القصر
العالم العربي

من عهد بن علي و7 نوفمبر إلى حكم قيس سعيّد.. هل تجاوزت تونس إرث "الدولة البوليسية'؟

محرر العالم العربي 1 7 دقائق قراءة

يظل السابع من نوفمبر تاريخاً محفوراً في ذاكرة التونسيين الذين عايشوا عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، سواء كانوا من أنصاره أو من معارضيه.

اعلان
اعلان

قبل 39 عاما، أٌعلن هذا اليوم عطلة رسمية وكانت الشوارع تتزين بصور الرئيس وشعار "معا لرفع التحديات" كما كانت الاحتفالات تُبثّ على قناة "تونس 7" التي سُميت هكذا تيمّنا بالسابع من نوفمبر تاريخ مجيئ بن علي إلى السلطة، قبل أن يتغير اسمها بعد الثورة إلى "الوطنية الأولى".

في 7 نوفمبر عام 1987، وصل زين العابدين بن علي إلى سدة الحكم بعد إزاحة الرئيس الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية. بن علي الذي كان وقتها يشغل منصب رئيس الوزراء أعلن توليه رئاسة البلاد استناداً إلى تقرير طبي أكد إن بورقيبة غير قادر على مواصلة مهامه. وكان ذلك بداية عهد شمولي استمر أكثر من 23 عاماً حتى أصبحت تونس توصف على نطاق واسع بأنها "دولة بوليسية".

وأنهت ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 حكم بن علي، الذي غادر البلاد إلى السعودية. لكن سقوط النظام لم يكن كافياً لإنهاء إرثه داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما الأجهزة الأمنية التي ظلت علاقتها بالمجتمع وبالسلطة السياسية محكومة بممارسات وهياكل تراكمت على مدى عقود.

وعلى مدى أكثر من عقد ونصف بعد سقوط نظام بن علي، ظلت علاقة التونسيين بالمؤسسة الأمنية مرتبطة بإرث ثقيل يعود إلى سنوات حكمه، حين تحولت الأجهزة الأمنية إلى إحدى ركائز النظام السياسي، واضطلعت بدور أساسي في مراقبة المعارضين والتضييق على الحريات واحتواء الاحتجاجات.

ومع سقوط النظام في 14 يناير/كانون الثاني 2011، تصاعدت المطالب بإعادة بناء تلك الأجهزة، ووضع حد لممارسات التعذيب والتوقيف التعسفي، وإخضاع وزارة الداخلية لرقابة المؤسسات المنتخبة. غير أن التحول السياسي الذي شهدته البلاد لم يواكبه تغيير مماثل في بنية الجهاز الأمني أو في ممارساته، ما أبقى إصلاح جهاز الشرطة أحد الملفات العالقة أمام الحكومات التونسية المتعاقبة.

واليوم، في ظل حكم الرئيس قيس سعيّد، تتجدد انتقادات المنظمات الحقوقية بشأن الاعتقالات والملاحقات الأمنية والقضائية، وسط تساؤلات البعض عن مدى استعادة المؤسسة الأمنية للدور الذي كان لها قبل الثورة، أم أن ما تشهده تونس هو امتداد لمؤسسة لم تخضع لإصلاح عميق في رأي البعض الآخر.

كيف أحكم بن علي قبضته على تونس عبر الأجهزة الأمنية؟

خلال حكم زين العابدين بن علي، الذي امتد إلى 2011، تجاوز دور الشرطة المهام التقليدية المرتبطة بحفظ الأمن وتطبيق القانون. فقد كانت وزارة الداخلية مركزاً أساسياً للنفوذ، واعتمد عليها النظام في مراقبة الخصوم السياسيين وملاحقة المعارضين والحد من النشاط الاحتجاجي.

وترافقت تلك المرحلة مع تقارير حقوقية وثقت حالات التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز، والاعتقالات التعسفية، والقيود المفروضة على حرية التعبير والتنظيم السياسي.

كما ساهم ضعف الرقابة المستقلة على الأجهزة الأمنية في الحدّ من فرص مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.

