نتنياهو ملك بلا مملكة.. هل يستطيع انتزاع الحكم مع صعود الأحزاب العربية؟
لم تكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية مجرد انتكاسة للائتلاف اليميني الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بل كشفت عن تحول في موازين القوى السياسية، وضع رئيس الوزراء أمام مفارقة غير مألوفة؛ إذ احتفظ حزبه بموقع الصدارة، ونجح شخصيا في تجاوز التوقعات، لكنه خسر الأغلبية البرلمانية التي يحتاج إليها لتشكيل حكومة جديدة، بينما أصبح للأحزاب العربية دور محوري في تحديد شكل السلطة المقبلة.
ووفقا للنتائج النهائية التي أوردتها صحيفة غارديان، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدا من أصل 120 في الكنيست، مقابل 48 مقعدا للمعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، وحصدت قائمتا "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" و"رعام " 19 مقعدا.
قصص مقترحة
- list 1 of 2تسلُّم إثيوبيا مقاتلات سوخوي 35 يفتح النقاش حول ميزان القوة مع مصر
- list 2 of 2من بريكس إلى أفريقيا.. كيف تصوغ الصين حضورها في الجنوب العالمي؟
وبذلك باتت المعارضة، إذا أضيفت إليها الأحزاب العربية، تمتلك 67 مقعدا، أي أغلبية برلمانية تتجاوز العدد المطلوب، لكنها لا تضمن بالضرورة تشكيل حكومة بسبب الخلافات السياسية بين مكوناتها.
انتصار لشخصه وانهيار لائتلافه
وتصف صحيفة إندبندنت -في تحليل لغاري كوهين- المشهد بأنه انتصار شخصي لنتنياهو يقابله انهيار سياسي للائتلاف الذي حكم معه خلال السنوات الأربع الماضية؛ إذ ارتفع رصيد حزب الليكود، ولكنّ مجموع مقاعد شركائه تراجعت من 68 إلى نحو 53 أو 54 مقعدا، والنتيجة أن نتنياهو أصبح -وفق تعبير الصحيفة- "ملكا بلا مملكة"، لأنه لم يعد قادرا على الاعتماد على حلفائه السابقين لإعادة تشكيل حكومته.
ويبدو أن نتنياهو نجح في تحقيق هذا التقدم باستخدام واحدة من أكثر الأدوات رسوخا في تجربته السياسية، ألا وهي إثارة المخاوف الأمنية.
ووفقا لتحليل ديفيد هالبفينغر في نيويورك تايمز، ركز رئيس الوزراء حملته على التهديدات المحتملة، من إيران وبرنامجها النووي إلى احتمال قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية، فضلا عن تصوير مشاركة الأحزاب العربية في الحكم باعتبارها خطرا على مستقبل إسرائيل.
واستخدم نتنياهو شعارات انتخابية مباشرة، من بينها "اليمين أم فلسطين"، في لوحات إعلانية ضخمة، كما وظف إعلانات مولدة بالذكاء الاصطناعي لتصوير زعيم حزب "رعام " منصور عباس وسياسيين معارضين وكأنهم حصان طروادة يُدخل النفوذ العربي إلى مؤسسات الدولة.
وبهذا حاول نقل النقاش من إخفاقات حكومته، ولا سيما المسؤولية السياسية عن هجوم طوفان الأقصى 2023، إلى المخاوف من خصومه والتهديدات التي قد تواجه إسرائيل مستقبلا.
هالبفينغر: نتنياهو واجه ظروفا انتخابية صعبة، لكنه استخدم الأوراق المتاحة له بأفضل صورة ممكنة
استخدم الأوراق المتاحة
ويرى هالبفينغر أن نتنياهو استفاد من معرفته العميقة بمخاوف الناخبين اليهود، ومن قدرته على تصوير نفسه باعتباره الخيار الأكثر خبرة في مواجهة الأخطار، حتى عندما كانت حصيلة حكومته الأمنية موضع انتقاد واسع.
