القصر
العالم العربي

نقطة ضوء: قبل أن يبتلعنا المجهول ! 

محرر العالم العربي 1 4 دقائق قراءة

الكاتب: د. عدنان ملحم

وجود آراء معارضة للاستراتيجيات  التي نرفعها لا يعني خيانة .

وجود توجهات لا تتفق مع السياسات التي نؤمن بها لا يعني تمردا.

وجود شخصيات تنتقد المسارات التي نسير فيها لا يعني خروجا  عن الصف الوطني .

لماذا يُنجب الكيان الإسرائيلي أحزابا  وكيانات وشخصيات متعددة ومتناقضة ؟ لماذا تتقن أطيافه توظيف مساحات الرأي الآخر للتهييج والردح والتخويف والمساومة والتمرد والتهرب ؟ لماذا ينجح أركانه في إدارة خلافاتهم وتناقضاتهم ومصالحهم ؟ ولماذا ينجحون في إيجاد نقاط وثوابت مشتركة يديرون حولها تحركاتهم ؟. 

لماذا يُطلب منا أن نكون جميعا : قوى وأحزابا  وتنظيمات وشخصيات ، نسخة كربونية واحدة ، نحمل التوجهات والأفكار والألوان والرؤى نفسها ، ونشجع الفريق نفسه ، ونصفق للحن نفسه، ونرقص على النشيد نفسه ؟ . 

من قال إن هذا نضج وطني ، ووحدة وطنية ، وعمق وطني؟ ومن رسّخ في أعماقنا أن الشعوب المناضلة والضعيفة والمضطهدة يجب عليها، ولمصلحتها، أن ترتدي رداءً واحدا  متشابها ؟ . 

أيها السياسيون والمفكرون الفلسطينيون الأفاضل  :

قوة الشعب في الاختلاف ، وتعدد الأصوات ، وتنوع الرؤى . وقوته أن يتقن حدود الاختلاف ومساحاته ، حرصًا على مصالح البلاد والعباد . كما تكمن قوته في ترسيخ أسس العدالة والشفافية والمسؤولية .

يجب أن تفرحوا بالرأي والرأي الآخر ، وتشجعوا تجليات النقد الصريح والصوت المتباين في مختلف القضايا ، وتستفيدوا من ذلك في فنون التفاوض والتفاهم والرفض والمناورة والبناء .

في علوم السياسة ، الجماهير التي تحمل وجهة نظر واحدة ، والأحزاب والأنظمة التي تسير باتجاه واحد ، مصيرها الفشل ، أو الوقوع في مستنقعات اللامبالاة واللامسؤولية واللاوعي .

يقول البعض: نخاف ألا نتمكن من ضبط الرأي الآخر، وأن يهدد نظامنا ومؤسساتنا والتزاماتنا وصورتنا ومشروعنا السياسي والوطني الفلسطيني. نخاف على مصير شعبنا المحاصر والضعيف . هنا شعب عظيم، صابر ورائع ، يعرف جيدا  أن تناقضه الرئيس هو مع من يحتل وطنه ، ويصادر جغرافيته وتاريخه، ويذل مكوناته؛ ولذا فهو قابض على جمر الفساد والظلم والجوع والقهر التي تعشعش في جوانب وطنه ، وتشوه نضاله وصموده . 

كل الشعوب والأنظمة والأحزاب لديها نقاط ضعف وخطايا وفاسدون ، لكنها لا تحميهم ، ولا تنكر وجودهم ، ولا تصفق لهم ، ولا تسمح لرموزهم بالبقاء داخل جسدها .

اسمحوا لي أن أصارحكم : بأن العلاقة بين النظام السياسي والوطني والاقتصادي الفلسطيني ، بمؤسساته وأطره وأشكاله المختلفة ، والجماهير الفلسطينية ، باتت في أدنى مستوياتها . وهناك قطاع عريض من الشعب يعتقد أن هذه المنظومة لا تعبّر عن همومه وتوجهاته ، وما يربطه بها هو الراتب والرتبة ولقمة العيش .

