هجوم كنيسة حمود.. كيف تحول إلى وقود لتأجيج العداء ضد المسلمين؟
عمّان- لم تتوقف تداعيات الهجوم على كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن عند حدود الجريمة التي أودت بحياة 9 أشخاص وأصابت العشرات، بل امتدت إلى فضاء رقمي عالمي شهد ملايين التفاعلات، وسط محاولات لتوظيف الهجوم في تأجيج العداء للمسلمين، وإعادة تقديمه ضمن صراع ديني يتجاوز سياقه الأردني.
وكشف تقرير لمعهد السياسة والمجتمع الأردني، قبل أيام، أن النقاش بشأن الهجوم امتد إلى أكثر من 10 لغات، وسجل ما يزيد على 10 ملايين تفاعل خلال 4 أيام، في حين برز حضور لافت لحسابات تعرّف موقعها بأنه إسرائيل في المحتوى المنشور باللغة الإسبانية، إلى جانب حسابات يمينية متطرفة أعادت صياغة عناوين إخبارية لتعميم المسؤولية عن الجريمة على المسلمين.
أخبار مقترحة
- جامع العرب في الزرقاء.. قرن من التاريخ وخدمات تتجاوز أوقات الصلاة فيديو, 01:5201:52
- توافقات ومنافسة.. كواليس التفاهم على رئاسة مجلس النواب الأردني
وتطرح هذه النتائج تساؤلات بشأن كيفية انتقال جريمة محلية إلى نقاش عابر للحدود، وطبيعة الأطراف التي سعت إلى توظيفها سياسيا ودينيا، ومدى قدرة الإعلام الأردني على مواجهة الروايات المضللة في الساعات الأولى للأزمات.
حضور إسرائيلي في المحتوى الإسباني
وغطى التقرير الذي يحمل عنوان "من حمود إلى العالم: الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جورجيوس في الكرك" الفترة من 23 إلى 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وأظهرت نتائجه أن نحو 38% من المحتوى الإسباني الذي أمكن تحديد الموقع المعلن لحساباته صدر عن حسابات تعرّف موقعها بأنه إسرائيل، مع حضور لحسابات من دول أمريكا اللاتينية.
وفي حديث للجزيرة نت، يقول مدير الإعلام والاتصال في معهد السياسة والمجتمع أحمد القضاة إن التقرير يكشف عن "محاولة لإعادة تأطير الهجوم على كنيسة حمود بما يعزز خطاب الإسلاموفوبيا في الغرب، عبر تصوير المسلمين بوصفهم خطرا جماعيا على أتباع الديانات الأخرى".
ويوضح أن أهمية الحضور الإسرائيلي في المحتوى الإسباني ترتبط بطبيعة الخطاب الذي ظهر في جانب من المنشورات، إذ صوّر المسلمين على أنهم تهديد للمسيحيين، واستدعى المقارنة مع اليهود بوصفهم ضحايا للخطر نفسه.
ويشدد القضاة على ضرورة التمييز بين ما أثبته الرصد وما يمكن طرحه بوصفه فرضية تحليلية، فالموقع المعلن للحسابات لا يثبت بالضرورة مكان إدارتها أو هوية القائمين عليها، كما أن التقرير لم يثبت وجود تنسيق مركزي بين الحسابات المرصودة.
ويلفت إلى أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، يثير تساؤلات بشأن احتمال استثمار خطاب الخوف الديني في الاستقطاب الانتخابي، خصوصا لدى الجمهور اللاتيني الناطق بالإسبانية في الولايات المتحدة. لكنه يؤكد أن هذه الفرضية تحتاج إلى تحقيق مستقل، لأن التقرير لم يتتبع الحملات الانتخابية الأمريكية، ولم يقس وصول المنشورات إلى الناخبين أو تأثيرها في خياراتهم.
من "مسلحين" إلى "مسلمين"
ومن أبرز ما وثقه التقرير إعادة حسابات يمينية أمريكية وأوروبية صياغة عناوين نشرتها مؤسسات إعلامية دولية، بينها شبكة "إيه بي سي" وصحيفة "ويلت"، بعدما استخدمت كلمتي "مسلحين" و"مجهولين" في وصف منفذي الهجوم.
وبحسب الرصد، استبدلت تلك الحسابات بالوصفين كلمة "مسلمين"، في انتقال من تحديد المسؤولية الجنائية للمنفذين إلى تحميل جماعة دينية كاملة مسؤولية الجريمة.
ويقول القضاة إن هذا التغيير ليس مجرد اختلاف لغوي، بل يمثل آلية واضحة لإعادة تأطير الحدث، وتحويله من اعتداء نفذه أشخاص إلى مادة تُستخدم لتغذية العداء للمسلمين.