ونقل عن مايكل كوبلو، المحلل في منتدى السياسة الإسرائيلية، قوله إن نتنياهو واجه ظروفا انتخابية صعبة، لكنه استخدم الأوراق المتاحة له بأفضل صورة ممكنة.
كما ساعدته علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي قدم له تأييدا علنيا، إلى جانب قدرته كرئيس للحكومة على إبقاء قضايا الأمن وإيران في صدارة النقاش.
وفي المقابل، لم تنجح المعارضة في توحيد صفوفها تماما خلف آيزنكوت، إذ احتفظ حليفاه نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان بطموحاتهما السياسية الخاصة، ولم يحسم زعيم المعارضة موقفه بصورة قاطعة من التعاون مع الأحزاب العربية.
بن غفير تسبب في صعود الأحزاب العربية
لكنّ المفارقة الأبرز في الانتخابات كانت صعود التصويت العربي، فقد ارتفع تمثيل الأحزاب العربية من 10 مقاعد في الانتخابات السابقة إلى 19 مقعدا، وهو رقم قياسي يقترب من الوزن السكاني للمواطنين العرب، الذين يشكلون نحو خمس سكان إسرائيل.
وترى إندبندنت أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ربما كان أحد أبرز العوامل التي دفعت إلى هذا التحول، بسبب خطابه المعادي للعرب، إلى جانب تفاقم الجريمة المنظمة، وارتفاع معدلات القتل في البلدات العربية، ومخاوف المواطنين من استمرار سياسات التمييز والتهميش.
وهنا انقلبت إحدى أدوات حملة اليمين على أصحابها، فنتنياهو الذي حذر الناخبين اليهود من تنامي القوة السياسية العربية، وجد أن هذه المخاوف دفعت قطاعات واسعة من المواطنين العرب إلى المشاركة بكثافة في التصويت.
ووفقا لنيويورك تايمز، استغل نتنياهو مشاهد الإقبال العربي لتحفيز أنصاره، ونشر صورا على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر الناخبين العرب وهم يتوجهون إلى مراكز الاقتراع، مقدما ذلك باعتباره إنذارا يستدعي حشد أصوات اليمين.
فوارق داخل الأحزاب العربية
وتبرز هنا الفوارق بين الأحزاب العربية نفسها، فمنصور عباس، زعيم "رعام"، سبق أن شارك في حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد عامي 2021 و2022، وركز على انتزاع تمويل ومكاسب عملية للمجتمعات العربية.
كما حاول تعزيز قبول حزبه لدى الأحزاب اليهودية، حتى إنه وضع السياسي اليهودي يوآف سيغالوفيتش في المرتبة الثانية على قائمته الانتخابية.
أما "القائمة المشتركة" التي تضم قوى ذات توجهات قومية فلسطينية أكثر وضوحا، فتواجه صعوبات أكبر في بناء شراكات مع الأحزاب الصهيونية، ويشير هالبفينغر إلى أن زعيمها يوسف جبارين أعلن استعداده للتعاون من أجل إسقاط حكومة نتنياهو، لكنّ مشاركة القائمة في ائتلاف حكومي رسمي تظل مسألة مختلفة وأكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، ترى إندبندنت أن نجاح الأحزاب العربية يضع النظام السياسي الإسرائيلي أمام سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت إسرائيل تحتفي بمشاركة المواطنين العرب في الانتخابات باعتبارها دليلا على ديمقراطيتها، فهل يمكن تجاهل أصواتهم بمجرد انتهاء التصويت؟
بيد أن الصحيفة تشير أيضا إلى أن مسؤولية تجاوز الحواجز السياسية لا تقع على الأحزاب اليهودية وحدها، بل تتطلب من القيادات العربية تحديد ما إذا كانت تريد إعطاء الأولوية لتمثيل مصالح ناخبيها داخل إسرائيل أم للقضية الفلسطينية الأوسع.
