من غلاء المعيشة إلى الحروب.. عوامل تدفع الألمان للتخلي عن الإنجاب
تتزايد في ألمانيا النقاشات حول أسباب التراجع الحاد في عدد المواليد، في وقت يختار فيه بعض الشباب الألماني العيش من دون أطفال عن قناعة، بينما تؤدي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى تأجيل أو التخلي عن خطط الإنجاب لدى آخرين.
وكتب موقع "تاغسشاو" الألماني تقريرا عن أني شتورلينغ، البالغة من العمر 31 عاماً، والتي تعيش مع زوجها وكلبتهما في ميونيخ، ولا تشعر بأن الأطفال ينقصونها لتحقيق حياة سعيدة. وتقول: "نحن ببساطة سعداء بحياتنا كما هي". كما تتحدث عبر إنستغرام بصراحة عن أنها لا تستطيع حالياً أن تتخيل نفسها أماً.
لكن موقفها لا يخلو من الانتقادات، إذ تتلقى باستمرار أسئلة حول موعد إنجاب الأطفال، فيما يفترض البعض أنها لم تجد الشريك المناسب بعد. أما شتورلينغ فترى أن إنجاب طفل يجب أن يكون قراراً واعياً ومدروساً، وتقول إنها وزوجها اتفقا على قاعدة بسيطة: "طالما لا يوجد جواب واضح بنعم، فسيبقى الجواب لا".
أدنى عدد مواليد منذ 1946
وبحسب تقرير "تاغسشاو"، شهدت ألمانيا عام 2025 ولادة نحو 654 ألف طفل فقط، وهو أدنى عدد من المواليد منذ عام 1946. كما بلغ معدل الخصوبة 1.32 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ عام 1997.
وتشير بيانات المعهد الاتحادي لأبحاث السكان إلى أن الشباب الألمان الراغبين في تكوين أسر ما زالوا يتمنون إنجاب عدد أكبر من الأطفال مما يتحقق فعلياً، بمتوسط يبلغ 2.2 طفل. لكن متوسط الرغبة في الإنجاب تراجع عام 2025 للمرة الأولى منذ سنوات، إذ أعربت النساء عن رغبة في إنجاب 1.7 طفل في المتوسط، مقابل 1.6 طفل لدى الرجال.
ويربط التقرير هذا التراجع بتزامن أزمات عدة منذ عام 2021، بينها جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا وارتفاع معدلات التضخم.
كما تلعب الإيجارات المرتفعة وعدم اليقين المهني والمخاوف من الحروب دوراً مهماً في قرارات الإنجاب. وفي استطلاع للمعهد الاتحادي لأبحاث السكان، أعرب 85 بالمئة من المشاركين عن مخاوف مرتبطة بالحروب.
عوامل اقتصادية وتوقعات مثالية
كما نقل "تاغسشاو" عن الباحثة الاجتماعية داغمار مولر من المعهد الألماني للشباب قولها إن التوقعات المجتمعية تجاه الآباء والأمهات أصبحت مرتفعة للغاية، ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بضرورة أن يكونوا مثاليين في أداء دور الأبوة والأمومة. وإلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية، باتت التصورات الفردية للحياة تلعب دوراً متزايداً، إذ لم تعد الأمومة بالنسبة لبعض النساء شرطاً أساسياً لتحقيق حياة مُرضية.
عواقب تراجع أعداد المواليد في ألمانيا
ويحذر التقرير من أن انخفاض عدد المواليد ستكون له تداعيات بعيدة المدى على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية ورعاية المسنين، بسبب شيخوخة المجتمع وتراجع أعداد الأشخاص في سن العمل مقابل ارتفاع أعداد المتقاعدين. لذلك تتزايد المطالب بتحسين الدعم المقدم للأسر، سواء عبر إعانات الوالدين أو توسيع خدمات رعاية الأطفال.
وفي السياق نفسه، أفادت دراسة لمعهد الاقتصاد الألماني في كولونيا ، فإن انخفاض المواليد في ألمانيا مرشح للاستمرار خلال السنوات المقبلة. وترى الدراسة أن السبب الرئيسي يعود إلى تراجع عدد النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و39 عاماً، وهن الفئة العمرية الأكثر إنجاباً.
ووفقاً للدراسة، من المتوقع أن ينخفض عدد النساء في هذه الفئة العمرية بنسبة 10.2 بالمئة بحلول عام 2035 مقارنة بعام 2025، ما يعني تراجع عدد الأزواج القادرين على إنجاب الأطفال. وترى الدراسة أن هذا الاتجاه قد يكون أكثر حدة إذا جاءت معدلات الهجرة الفعلية أقل من التوقعات السابقة.
وأشارت الدراسة، بحسب "د ب أ"، إلى أن عدد المواليد انخفض عام 2025 بنحو 11 بالمئة مقارنة بعام 2015. وفي الولايات الشرقية تراجع عدد المواليد بنحو الثلث، بينما تجاوز الانخفاض 40 بالمئة بين الأمهات الحاملات للجنسية الألمانية. أما في غرب ألمانيا فتراوح التراجع بين 6 و8 بالمئة.
ويدعو الخبير الاقتصادي فيدو غايس-تونه، معدّ الدراسة، إلى تسهيل قرار الإنجاب أمام الأسر، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بإنجاب الطفل الثالث وما بعده. ويرى أن تحسين خدمات رعاية الأطفال والحفاظ على المزايا الأسرية يشكلان عنصرين أساسيين لمواجهة التراجع الديموغرافي في ألمانيا.
تراجع الخصوبة مع التقدم في العمر
يتأخر تأسيس الأسر منذ عقود. لكن مع التقدم في السن تنخفض خصوبة النساء. وتوضح نينا روغنهوفر، من مركز الهرمونات وعلاج العقم في جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، أن عدد البويضات وجودتها يتراجَعان مع العمر.
ويمكن لتجميد البويضات، المعروف باسم "التجميد الاجتماعي"، أن يحسن فرص الحمل في مرحلة لاحقة من الحياة، لكنه لا يوفر أي ضمانات. وتلاحظ روغنهوفر تزايد الطلب على هذا الخيار.
كما أن النساء يلدن طفلهن الأول في سن متقدمة أكثر من السابق، إذ يبلغ متوسط العمر عند الولادة الأولى نحو 30 عاماً. وفي حين تحاول بعض النساء الحفاظ على إمكانية الإنجاب في المستقبل، تطرح أخريات على أنفسهن سؤالاً مختلفاً: هل يرغبن أصلاً في إنجاب أطفال؟
"نفضّل أن نندم على عدم الإنجاب"
بالنسبة لأني شتورلينغ، تُعد القدرة على تقرير مصيرها بنفسها أمراً بالغ الأهمية. فهي لا تريد أن تصبح أماً فقط لأن المجتمع يتوقع منها ذلك. وهي تدرك أن قرارها قد يسبب لها الندم يوماً ما. وتقول: "نفضّل أن نندم على عدم إنجاب أطفال، بدلاً من أن نندم على إنجابهم".أما ما إذا كانت ستغيّر موقفها يوماً ما، فهي لا تعرف ذلك. لكن في الوقت الحالي لا تشعر بأن شيئاً ينقصها.
وتُظهر قصتها جانباً آخر من النقاش الدائر حول انخفاض أعداد المواليد، فإلى جانب الرغبات المؤجلة أو غير المحققة في الإنجاب، هناك أيضاً أشخاص يستطيعون ببساطة تخيل حياة جيدة من دون أطفال.