دونالد ترامب هُزم، هزمه المنطق في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي. المنطق الديموقراطي في الغرب يختلف عنه في دول العالم الثالث حيث الديموقراطية شكلية أو توافقية أو عشائرية أو طائفية أو ديكتاتورية مقنعة... في أميركا الشعب ينتخب وقد يخطئ في الخيار لكن خياراته ليست أبدية وانتماءه إلى حزب أو تيار أو قائد ليس ممهوراً بالدم ولا هو عهد مقدس. قبل أن يهزمه خصومه الديموقراطيون هزمه مؤيدوه القوميون والجمهوريون والمحايدون الذين كانت بهرتهم شخصيته وأفكاره الخارجة عن المألوف في السياسة الأميركية التقليدية.
مرحلة تجاذب
تدخل السياسة الأميركية في السنتين المتبقيتين من عصر ترامب مرحلة من التجاذب بين رئيس نرجسي ومتفرد وبين كونغرس يعارضه بشدة. ذهب ترامب إلى الحد الأقصى في معاداته للديموقراطيين التي وصلت إلى حد التجريح الشخصي بالرئيس السابق جو بايدن العجوز المتهالك. ستكشف الأيام كيف سيتعايش ترامب مع أغلبية ديموقراطية في مجلسي الكونغرس لكن نتائج الانتخابات التي على الأرجح لم تفاجئ ترامب وفريقه ولا الديموقراطيين، كانت مؤشرات واضحة إلى المعارضة الشعبية المتنامية لترامب وسياساته التي أرهقت المواطن الأميركي.
التصويت ضد الجمهوريين في جزء كبير منه هو ضد ترامب شخصياً، لم تعد حركاته وخطابه مقنعة للجيل الشاب من الأميركيين، لكن هل يعني إسقاط ترامب بهذا الشكل المهين هو إسقاط للترامبية نفسها بما هي "عقيدة" سياسية لحكم الولايات المتحدة (والعالم)؟
لم تكن الترامبية ثورة على الحزب الجمهوري بل هي حركة داخلية أعادت تشكيله تحت تأثير رجل جاء بأفكار دغدغت المشاعر والحاجات في أضخم حملة إعلامية قادها بنفسه، وهو في الأساس رجل استعراض واستقطاب.
رفعت الترامبية شعاراً مركزياً هو أميركا أولاً الذي يختصر رؤية ترامب للعالم. فالعلاقات الدولية، وفق هذه الرؤية، ليست شبكة من الالتزامات المتبادلة والقيم المشتركة، بل علاقات مصالح وصفقات وعلى الحلفاء أن يدفعوا أكثر مقابل الحماية، وعلى الدول التي تستفيد من السوق الأميركية أن تقدم تنازلات تجارية وسياسية. تطبيق هذا الشعار وضع أميركا في مواجهات مع حلفائها من كندا إلى أوروبا والشرق ومع منافسيها وخصومها من الصين إلى أميركا الجنوبية. وفي هذا السياق تندرج فكرة القومية الاقتصادية والحمائية التجارية، إذ ترى الترامبية أن العولمة ألحقت أضراراً بالطبقة العاملة الأميركية، وأدت إلى انتقال المصانع والوظائف إلى الصين والمكسيك ودول أخرى. ولذلك تطرح الرسوم الجمركية، وتشجيع الإنتاج المحلي، وإعادة توطين الصناعات، بوصفها وسائل لاستعادة القوة الاقتصادية الأميركية. وفي السياق أيضاً تندرج مناهضة الهجرة التي تتهمها الترامبية بتهديد الأمن الداخلي والهوية الوطنية وفرص العمل.
تنظر الترامبية إلى الأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، والمنظمات والاتفاقيات الدولية، من زاوية ما تقدمه للولايات المتحدة وما تكلفها إياه. وهي لا ترى في هذه المؤسسات مرجعيات ملزمة بذاتها، بل أدوات يمكن التعامل معها أو الانسحاب منها بحسب المصلحة الأميركية.
