ميشيغان... هل تأتي الضربة القاضية للديموقراطيين من داخل حزبهم؟
كان يُفترض أن يجتمع المرشّح الديموقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشغان عبدول السيّد ومنافسته السابقة النائبة هايلي ستيفنز في كنيسة بديترويت، لإظهار وحدة الحزب قبل الانتخابات النصفية. لكنّ ستيفنز اختارت الظهور في كنيسة أخرى إلى جانب منافسه الجمهوري مايك روجرز، معلنة تأييده. هكذا، تحوّلت محاولة المصالحة إلى مواجهة علنية كشفت عمق الخلاف بين تيارات الحزب الديموقراطي، في لحظة يحتاج فيها الديموقراطيون إلى حشد أصواتهم لاستعادة أغلبية مجلس الشيوخ.
فالقطيعة بين السيّد التقدّمي وستيفنز الوسطية، التي هزمها بفارق ضئيل في الانتخابات التمهيدية في آب/أغسطس، تتجاوز العلاقة المتوتّرة بينهما. إنّها تفتح النقاش حول مَن يستطيع الفوز باسم الحزب، وأيّ خطاب يوسّع قاعدته، وأيّ تيّار سيملك تأثيراً أكبر في توجّه الحزب نحو رئاسيات 2028.
مقعد يختبر حسابات الحزب
تكتسب الأزمة أهمّيتها من موقع ميشيغان في معركة السيطرة على مجلس الشيوخ. فالولاية التي لم تنتخب سناتوراً جمهورياً منذ أكثر من ثلاثة عقود، تمثّل إحدى أبرز فرص الجمهوريين لانتزاع مقعد ديموقراطي. وخسارته قد تعقّد مساعي الديموقراطيين للفوز بأغلبية المجلس، والتأثير في العامين الأخيرين من ولاية الرئيس دونالد ترامب.
وهنا يُطرح السؤال: هل يغيّر تأييد ستيفنز لروجرز خيارات الناخبين، أم يبقى مجرّد فصل من الدراما السياسية؟
لا يرتبط هذا السؤال بوزن ستيفنز وحدها، بل بقدرة السيّد على جمع مكوّنات التحالف الديموقراطي خلفه. فقد كانت ستيفنز الأقوى بين الناخبين الديموقراطيين السود واليهود في الانتخابات التمهيدية. وبحسب "سي أن أن"، كان الظهور المشترك المرتقب، بمشاركة النائب النافذ جيم كلايبورن، يهدف خصوصاً إلى تعزيز تأييد الناخبين السود للسيّد.
خلاف أوسع؟
خلف مواجهة ميشيغان، يبرز خلاف أوسع بين القيادة التقليدية والتيار التقدّمي. فشخصيات في المؤسسة الحزبية ترى أنّ المرشّحين المعتدلين أقدر على استمالة الناخبين في الولايات المتأرجحة. أما التقدّميون فيعتبرون أنّ هذا المنطق يضيّق خيارات الحزب، وأنّ مرشّحيهم قادرون على الفوز خارج المعاقل الديموقراطية المضمونة.
فالتقدّميون يمثّلون الحزب في سباقات رئيسية لمجلس الشيوخ، بينها ميشيغان وماين، وكذلك في دوائر تنافسية لمجلس النواب. ويأتي ذلك مع اتّساع حضور الاشتراكيين الديموقراطيين، وتوقّعات بأن يتجاوز عددهم ستّة أعضاء في مجلس النواب المقبل.
ويكشف تقرير "وول ستريت جورنال" أنّ الخلاف وصل بالفعل إلى تبادل الاتهامات بشأن إدارة الموارد الانتخابية. فحلفاء قادة الحزب يقولون إنّ الجناح اليساري استنزف الوقت والأموال في سباقات كان يُفترض أن تكون أسهل، على حساب مرشّحين آخرين. في المقابل، يتّهم تقدّميون المؤسسة الحزبية بعدم بذل كلّ ما تستطيع لمساعدتهم على الفوز.
إسرائيل أحد خطوط الانقسام
في حالة ميشيغان، شكّل الموقف من إسرائيل أبرز القضايا التي فجّرت الخلاف. فالسيّد، الذي سيصبح أوّل مسلم في مجلس الشيوخ الأميركي إذا فاز، يصف ما تفعله إسرائيل في غزة بأنّه "إبادة جماعية"، ويدعو إلى إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لها. أما ستيفنز فتبنّت موقفاً داعماً لإسرائيل، وحظيت بمساندة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" والمجموعات المتحالفة معها، التي أنفقت عشرات الملايين لدعمها. وأفادت "واشنطن بوست" بأنّ هذه المواقف كانت محورية في الانتخابات التمهيدية،
وتجدّد النزاع بسبب إعلان لمجموعة خارجية ربط ارتفاع كلفة المعيشة بالمساعدات لإسرائيل، واعتبرته ستيفنز معادياً للسامية. ورغم إدانة السيّد الإعلان لاحقاً، انهارت محاولة لجمعهما في فعالية انتخابية، بعدما طلبت حملته منها عدم المشاركة.
وترى "نيويورك تايمز" أنّ القطيعة جمعت بين الخلاف السياسي والشعور بالإقصاء: ستيفنز اعتبرت أنّ منافسها السابق تجاهلها وأهانها باستبعادها علناً، فيما رفض السيّد الاستجابة المتكرّرة لشروطها.
لكنّ هذه الحساسية الشخصية ارتبطت بخلاف سياسي أعمق: أيّ مساحة يتيحها الحزب لمرشّحين ينتقدون إسرائيل ويرفضون نفوذ الجهات الداعمة لها؟ فالسيّد هاجم "أيباك" فيما دافعت ستيفنز عن المنظمة التي دعمت حملتها، واعترضت على مواقفه من الحرب في غزة.
بذلك، كشفت المواجهة صعوبة التوفيق بين تيار يريد مراجعة العلاقة التقليدية بإسرائيل، وشخصيات ترى في بعض مواقفه تجاوزاً للحدود المقبولة. وهو خلاف يضع الحزب أمام اختبار الحفاظ على تماسكه.
مع ذلك، لا يعني هذا أنّ القيادات التقليدية اصطفّت خلف ستيفنز. فقد ندّد زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر بقرارها ووصفه بأنّه "خيانة دنيئة"، وأكّدت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي ضرورة فوز السيّد، رغم انتقادها مواقفه من إسرائيل. فالتباين السياسي معه لم يدفعهما إلى قبول دعم منافسه الجمهوري.
ما بعد الانتخابات
يريد التياران أغلبية ديموقراطية في مجلس الشيوخ، لكنّهما يختلفان على الدروس التي ينبغي استخلاصها من النتائج. فالفوز قد يخفّف التوتّر مؤقّتاً، من دون أن ينهي التنافس على تحديد هوية الحزب وقيادته.
ومع اقتراب رئاسيات 2028، يأمل التقدّميون أن تمنحهم المكاسب الانتخابية تأثيراً أكبر في النقاش بين مرشّحي الحزب للرئاسة. أما المعتدلون فيخشون أن تُقرأ تلك المكاسب باعتبارها دليلاً على أنّ قاعدة الحزب أكثر يسارية ممّا هي عليه.