القصر
العالم العربي

"من يحرّر يقرّر"... خطاب إقصاء الآخر وإلغاء الرأي المخالف

محرر العالم العربي 1 3 دقائق قراءة

خالد حرب*

في أيام نظام الأسد، لم تكن هناك تعددية سياسية حقيقية، بل واجهة اسمها «الجبهة الوطنية التقدمية»، ضمّت أحزاباً كان لبعضها، في مراحل سابقة، حضور سياسي وقواعد شعبية. استطاع حافظ الأسد استمالة قياداتها بالمنافع والمكاسب السياسية المحدودة، من دون أن يمنحها شراكة فعلية في صنع القرار.

كان الأسد، ومعه حلقة ضيقة جداً، يقرّر السياسات الدفاعية والخارجية والداخلية، فيما كانت لحزب البعث اليد الطولى في إدارة الحياة السياسية الداخلية وتنفيذ توجهات السلطة على مختلف الصعد، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما المعارضة الوطنية في الداخل، فكان رأيها محاصراً، وكانت تواجه التضييق الأمني بالدرجة الأولى، وإن تمكّن بعض أفرادها من استغلال هوامش ضيقة لانتقاد سياسة أو الاعتراض على توجّه.

ومع سقوط النظام، سرعان ما ظهر شعار استفزّ شريحة من السوريين: «من يحرّر يقرّر». وكأن الفضل في إسقاط نظام الأسد يعود حصراً إلى القوى التي خاضت عملية «ردع العدوان»، وصولاً إلى دخول دمشق وهروب بشار الأسد إلى روسيا. هكذا، اختُزل مسار طويل من النضال والتضحيات في المشهد العسكري الأخير، واستُخدمت نتيجته لتبرير احتكار القرار السياسي.

لا يمكن إنكار دور القوى التي حسمت المواجهة عسكرياً، لكن إسقاط النظام لم يكن وليد تلك اللحظة وحدها. لقد جاء ثمرة تراكمات امتدت قرابة خمسة عشر عاماً، شاركت فيها شرائح واسعة من السوريين، وقدّمت خلالها تضحيات بأشكال مختلفة. وأسهمت هذه التراكمات في إنهاك النظام وتفكّك بنيته، بما سهّل الوصول إلى دمشق من دون مقاومة تُذكر. كان النظام، في لحظاته الأخيرة، أشبه بثمرة ناضجة على شجرتها، تنتظر الهزّة التي تُسقطها؛ لكن نضج لحظة السقوط كان حصيلة سنوات، لا أيام.

المشكلة في شعار «من يحرّر يقرّر» أنه يحوّل الدور في إسقاط الاستبداد إلى سند لاحتكار السلطة بعده. فالتحرير لا يمنح أصحابه ملكية البلد، ولا يجعل بقية المواطنين ضيوفاً في وطنهم، ينتظرون الإذن للمشاركة في تقرير مستقبله.

ويزداد خطر هذا الشعار حين يُستدعى في مواجهة أي نقد لممارسات السلطة أو إقصائها الآخرين واستفرادها بالقرار. فما إن يُطرح اعتراض، ولو محدوداً، حتى يتعرّض صاحبه لحملات هجوم وتشهير، وتُطلق عليه تصنيفات جاهزة: «فلول»، أو «هجري»، أو «قسدي». ويحلّ التشكيك في النيات والولاءات محلّ مناقشة الرأي والحجّة، وقد يمتدّ التشهير إلى تداول مواد مفبركة تُستخدم لتشويه المنتقدين.

للأسف، ترسّخ لدى بعض الناس والناشطين على وسائل التواصل انطباع بأن كل من ينتقد السلطة الجديدة يرغب في عودة النظام الساقط. وهذه مساواة ظالمة تُفرغ النقاش العام من معناه. فرفض الاستبداد السابق لا يفرض الصمت عن أخطاء الحاضر، والتمسّك بالتغيير يقتضي الدفاع عن حق النقد، لا التخلّي عنه.

القرار حقّ للسوريين جميعاً، يمارسونه عبر مشاركة سياسية تقوم على الاعتراف المتبادل والمساواة في المواطنة، ومن خلال مؤسسات تتيح لهم التأثير في السياسات ومحاسبة من يتولّون المسؤولية. ولا يجوز اختزال هذا الحق في فئة تريد، باسم التحرير، أن يكون القرار لها وحدها.

من هنا، ينبغي التخلّي عن هذا الشعار ومواجهة منطقه الإقصائي بالنقاش العام، مع المساءلة القانونية عن أي تحريض أو تهديد أو تشهير يرافق استخدامه، في إطار يحمي حرية التعبير ولا يتحوّل بدوره إلى أداة لإسكات المخالفين. فالمطلوب إنهاء الإقصاء، لا استبدال إقصاء بآخر.

لقد قدّم السوريون تضحيات متفاوتة، لكن حقوقهم لا تُقاس بحجم ما قدّمه كل منهم، ولا بقربه من القوى المنتصرة. وبناء البلد لن يستقيم بالاستقواء بالسلطة، بل بالاعتراف بحق الجميع في حياة كريمة وآمنة، من دون تمييز أو إقصاء.

وما يحزنني أنني لم أسمع هذا الشعار من مسؤول في الدولة، بل ممن يتبنّونه ويدافعون عنه في الشارع وعلى وسائل التواصل، ومن مؤثرين يقيم بعضهم خارج سوريا. وهنا تكمن المفارقة: أن يتطوّع مواطنون لتبرير تقييد حقهم وحق غيرهم في المشاركة، فيما يُفترض أن يفتح سقوط الاستبداد المجال أمام الجميع.

من يحرّر يستحقّ التقدير، أما من يقرّر مستقبل سوريا فهم السوريون جميعاً.

*مهندس وأكاديمي وناشط سوري

اقرأ النسخة الكاملة