قدمت الترامبية نفسها باعتبارها صوت الأميركيين الذين همشتهم النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية في واشنطن، مستخدمة ثنائية الشعب في مواجهة المؤسسة، والمواطن العادي في مواجهة النخبة التي تدير الدولة. وتبنت خطاباً يدافع عن القيم المحافظة والهوية الوطنية. لكن العنصر الأكثر بروزاً هو مركزية الشخص. فترامب لا يقدم نفسه باعتباره رئيساً ينفذ برنامجاً حزبياً فحسب، بل باعتباره الشخص القادر على تجاوز المؤسسات التقليدية، ومواجهة خصومه، وإعادة بناء الدولة وفق رؤيته.
ارتكب ترامب مجموعة من الأخطاء منها الخلط بين القوة الاقتصادية لأميركا والقدرة على فرض ارادته على العالم، أصدقاء وحلفاء وخصوماً، ما أدى إلى نتائج عكسية وزاد في اضطراب التجارة وسلاسل التوريد وحركة الشركات والاستثمار وزيادة الأسعار وعدم تأمين الحماية للإنتاج المحلي، كما باعد بين أميركا وحلفائها السياسيين والاقتصاديين في أوروبا خصوصاً. وناقض نفسه عندما قدم نفسه رجل سلام فيما كان يشن الحرب على إيران التي اعترف هو ونائبه بأنها كانت سبباً رئيساً لهزيمة الجمهوريين ويبارك حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة ويجاهربصداقته مع مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.
وذهب ترامب بعيداً في تحويل الخصومة السياسية إلى صراع على المؤسسات مشككاً في المؤسسات الانتخابية والقضائية والإعلامية، وفي شرعية الخصوم السياسيين .وشكل رفضه الإقرار بهزيمته في انتخابات 2020 واقتحام مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021 محطة مفصلية في العلاقة بينه وبين النظام السياسي الأميركي.
هل يمكن اعتبار هذه الهزيمة نهاية للترامبية؟
احتمالات مستقبلية
لم يفت هذا السؤال مراكز البحث الأميركية التي اتفقت على أنه ما زال من المبكر الحديث عن نهاية الترامبية فشعار أميركا أولاً مثلاً سيظل قائماً مع أي إدارة جديدة. وكذلك شعار الحمائية الاقتصادية، وتضع هذه المراكز ثلاثة احتمالات لمستقبل الترامبية.
الاحتمال الأول: استمرار الترامبية بوصفها عقيدة حزبية، أي أن تتحول من حركة مرتبطة بترامب إلى تيار جمهوري دائم، يتبنى القومية الاقتصادية، والتشدد في الهجرة، وأولوية المصالح الأميركية المباشرة، والشك في النظام الدولي التقليدي.
وهذا الاحتمال يجد ما يدعمه في أن الترامبية لم تعد مجرد ظاهرة انتخابية، بل أصبحت ذات امتدادات داخل الحزب الجمهوري، وفي الإعلام المحافظ، وفي قطاعات اجتماعية واقتصادية واسعة.
الاحتمال الثاني: ظهور ترامبية من دون ترامب، أي أن يظهر قائد جديد يتبنى المبادئ نفسها، لكنه يمتلك أسلوباً مختلفاً، ويكون أقل ارتباطاً بالمواجهات الشخصية وأكثر قدرة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات وسياسات مستدامة.
وقد يكون هذا الاحتمال الأكثر أهمية بالنسبة إلى مستقبل الحزب الجمهوري، لأنه يسمح له بالاحتفاظ بقاعدته الشعبوية والقومية مع تجاوز مشكلة الاعتماد على شخصية واحدة.
الاحتمال الثالث: تفكك التحالف الذي صنع الترامبية، فالحركة تجمع أطرافاً ليست مصالحها متطابقة بالضرورة: العمال المتضررون من العولمة، والمحافظون اجتماعياً، والقوميون، ورجال الأعمال، وأصحاب شركات التكنولوجيا الكبرى.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر