تحقيقات برلمانية واسعة بشأن أنشطة الإدارة.
وكان جيفريز قد تعهد، عقب إعلان نتائج الانتخابات، بمحاسبة المسؤولين عن التجاوزات التي يتهم الديمقراطيون إدارة ترامب بارتكابها، بينما وجه النائب روبرت غارسيا رسالة عبر منصة “إكس” إلى أعضاء الإدارة الأمريكية، قائلا: “اتصلوا بمحاميكم”.
ورغم عدم اتخاذ القيادة الديمقراطية قرارا بشأن إطلاق إجراءات العزل، فإن انتقال الأغلبية في مجلسي الكونغرس إلى الحزب المعارض يضع إدارة ترامب أمام مرحلة جديدة من الرقابة البرلمانية، مع ترقب المعارك السياسية التي قد تثيرها التحقيقات المرتقبة بشأن أنشطة الرئيس وأفراد عائلته وكبار المسؤولين في حكومته.