موازنة تونس 2027.. بين دعم الأجور وأسئلة الغلاء والاقتراض
في سوق الخضروات، لم تكن جولة سلمى اللواتي، وهي تونسية في العقد الخامس، بحثا عن قائمة طويلة من المشتريات، بل محاولة لاقتناء ما تسمح به ميزانية الأسرة. توقفت أمام بعض الخضروات، واختارت الفلفل والبصل والبطاطا، قبل أن تواصل طريقها دون شراء بقية ما تحتاج إليه.
تقول سلمى للجزيرة نت إن العائلات التونسية باتت تقتصر على الضروريات، وتعيد ترتيب أولوياتها مع كل جولة تسوق، بعدما أصبحت أسعار بعض المواد خارج قدرتها الشرائية.
أخبار مقترحة
- قتلها قيس سعيّد أم نبذها الناس.. ماذا جرى لأحزاب تونس؟
- جرد لديون الدول العربية.. تفاصيل الأعباء التي تثقل يوميات الناس وتنتقل للأحفاد
- هل تستطيع الدول العربية تصدير المعرفة بدل العقول؟
- من يُقرض الدول العربية وكم يدفع مواطنوها؟
وترى أن مكافحة البطالة ودعم الفلاحة ينبغي أن يكونا من أولويات الدولة، لارتباطهما المباشر بقدرة الأسر على تحسين ظروف عيشها.
في المحل المجاور، يلاحظ عمر الطرودي، بائع الخضروات، تفاوتا في الأسعار بين المنتجات المحلية والمستوردة.
ويشير أثناء حديثه للجزيرة نت إلى أن سعر كيلوغرام الطماطم المحلية يتراوح بين 5 و6 دنانير، إن وجدت في الأسواق، مقابل نحو 3 دنانير للطماطم المستوردة من الجزائر، معتبرا أن موجات الحرارة أثرت في الإنتاج المحلي وأسهمت في ارتفاع الأسعار.
زيادة مخصصات الأجور
تتزامن هذه الشهادات مع مناقشة البرلمان التونسي مشروع موازنة الدولة لسنة 2027، الذي يرفع حجم النفقات إلى نحو 68.895 مليار دينار، بزيادة 8.37% مقارنة بميزانية 2026.
لكن وراء هذه الأرقام يبرز سؤال يتجاوز حجم الميزانية: إلى أي مدى تنعكس القرارات المالية الجديدة في الموازنة على القدرة الشرائية للتونسيين، وعلى الخدمات الاجتماعية وفرص العمل؟
تخصص موازنة 2027 نحو 27.349 مليار دينار لنفقات الأجور، مقابل 25.267 مليار دينار في 2026، بزيادة تبلغ 8.2%. وتمثل تكلفة الأجور نحو 39.7% من نفقات الميزانية، مع برمجة تنفيذ القسط الثاني من الزيادات في الأجور ومواصلة الانتدابات.
كما يتضمن المشروع الترخيص في 30 ألفا و557 خطة انتداب، إلى جانب 5664 خطة لتسوية وضعية العمال بقطاع البستنة وبعض الأنشطة العامة الأخرى.
ويبلغ العدد الكلي للعاملين في الوظائف العمومية والمؤسسات الملحقة بالحكومة 692 ألفا و702 فرد.
وفي القطاعات الاجتماعية، ارتفعت الاعتمادات المخصصة لوزارة التربية إلى نحو 9.184 مليارات دينار، ولوزارة الصحة إلى 4.741 مليارات، في حين بلغت ميزانية التعليم العالي والبحث العلمي 2.484 مليار دينار.
كما ارتفعت اعتمادات الاستثمار الصحي إلى 1.321 مليار دينار، مقابل 780 مليون دينار في السنة السابقة.
لكن هذه الزيادات لا تعني بالضرورة تحسنا فوريا في جودة الخدمات، إذ يرتبط أثرها بمدى تنفيذ المشاريع وتوفير التجهيزات والإطارات.
وفي المقابل، شهدت بعض الاعتمادات تراجعا، من بينها ميزانية وزارة التجارة وتنمية الصادرات، وإن كان التراجع محدودا.
ويرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، في تصريح للجزيرة نت، أن ارتفاع عدد العاملين في الوظيفة العمومية يعكس، إلى جانب حاجات المرافق العامة، محدودية قدرة القطاع الخاص على استيعاب الباحثين عن العمل.
ويعتبر أن معالجة البطالة لا تتحقق بالعمل الحكومي وحده، بل تتطلب تهيئة مناخ يسمح للمؤسسات الخاصة بالتوسع والاستثمار وخلق مواطن شغل مستدامة.
الدعم ومواجهة الغلاء.. هل تكفي الاعتمادات؟
خصص مشروع الموازنة نحو 11.846 مليار دينار للدعم، تتوزع بين 7.090 مليارات للمحروقات، و4.036 مليارات للمواد الأساسية، و720 مليون دينار للنقل.
كما رصد 5.091 مليارات دينار للتدخلات الاجتماعية، بما يشمل المساعدات والمنح الموجهة إلى الفئات محدودة الدخل.
تأتي هذه الاعتمادات في وقت ما تزال فيه كلفة المعيشة تضغط على الأسر. فقد بلغ معدل التضخم في تونس 5.6% خلال سبتمبر/أيلول 2026، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 8.4% على أساس سنوي، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء.