إندبندنت: نجاح الأحزاب العربية يضع النظام السياسي الإسرائيلي أمام سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت إسرائيل تحتفي بمشاركة المواطنين العرب في الانتخابات باعتبارها دليلا على ديمقراطيتها، فهل يمكن تجاهل أصواتهم بمجرد انتهاء التصويت؟
نتنياهو يواجه صعود الأحزاب العربية
وبدلا من التعامل مع هذه النتيجة باعتبارها هزيمة انتخابية ينبغي التسليم بها، اتجه نتنياهو وحزبه إلى التشكيك في نزاهة التصويت العربي.
وتقول صحيفة غارديان -في تقرير لجوليان بورغر- إن رئيس الوزراء اتهم الأحزاب العربية بالاستعانة بتمويل خارجي وشراء أصوات، ودعا مع حلفائه جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" إلى التحقيق في مزاعم مخالفات داخل البلدات العربية.
لكنّ مسؤولي الشرطة ولجنة الانتخابات المركزية شككوا في أساس هذه الاتهامات، وقال القائم بأعمال المدير العام للجنة، دين ليفنه إنه لا يبدو أن هناك ما يدعمها، كما دعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ القادة السياسيين إلى عدم الإساءة إلى مجتمع بأكمله مارس حقه في التصويت.
ويضيف تقرير باراك رافيد في موقع أكسيوس بعدا أكثر حساسية إلى القضية، فبحسب التقرير، بدأت حملة التشكيك في التصويت العربي قبل الانتخابات، إذ ركز نحو نصف منشورات نتنياهو على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاقتراع على إثارة الشكوك بشأن الإقبال غير المسبوق في البلدات العربية.
وبعد الانتخابات، استند حزب الليكود إلى اعتقال 3 ناشطين من حزب "رعام" للاشتباه في دفعهم أموالا لعدد محدود من الناخبين، وقدم ذلك دليلا على مزاعم أوسع بشأن تزوير الانتخابات، رغم أن الشرطة قالت إنه لا توجد أدلة تدعم الادعاء بأن الانتخابات سُرقت.
الخطوات المقبلة
وتتجه الأنظار الآن إلى الخطوات المقبلة، فبحسب أكسيوس، يُنتظر التصديق على النتائج خلال الأسبوع التالي، على أن يؤدي الكنيست الجديد اليمين بعد ذلك بأيام.
وتعتزم المعارضة، مستفيدة من أغلبيتها البرلمانية محاولة تغيير رئيس الكنيست الحالي أمير أوحانا، وطرح تشريعات في مقدمتها إنشاء لجنة تحقيق رسمية في الإخفاقات الأمنية التي سبقت طوفان الأقصى، وهو مطلب عرقل نتنياهو إطلاقه طوال السنوات الثلاث الماضية.
لكنّ امتلاك الأغلبية لا يحسم معركة تشكيل الحكومة، فالمعارضة تواجه خيارين صعبين، إما التعاون مع الأحزاب العربية، وهو ما تتحفظ عليه بعض مكوناتها، وإما محاولة التوصل إلى حكومة وحدة مع نتنياهو، مما يتطلب منه التخلي عن حلفائه المتشددين وقبول تحقيق رسمي في إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول، وهي شروط لا تبدو سهلة.
أما الخيار الثالث فهو الذهاب إلى انتخابات جديدة، في ظل مخاوف من تكرار حالة الجمود نفسها.
وهكذا، حقق نتنياهو مكسبا انتخابيا شخصيا، لكنه لم يحصل على التفويض البرلماني الذي يسمح له بمواصلة الحكم مع شركائه السابقين.
وفي المقابل، نجحت المعارضة في حرمانه من أغلبيته، لكنها لم تحسم قدرتها على تشكيل بديل. وبين الطرفين، صعدت الأحزاب العربية إلى موقع لم تعد معه مجرد أصوات إضافية يمكن الاستغناء عنها.
لقد تغيرت قواعد اللعبة، وأصبح على القوى الإسرائيلية أن تواجه سؤالا سياسيا ظل مؤجلا طويلا: هل يمكن الاعتراف بالمواطن العربي ناخبا يوم الانتخابات، ثم رفض الاعتراف بوزن صوته عندما تبدأ مفاوضات السلطة؟