القصر
العالم العربي

من يحمي الحامي حين تتجاوز الوصاية حدود القدرة؟ يثير المقال تساؤلات حول مفهوم القيادة الإقليمية في الخليج، وحدود دور السعودية في حماية دوله.

محرر العالم العربي 1 3 دقائق قراءة

تستحق أن تؤخذ بجدية الدعوات في الإعلام السعودي، والتي تطالب بمراجعة الحسابات بين دول الخليج، وأول ما يستحق المراجعة هو الاعتقاد بأن اتساع الجغرافيا يمنح دولةً حق تحديد أحجام الآخرين، أو أن أدوارها السابقة تجعلها صاحبة ولاية دائمة على قراراتهم. ففي السياسة، تُقاس المكانة بالقدرة على بناء الثقة وتحقيق النتائج، وتُكتسب القيادة بقبول الشركاء، ولا يكفي أن يمنحها المرء لنفسه ثم يطالب الآخرين بالتصرف على أساسها.

هناك تناقض يصعب تجاوزه ويتضح في خطاب عميد الإعلام السعودي رئيس تحرير صحيفة الجزيرة السعودية، والذي ينفي الرغبة في الهيمنة، ثم يقسّم منطقة الشرق الأوسط إلى طرف يتولى الحماية وأطراف لا تملك سوى الاحتماء به. من يتابع هذا الخطاب يجد الهنات تلو الهنات، فالوصاية تبدأ من افتراض أن استقلال الآخرين خطأ في الحساب، وأن اختلافهم تعبير عن الغرور، وأن مصالحهم لا تكون مشروعة إلا حين تتطابق مع تصور “الشقيق الكبير”. ومَن يريد تبديد مخاوف الهيمنة، عليه أولاً أن يتخلى عن اللغة التي تمنح هذه المخاوف أسبابها.

أما الحماية، فهي مسؤولية عملية تُختبر عند الخطر. وحين تكون الدولة نفسها عرضة للهجمات، وتواجه تحديات في حماية مدنها ومنشآتها، وتحتاج إلى شركاء وضمانات وتسليح من الخارج، فإن ذلك يستدعي قدرا أكبر من التواضع في مخاطبة الآخرين. التعرض للاعتداء لا ينتقص من كرامة دولة، والاستعانة بالحلفاء خيار مشروع؛ لكن الادعاء باحتكار حماية الإقليم يصبح عسير الإقناع عندما تكون حماية الداخل نفسه مهمة لم تُحسم. ومن يحتاج إلى مظلة أمنية مشتركة، يجدر به أن يناقش شروطها مع شركائه على أساس التكافؤ.

ومن الصحيح أن المال وحده لا يصنع قوة. وينطبق المنطق نفسه على المساحة والسكان والإنفاق العسكري. فهذه جميعا موارد وإمكانات، وتحدد كفاءة الدولة مقدار ما يتحول منها إلى أمن ونفوذ وازدهار. وقد تنجح دولة محدودة المساحة في بناء مؤسسات وشراكات وقدرات تمنحها تأثيرا يفوق وزنها الجغرافي. وصف هذا النجاح بأنه تضخم في تقدير الذات يعفي صاحبه من السؤال الأجدى: كيف أحسنت هذه الدولة استخدام ما لديها، وماذا يمكن تعلمه من تجربتها؟

كذلك، فإن استدعاء أدوار المساندة السابقة يقتضي احترام التاريخ بكامل عناصره: إرادة الشعوب، ومقاومتها، والتحالفات، والقرارات الدولية، ومساهمات أطراف متعددة كان لها الدور الأكبر في إشعال التحرك العسكري. واختزال الجهود المشتركة في رواية المنقذ الوحيد يحوّل التاريخ إلى أداة للمطالبة بالطاعة. للمساندة مكانتها المستحقة في الذاكرة، أما سيادة الدول فتبقى حقا دائما لشعوبها. والامتنان لا ينشئ تبعية سياسية مفتوحة الأجل.

وتحتاج السياسات الإقليمية إلى المعيار نفسه الذي يُطلب من الآخرين الالتزام به: مراجعة النتائج. ماذا تحقق من الأهداف المعلنة؟ وما الكلفة؟ وهل أصبح الجوار أكثر استقرارا، والحدود أكثر أمنا، والتسويات أقرب؟ إعلان الحرص على الاستقرار لا يغني عن تقديم حصيلة قابلة للفحص، كما أن حجم التضحيات لا يعفي القرارات من النقد والمراجعة.

إن التماسك الإقليمي يتطلب احتراما متبادلا يتسع لاختلاف المصالح والاجتهادات. فالقيادة التي تطمئن شركاءها إلى استقلالهم أقدر على جمعهم من خطاب يذكّرهم بصغرهم، ويستدعي حاجتهم المفترضة إليه كلما اختلفوا معه. والتلويح بالخطر لإثبات ضرورة الطاعة يضعف الثقة التي تحتاجها أي منظومة دفاع مشترك.

نعم، أعيدوا الحسابات. وابدؤوا بمراجعة الفارق بين المكانة التي يعلنها الخطاب والقدرة التي تثبتها الوقائع. فمن يطلب من الآخرين الاعتراف بدوره، عليه أن يحترم حقهم في تقييم هذا الدور. وأقوى برهان على الكِبَر هو أن تمنح شركاءك شعورا أكبر بالأمان والاستقلال، وأن تحتفظ بثقتهم حين يملكون حرية الاختلاف معك.

اقرأ النسخة الكاملة