وكانت الممارسات الأمنية من أبرز الملفات التي غذّت الاحتقان الشعبي خلال السنوات الأخيرة من حكم بن علي. ومع اندلاع الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول 2010، واجهت قوات الأمن المتظاهرين باستخدام القوة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

لكن رحيل الرئيس السابق لم يكن كافياً لإنهاء النفوذ الذي راكمته المؤسسة الأمنية خلال عقود، ولا لتغيير قواعد عملها بصورة جذرية.

لماذا تعثّر إصلاح وزارة الداخلية بعد الثورة؟

فتحت الثورة التونسية الباب أمام مطالب بإعادة هيكلة وزارة الداخلية، ومراجعة القوانين المنظمة لعمل الشرطة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة. كما أصبح إخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة المدنية أحد المطالب الرئيسية في مسار الانتقال الديمقراطي.

غير أن هذا المسار اصطدم بمقاومة داخل المؤسسة نفسها، فضلاً عن انشغال الحكومات المتعاقبة باستعادة الاستقرار ومواجهة التهديدات الأمنية، خصوصاً بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها تونس خلال عامي 2015 و2016.

وفي دراسة نشرها مركز كارنيغي للشرق الأوسط في مارس/آذار 2015 بعنوان "فرصة ضائعة: سياسات إصلاح الشرطة في مصر وتونس"، تناول الباحث يزيد صايغ العوائق التي حالت دون إحداث تغيير عميق في المؤسسة الأمنية التونسية.

وأشار إلى استمرار انغلاق وزارة الداخلية واحتفاظ شبكات النفوذ داخلها بقدرتها على مقاومة مطالب الشفافية والرقابة السياسية، معتبراً أن الفرصة التي أتاحتها الثورة لإعادة تشكيل الجهاز لم تُستثمر بالشكل المطلوب.

وعلى الرغم من بعض الإجراءات، مثل مراجعة قواعد التوقيف والاحتجاز، وإقرار أدلّة إجرائية مرتبطة بحقوق الإنسان، وإخضاع أماكن الاحتجاز لآليات رقابة، فإن هذه التدابير لم ترْقَ إلى مستوى إعادة هيكلة شاملة للمؤسسة الأمنية.

منذ 25 يوليو 2021.. تقارير تؤكد عودة الملاحقات الأمنية

مع تولي قيس سعيّد الرئاسة عام 2019، بقي إصلاح الأجهزة الأمنية أحد الملفات العالقة. لكن الإجراءات التي اتخذها في 25 يوليو/تموز 2021، عندما جمّد عمل البرلمان وأقال رئيس الحكومة، قبل أن يمضي في تركيز السلطات بيد الرئاسة، كشفت حدود تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية.

وخلال السنوات التالية، شهدت تونس اعتقالات طالت سياسيين معارضين ومحامين وصحفيين ونشطاء، بالتوازي مع ملاحقات قضائية استندت في عدد من الحالات إلى اتهامات تتعلق بأمن الدولة والإرهاب.

وفي فبراير/شباط 2023، بدأت موجة توقيفات واسعة شملت شخصيات سياسية ومحامين ورجال أعمال، في إطار القضية المعروفة إعلامياً باسم "التآمر على أمن الدولة". وتواصلت الملاحقات بعد ذلك لتشمل أطرافاً من أطياف سياسية مختلفة، إلى جانب إعلاميين ونشطاء في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.

وفي تقرير صدر في 16 أبريل/نيسان 2025 تحت عنوان "كلهم متآمرون: كيف تستخدم تونس الاعتقال التعسفي لسحق المعارضة"، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش عشرات الحالات قالت إنهم تعرضوا للاعتقال التعسفي، بينهم محامون وصحفيون ومعارضون ونشطاء.

وذكرت المنظمة الحقوقية أن أكثر من 50 شخصاً كانوا محتجزين لأسباب سياسية أو على خلفية ممارسة حقوقهم الأساسية حتى يناير/كانون الثاني 2025، معتبرة أن السلطات وسّعت منذ إجراءات يوليو/تموز 2021 استخدام الاعتقالات والملاحقات القضائية ضد منتقديها.

اقتحام مقر المحامين وملاحقة الصحفيين

في 11 مايو/أيار 2024، أوقفت قوات أمنية المحامية والإعلامية سنية الدهماني من داخل مقر الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، بعد تصريحات إعلامية انتقدت فيها سياسات السلطات.