ورصد التقرير أيضا استخدام بعض المنصات تعبيرات مثل "الإرهاب الإسلامي"، في حين تناولت منشورات أخرى الهجوم ضمن خطاب أوسع عن تعرض المسيحيين للاضطهاد.
وفي المقابل، أظهرت التغطيات الأردنية والعربية اتجاها مختلفا، ركز على التضامن الوطني بين المسلمين والمسيحيين، وإدانة الجريمة، وإبراز قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم.
ومن بين المشاهد التي حظيت بالتفاعل -وفق التقرير- قراءة الفاتحة وإضاءة الشموع أمام الكنائس، ومراسم التشييع، وتصريحات لأفراد من عائلات الضحايا رفضوا ربط الجريمة بالإسلام.
10 ملايين تفاعل
وتكشف الأرقام حجم التحول السريع للهجوم إلى قضية دولية، إذ ارتفع معدل النشر المرتبط بالكرك من نحو 300 منشور في الساعة قبل وقوع الجريمة إلى زهاء 9 آلاف منشور خلال ثلاث إلى أربع ساعات، ثم بلغ نحو 10 آلاف منشور في الساعة عند ذروة الاهتمام.
وتصدرت اللغة العربية المواد المرصودة بنحو 155 ألف مادة، تلتها الإنجليزية بنحو 59 ألفا و800، ثم الإسبانية بنحو 18 ألفا و800، إلى جانب منشورات باليونانية والألمانية والتركية والروسية ولغات أخرى.
وحسب التقرير، ربط نحو 4400 منشور باللغة الإنجليزية الهجوم بتنظيم الدولة، مقابل 53 منشورا فقط نقلت تصريح وزير الداخلية الأردني صباح 26 أكتوبر/تشرين الأول بشأن عدم وجود مؤشرات على ارتباط المنفذين بجهات خارجية.
وفي المقابل، نقل 126 منشورا باللغة العربية التصريح، مقابل منشورين فقط بالإسبانية، وفق عينة الرصد.
وأشار التقرير إلى أن ادعاء تبني تنظيم الدولة للهجوم انتشر في الساعات الأولى دون مصدر موثق، قبل أن تتوالى التصريحات الرسمية، وصولا إلى إعلان القوات المسلحة الأردنية مساء 26 أكتوبر/تشرين الأول ارتباط المنفذين بتنظيمات إرهابية في جنوب سوريا، بالتزامن مع ضربات جوية في درعا.
هل أخفق الإعلام الأردني في إدارة الأزمة؟
يرى الصحفي والمدرب الإعلامي خالد القضاة أن التفاعل الدولي مع الهجوم لا يمكن فصله عن التطورات السياسية في المنطقة، لا سيما المواقف الأردنية المتعلقة بحماية المسيحيين وحقوقهم في القدس.
ويشير -في حديث للجزيرة نت- إلى خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الأمم المتحدة بشأن الانتهاكات الإسرائيلية بحق المسيحيين، لافتا إلى أن استهداف كنيسة في الأردن جاء ضمن سياق إقليمي شديد التعقيد.
ولا يستبعد القضاة احتمال وجود أطراف خارجية سعت إلى استغلال الجريمة أو التأثير في النقاش بشأنها، لكنه يطرح ذلك في إطار قراءته السياسية، من دون تقديم دليل يثبت ضلوع جهة بعينها في التخطيط للهجوم أو تنفيذه.
وعلى المستوى الإعلامي، ينتقد القضاة أداء بعض المؤسسات الأردنية خلال الأزمة، قائلا إن جزءا منها اكتفى بنقل الرواية الرسمية دون تقديم تفسير وسياق، في حين اندفعت مؤسسات أخرى وراء السبق الصحفي والمشاهد المثيرة، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى أخطاء مست عائلات الضحايا.
ويضيف أن بعض التغطيات أسهمت -حتى أثناء محاولتها نفي خطاب الكراهية- في إعادة نشر مفرداته وتوسيع نطاق تداولها داخل المجتمع الأردني.
ويرى المتحدث نفسه أن المشكلة الأساسية تتمثل في غياب فرق متخصصة في إعلام الأزمات داخل المؤسسات الصحفية، قادرة على التعامل مع الأحداث الكبرى بسرعة ومهنية، والتحقق من المعلومات، وتقديم روايات واضحة تراعي الضحايا وتحول دون انتشار التضليل.
ويدعو القضاة إلى إنشاء خلايا إعلامية متخصصة في إدارة الأزمات، لا يقتصر دورها على نقل البيانات الرسمية، بل يشمل شرح الوقائع ووضعها في سياقها، ومواجهة المعلومات المضللة دون إعادة إنتاج خطاب الكراهية.