ولا يقتصر أثر الغلاء على المواد المدعومة، بل يمتد إلى المنتجات الطازجة التي تتأثر بتكاليف الإنتاج والنقل والتقلبات المناخية. لذلك يطرح استمرار تخصيص مبالغ كبيرة للدعم سؤالا بشأن مدى قدرة المنظومة الحالية على كبح ارتفاع الأسعار وضمان وصول المساعدة إلى مستحقيها.
أما التدخلات الاجتماعية، فتتضمن مساعدات للعائلات المعوزة ومنحا للأطفال ومساعدات للعودة المدرسية، إلى جانب برامج لفائدة الأشخاص ذوي الإعاقة.
غير أن هذه المساعدات لا تعوض الحاجة إلى تحسين فرص التشغيل والدخل، حتى لا تبقى الأسر رهينة التحويلات الاجتماعية في مواجهة ارتفاع كلفة الحياة.
وفي هذا السياق، يرى المولدي، وهو متقاعد في العقد السادس تحدث للجزيرة نت أثناء إجابته عن سؤال حول رؤيته لأولويات الإنفاق العمومي، أن "الأولوية ينبغي أن تكون للاستثمار في الشباب وتحسين شروط الحياة الكريمة، بما يتيح للأجيال الجديدة فرصا أفضل للعمل والاستقرار".
الشركات الصغرى والجباية
يتضمن مشروع الموازنة خطوط تمويل موجهة إلى المؤسسات الصغرى والناشئة والطلبة الباعثين والشركات الأهلية، فضلا عن إجراءات لمساندة المؤسسات الجديدة، من بينها التكفل بالمساهمات الاجتماعية خلال السنوات الثلاث الأولى بنسب متناقصة، وإعفاءات جبائية لفائدة مؤسسات تستوفي شروطا محددة.
وتستهدف هذه الإجراءات تخفيف كلفة الانطلاق أمام المؤسسات وتشجيع المبادرات الاقتصادية.
لكن الشكندالي يرى أن تعدد خطوط التمويل لا يضمن وحده نجاح المشاريع، ما لم يرافقه تقييم لدراسات الجدوى ومتابعة للمؤسسات وقدرتها على سداد القروض.
كما يثير تساؤلات بشأن تمويل الشركات الأهلية دون فوائد أو ضمانات، محذرا من أن تعثر السداد قد ينعكس على المؤسسات البنكية التي تتولى إدارة هذه التمويلات.
وعلى المستوى الجبائي، لا يقترح المشروع تغييرا عاما في نسب الضريبة على الدخل والشركات، لكنه يتضمن تعديلات في بعض الرسوم. ومن أبرزها المبلغ المخصص للسفر إلى الخارج من 60 إلى 80 دينارا، وفي زيادة الرسوم على الألعاب والمسابقات من 40% إلى 60%، إلى جانب إعفاءات وتسهيلات ديوانية وجبائية لبعض الأنشطة والقطاعات.
وتتوزع الإجراءات بذلك بين حوافز للمؤسسات من جهة، وزيادات في بعض الرسوم من جهة أخرى.
من أين تأتي أموال الموازنة؟
تقدر مداخيل الدولة المرخص في استخلاصها خلال 2027 بنحو 54.280 مليار دينار، منها 49.6 مليار دينار مداخيل جبائية، مقابل نفقات دفع تبلغ 68.895 مليار دينار، مما يفرز عجزا في الميزانية يقدر بـ14.615 مليار دينار.
أما حاجيات الخزينة الإجمالية من التمويل فتبلغ 28.122 مليار دينار، ولا ترتبط بتغطية العجز وحده، بل تشمل أيضا تسديد أصل الدين العمومي المقدر بنحو 13.307 مليار دينار.
ولتمويل هذه الاحتياجات، يعوّل مشروع الموازنة على الاقتراض الداخلي بقيمة 19.845 مليار دينار، مقابل 6.877 مليارات دينار من الاقتراض الخارجي، إضافة إلى 1.4 مليار دينار من موارد أخرى.
كما يتضمن تسهيلات من البنك المركزي لفائدة الخزانة العامة بقيمة 9.8 مليارات دينار دون فائدة، تسدد على مدى 15 سنة مع فترة سماح لنحو ٣ سنوات.
ويحذر الشكندالي من مخاطر التوسع في الاقتراض الداخلي واللجوء إلى التمويل المباشر من البنك المركزي، معتبرا أن ضخ السيولة دون أن يقابله إنتاج إضافي قد يزيد الضغوط التضخمية، ويؤثر في القدرة الشرائية للدينار، فضلا عن احتمال مزاحمة المؤسسات الخاصة على التمويل البنكي.
وبين أرقام الميزانية وحسابات الأسر في الأسواق، يبقى التحدي في قدرة هذه الخيارات على ترجمة الإنفاق العام إلى خدمات أفضل وفرص عمل ودخل أكثر استقرارا.
فبالنسبة إلى سلمى، لا تقاس الميزانية بحجم الاعتمادات المعلنة، بل بما تستطيع شراءه في نهاية جولتها بالسوق، وبما يتبقى من دخل الأسرة بعد تلبية حاجاتها الأساسية.