واسمحوا لي أن أصارحكم أيضا  : بأن هندسة الهياكل والمجالس والوزارات والحكومات والسفارات والفصائل والأطر التنظيمية والنضالية ، حين تتحول إلى غاية بحد ذاتها ، تصبح أقرب إلى أدوات لحماية أنظمة الحكم واستدامة مواقعها ومصالحها، منها إلى أدوات لإدارة الثورات التحررية ومواجهة الاحتلال . وستكون نتائجها وبالا  على الشعوب المحتلة والمحاصرة ، في حاضرها ووعيها ومستقبلها .

لذا، علينا مرة أخرى أن ندعو ، قبل أي وقت مضى ، أحزابا  وفصائل  ونقابات  واتحادات  وجامعات ومراكز  أبحاث  وقوى سياسية ووطنية وفكرية وثقافية إلى الجلوس معا ؛ لمراجعة مسيرتنا وخططنا ومساراتنا وبوصلتنا وأوراق قوتنا وضعفنا ، والاتفاق على التناقضات الثانوية والرئيسية ، وعلى المهم والأهم . وأن نحمي البلاد والعباد ، ونسعى إلى ترسيخ كل عوامل الثبات والصمود، ومواجهة خطط التهجير والطرد والفساد في الوطن .

البلاد في خطر كبير؛ فالاستيطان وسطوته يروعان  الناس ، ويستوليان على أراضيهم ومقدراتهم ، والعباد غارقون في الفقر والجوع والظلم والبطالة . ونحن عاجزون عن الذود عن البلاد والدفاع عنها .

التاريخ لا يحمي الضعفاء والمغفلين الذين لا يقرأون ، ولا يعرفون عقيدة عدوهم واستراتيجياته وخططه وثوابته ، ولا تفاصيل مشروعه .

لا سلام في الأفق البعيد ، ولا اتفاق في مرمى البصر، ولا دولة ولا حرية ولا استقلال في العصر الإسرائيلي الأمريكي المعاصر . يخططون لدويلة من كانتونات بلا حدود متصلة ، تحيط بها البوابات والحواجز والطرق وجسور الفصل العنصري من كل جانب. لا يريدون شعبا فلسطينيا  حرا  كريما ، ولا نظاما  وطنيا  فلسطينيا  مستقل القرار .

معركتنا الوحيدة ، حتى تتغير الأحوال ، هي الصمود في أرضنا ووطننا حتى آخر رمق من أرواحنا، وما عدا ذلك استثناء ، وربما ترف لا تسمح به ظروفنا في الوقت الحالي .

نحتاج إلى عشاق فلسطين ، أرضا وإنسانا وتاريخا  وهوية. نحتاج إلى من يعرفون البلاد والعباد ، ويدركون وجع الناس وتفاصيل حياتهم ، وإلى الأقوياء في مواقفهم ، والخبراء في اختصاصاتهم، والثوار في انتمائهم وإرادتهم . نحتاج إلى نماذج حقيقية في العطاء ، وشخصيات تشكل أيقونات للفخر والاعتزاز ، وتعيد إلى العمل الوطني روحه ومعناه ، وإلى السياسة مكانتها ومسؤوليتها.

ملاحظة مهمة: أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية ليس اختلاف الآراء وتعدد المواقف ، بل تآكل القدرة على الاختلاف، وتحول التوافق إلى إجماع مصطنع ، والصمت إلى فضيلة، والموافقة إلى معيار للانتماء . فالأوطان التي لا تسمح بتعدد الأصوات ، ولا تحتمل الأسئلة الصعبة ، ولا تصغي إلى النقد ، لا تصنع وحدة وطنية ، بل تؤسس لعزلة فكرية وسياسية ، وتفقد تدريجيًا قدرتها على اكتشاف أخطائها وتصحيح مساراتها، قبل أن تتحول تلك الأخطاء إلى أزمات يصعب احتواؤها .

اقرأ النسخة الكاملة