هل يختفي الصقر الحر من البرية؟
في السهوب الآسيوية، قد ينجو الصقر الحر من شباك الصيادين، ثم يموت على عمود كهرباء يستخدمه لمراقبة فريسته. هذه المفارقة تختصر مأزق طائر يجمع بين المكانة الرفيعة في تراث الصقارة والهشاشة المتزايدة في موطنه الطبيعي. فهل يختفي من البرية؟ الجواب الدقيق: لم يختفِ عالمياً، لكنه يتراجع، وقد فقدته بالفعل بعض مناطق تكاثره. أما انقراضه الكامل فليس قدراً محتوماً، وإن كانت الأخطار التي تدفع نحوه مستمرة.
المقصود هنا الصقر الحر، واسمه العلمي "Falco Cherrug"، وليس الصقور عموماً أو الشاهين. ينتشر عبر مساحات واسعة من أوروبا الشرقية إلى آسيا، وتصل طيور منه خلال الهجرة والشتاء إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا. وتضعه القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة في فئة "مهدد بالانقراض". ووفق تقييم أُنجز عام 2021، تراوح عدد أفراده البالغة بين 12200 و29800، مع اتجاه تنازلي. وهذه تقديرات مؤرخة، وليست إحصاءً جديداً لعام 2026.
واتساع نطاقه الجغرافي لا يوفر ضمانة للنجاة. فوجود صقر عابر في بلد لا يعني وجود جماعة متكاثرة مستقرة فيه، كما أن بقاء آلاف الطيور موزعة على قارة لا ينفي انهيار تجمعات محلية. لذلك، يبدأ الاختفاء غالباً بأعشاش مهجورة ومواسم تكاثر ضائعة، قبل أن يتحول إلى غياب كامل. ويقتضي فهم وضعه التمييز بين انقراض محلي وقع بالفعل، وخطر انقراض عالمي ما زال ممكناً تفاديه.
نزيف البرية: الأسر والصعق وتراجع الغذاء
في كازاخستان، تقدم المتابعات الميدانية صورة مقلقة. فقد قدّر باحثون عدد الأزواج المتكاثرة في جبال كاراتاو والمناطق المجاورة بنحو 46 زوجاً عام 2022، بانخفاض بلغ 77% مقارنة بعام 2010. ورصدوا اختفاءه من مواقع تعشيش أخرى، ونبهوا إلى أثر الإمساك بالطيور لتلبية طلب الصقارة. وتكشف هذه النتائج حجم الأزمة في مناطق محددة، لكنها لا يجوز أن تُعمَّم حسابياً على جميع أنحاء العالم.
يمثل الأسر غير المستدام أحد أبرز أسباب الاستنزاف، وتضاعف التجارة غير القانونية صعوبة ضبطه. والمشكلة ليست فقط في عدد الطيور المنتزعة من الطبيعة، بل أيضاً في جنسها ودورها التناسلي. فاستهداف الإناث يمكن أن يترك ذكوراً تحتفظ بمناطق التعشيش من دون شريكات، وفق مشاهدات باحثين في نطاقه الآسيوي. وهكذا تتحول خسارة طائر واحد إلى خسارة فرص تكاثر لاحقة، ويتراجع تعويض النافق من الأفراد.
لكن الشباك ليست القاتل الوحيد. ففي سهوب منغوليا المفتوحة، تجذب أعمدة الكهرباء الصقور لأنها توفر نقاط مراقبة مرتفعة وسط أراضٍ قليلة الأشجار. وقد يؤدي ملامسة موصل كهربائي حي أثناء الوقوف على أجزاء مؤرَّضة إلى صعق الطائر. ووثقت دراسة ميدانية نفوق 490 صقراً حراً على خط واحد بطول 56 كيلومتراً خلال سنة. وكانت الطيور اليافعة شديدة التعرض للخطر، ما يستنزف أجيالاً قبل دخولها دورة التكاثر.
ويضاف إلى ذلك تدهور الموائل ونقص الفرائس والتسمم. فالصقر يحتاج إلى مساحات مفتوحة توفر الغذاء ومواقع آمنة للتعشيش، وليس إلى حماية اسمه في القوانين فقط. وفي مواقع آسيوية راقبها الباحثون، ارتبط تراجع القوارض بانحسار التعشيش. لذلك، قد يبقى المشهد الطبيعي مفتوحاً في الظاهر، لكنه يفقد قدرته على إعالة الصقور. وحماية المفترس تستلزم صون الشبكة الغذائية التي يعتمد عليها، ومراقبة أسباب تراجع فرائسه.
فرص النجاة: حماية تُعيد الصقر إلى سمائه
توجد أدلة على أن التدخل ينجح: أعلن صندوق محمد بن زايد للمحافظة على الطيور الجارحة عزل نحو 27 ألف عمود كهرباء في منغوليا بحلول 2022. وأظهرت دراسة منشورة في عام 2025 أن خمس تقنيات لتعديل الأعمدة خفضت الصعق مقارنة بأعمدة لم تُعالج. كذلك وفرت هيئة البيئة في أبوظبي خمسة آلاف موقع تعشيش اصطناعي في منغوليا، فأتاحت فرص تكاثر في مناطق تفتقر إلى الأعشاش الطبيعية.
وتقدم أوروبا مثالاً آخر: وثقت دراسة منشورة في عام 2025 ارتفاعاً واضحاً في أعداد الأزواج ونجاح التكاثر في النمسا خلال الفترة 2012–2021، مع ارتباط إيجابي بتوافر منشآت التعشيش الاصطناعية. هذه النجاحات تثبت إمكان التعافي، لكنها لا تلغي الانحدار العالمي. كما أن الإكثار في الأسر وإطلاق الطيور لا يكفيان وحدهما؛ فالنجاح الحقيقي يُقاس ببقائها وتكاثرها في البرية، بعد تقليص مصادر الموت واستنزاف الموائل.
إذاً، الصقر الحر يختفي من أجزاء من البرية، لكنه لم يخسر معركته نهائياً. وإنقاذه يحتاج إلى كهرباء آمنة للطيور، ومكافحة الاتجار غير القانوني، وحماية الفرائس والأعشاش، ورصد مستقل للأعداد عبر الحدود. ويمكن للصقارين أن يكونوا شركاء في ذلك. أما معيار النجاح، فليس كثرة الصقور المعروضة أو المرباة، بل استمرار أزواج برية قادرة على إنتاج أجيال جديدة دون اعتماد دائم على تدخل الإنسان. فالوقت المتاح للعمل تحدده سرعة تراجع الجماعات، لا قوة حضور الطائر في الذاكرة والثقافة.