القصر
العالم العربي

هكذا ستساهم الجماعات المحلية في صناديق الاستثمار والتضامن

محرر العالم العربي 2 4 دقائق قراءة

حددت وزارتا الداخلية والجماعات المحلية والنقل (القرار قبل التعديل الحكومي) والمالية، بموجب ثلاثة قرارات وزارية مشتركة، نسب مساهمة البلديات والولايات في صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية، إلى جانب حصة مساهمة هذا الأخير في صندوق التجهيز والاستثمار الموجه لميزانيات البلديات، وذلك بعنوان السنة المالية 2027، في إطار ضبط الموارد المالية للجماعات المحلية وتحديد الاعتمادات الموجهة لدعم عمليات التجهيز والاستثمار.
وفي هذا الإطار، نصّ القرار الوزاري المشترك الأول على تحديد نسبة مساهمة البلديات في صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية بخمسة بالمائة بعنوان سنة 2027، على أن تطبق هذه النسبة، حسب ما ورد في المادة الثانية، على تقديرات الإيرادات الجبائية المباشرة وغير المباشرة التي تعود للبلدية، بعد اقتطاع نسبة 2 بالمائة لصالح صندوق الضمان للجماعات المحلية والبلديات، بما يعني أن احتساب المساهمة يتم على أساس الإيرادات المتبقية بعد إجراء الاقتطاع المذكور.
وبالنسبة للولايات، فقد حدد القرار الوزاري المشترك الثاني نسبة مساهمتها في صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية بثلاثة بالمائة بعنوان سنة 2027، حيث أوضحت المادة الثانية أن هذه النسبة تطبق على تقديرات الإيرادات الجبائية المباشرة وغير المباشرة التي تعود للولاية، بعد اقتطاع نسبة 2 بالمائة لصالح صندوق الضمان للجماعات المحلية والولايات.
وفي سياق متصل، حدد القرار الوزاري المشترك الثالث نسبة مساهمة صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية في صندوق التجهيز والاستثمار لميزانيات البلديات بعشرة بالمائة بعنوان سنة 2027، وهو القرار الذي تضمن، إلى جانب تحديد نسبة المساهمة، توضيحات بشأن توزيع الاعتمادات الناتجة عن حساب الاستثمار في هذا الصندوق.
وحسب المادة الثانية من القرار، توزع هذه الاعتمادات وفق أربعة تصنيفات، تتعلق أولا بالمادة 740 الخاصة بدعم محافظ التجهيز والاستثمار للبلديات، ثم المصلحة 75 المخصصة للتمويل غير المباشر، والمصلحة 76 المتعلقة بالتمويل المباشر، إضافة إلى المادة 783 الخاصة بالتعويضات الناتجة عن التخصيصات أو الإعانات أو غيرها، بما يحدد أوجه توجيه الاعتمادات المالية المخصصة للتجهيز والاستثمار البلدي.
وقد تضمنت القرارات الوزارية المشتركة الثلاثة مادة ختامية موحدة تنص على نشرها في الجريدة الرسمية وهي القرارات الموقّعة من طرف وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، ووزير المالية، محمد أمين لمو، والتي تضبط، بموجب نسب محددة، مساهمات البلديات والولايات في صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية، إلى جانب مساهمة هذا الصندوق في تمويل صندوق التجهيز والاستثمار لميزانيات البلديات بعنوان السنة المالية 2027.
هذا وجاء إرساء صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية لمعالجة اختلال قديم في الخريطة المالية المحلية، حيث كانت بعض البلديات تعيش على عائدات جبائية معتبرة بفضل تمركز النشاط الاقتصادي والصناعي فوق إقليمها، بينما ظلت بلديات أخرى، خاصة في المناطق النائية والجبلية والجنوبية، عاجزة عن تغطية حتى نفقات تسييرها اليومية، وهو وضع كان يعمّق الفوارق التنموية بين المواطنين حسب مكان إقامتهم، ويجعل التنمية المحلية رهينة الصدفة الجغرافية بدل التخطيط الوطني الموحد.
ولا يقوم الصندوق على منطق اقتطاع أموال من الجماعات الغنية لمعاقبتها، بل على مبدأ إعادة توزيع منظم يضمن حدا أدنى من العدالة المجالية، فالمساهمات التي تدفعها البلديات والولايات تعود إليها في شكل إعانات ودعم للمشاريع ذات الأولوية، وتمويل للمرافق التي لا تملك مداخيل كافية لإنجازها بمفردها، وهو ما يحوّل الصندوق إلى أداة لتقريب مستوى الخدمات العمومية بين بلدية في العاصمة وبلدية حدودية، من دون المساس باستقلالية التسيير المحلي.
ويراعي التمييز في نسب المساهمة طبيعة الموارد والمهام الموكلة لكل جماعة، فالبلدية هي الواجهة الأولى للمواطن وتتحمّل عبء القرب من خدمات الماء والتطهير والإنارة والمدارس الابتدائية والطرقات البلدية، وهي مهام تتطلب تدفقا ماليا مستمرا، بينما تتكفل الولاية بمشاريع ذات طابع جهوي أوسع، كالطرقات الولائية والثانويات والمستشفيات، وتستفيد من وعاء جبائي مختلف، وهو ما يفسّر اعتماد مقاربة تدريجية تأخذ بعين الاعتبار القدرة الحقيقية لكل مستوى على المساهمة من دون إرهاق ميزانيته.
وتكمن أهمية القرارات الجديدة في أنها لا تكتفي بضبط آلية التضامن، بل توجه جزءا معتبرا من مواردها نحو الاستثمار المنتج، فصندوق التجهيز والاستثمار لميزانيات البلديات يمثل الذراع التنفيذية التي تسمح بتحويل التضامن المالي إلى مدارس ومنشآت رياضية وشبكات طرق وفضاءات عمومية يلمسها المواطن في حياته اليومية، وبهذا يتحول الصندوق من مجرد آلية محاسبية لتغطية العجز، إلى رافعة للتنمية المحلية تخلق مناصب شغل مؤقتة أثناء الإنجاز ودائمة بعد دخول المرافق حيز الخدمة.
ومن أهم المزايا العملية لهذه النصوص أنها صدرت قبل دخول السنة المالية المعنية، وهو ما يمنح رؤساء المجالس الشعبية البلدية والولائية رؤية واضحة أثناء إعداد ميزانياتهم الأولية، بدل العمل في حالة ضبابية ثم تفاجئهم اقتطاعات غير متوقعة وسط السنة، كما أن توحيد المرجع القانوني والنشر في الجريدة الرسمية يقطع الطريق أمام التأويلات المتضاربة بين أمناء الخزينة والمراقبين الماليين، ويضع كل المتدخلين أمام قاعدة واحدة للاحتساب والمراقبة، بما يعزز الشفافية ويقلّص النزاعات حول توزيع الاعتمادات.

اقرأ النسخة الكاملة