وأظهرت مشاهد عملية التوقيف عناصر أمنية بملابس مدنية وأقنعة داخل مقر الهيئة.

وكانت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش قد حذرتا، في تقرير مشترك صدر في مايو/أيار 2024، من تصاعد التضييق على الإعلام وحرية التعبير في تونس، مشيرتين إلى توظيف المرسوم رقم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال في ملاحقة صحفيين وأشخاص بسبب تصريحاتهم وآرائهم. ورغم تنقيح المرسوم في سبتمبر/أيلول 2026، بعد أربع سنوات من صدوره، فإن التعديل اقتصر أساساً على تخفيف العقوبات الواردة في الفصل 24، دون إلغاء التجريم الذي أثار انتقادات حقوقية واسعة.

الاحتجاجات والمهاجرون

في يناير/كانون الثاني 2018، وثّقت هيومن رايتس ووتش تعرّض محتجين للضرب بعد اعتقالهم خلال التحركات المناهضة لارتفاع الأسعار والضرائب. كما أشارت إلى توقيف أشخاص بسبب توزيع منشورات تنتقد سياسات الحكومة.

وفي السنوات الأخيرة، امتدت الانتقادات إلى طريقة تعامل قوات الأمن والحرس الوطني مع المهاجرين وطالبي اللجوء، خصوصاً بعد تصاعد التوتر بشأن الهجرة غير النظامية خلال عام 2023.

ووثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات نُسبت إلى الشرطة والحرس الوطني والجيش، بما في ذلك وحدات خفر السواحل، بحق مهاجرين ولاجئين. وتضمنت هذه الانتهاكات، وفق المنظمة، الضرب واستخدام القوة المفرطة والتوقيف التعسفي وسوء المعاملة، إضافة إلى عمليات طرد جماعي باتجاه المناطق الحدودية مع ليبيا والجزائر.

وبذلك امتدت الانتقادات الموجهة إلى الأجهزة الأمنية إلى فئات لا ترتبط بالمعارضة السياسية، ما أعاد النقاش بشأن ضمانات حماية الحقوق والحريات في تعامل الدولة مع مختلف المجموعات الموجودة على أراضيها.

ما الذي يجمع بين عهد بن علي وعهد قيس سعيّد؟

تختلف الظروف السياسية والقانونية بين تونس قبل الثورة وبعدها، كما تختلف الأدوات التي اعتمدتها السلطات في كل مرحلة.

وفي هذا السياق، نشر معهد البحوث الاستراتيجية التابع للمدرسة العسكرية الفرنسية في يناير/كانون الثاني 2026، دراسة بعنوان "مؤسسات في ثورة (أو إعادة تشكيل): الجيش والشرطة في تونس بعد 2011"، وقد تناول هذا البحث التحولات التي عرفتها المؤسستان العسكرية والأمنية منذ الثورة. وقدمت الباحثة أودري بلوتا قراءة لمسار إعادة تشكيل دور الجيش والشرطة، وعلاقتهما بالسلطة السياسية وبالمجتمع التونسي.

وتطرقت الدراسة إلى أزمة الشرعية التي واجهتها الشرطة عقب الثورة، نتيجة الدور الذي اضطلعت به في قمع الاحتجاجات خلال ديسمبر/كانون الأول 2010 ويناير/كانون الثاني 2011. وأدى ذلك إلى تصاعد المطالب بإصلاح المؤسسة الأمنية وإعادة تحديد موقعها داخل الدولة والمجتمع، بما يضمن خضوعها للقانون وآليات الرقابة والمساءلة.

وفي المقابل، رصدت الدراسة تغير موقع الجيش في المشهد التونسي بعد الثورة، مشيرة إلى ارتفاع عدد أفراده من نحو 30 ألفاً عام 2011 إلى قرابة 90 ألفاً عام 2025. كما تضاعف تقريباً عدد أعوان قوات الأمن الداخلي، من 50 ألفاً عام 2011 إلى 90 ألفاً عام 2019.

أما في عهد قيس سعيّد، فتناولت الباحثة موقع الجيش والشرطة ضمن التحول السياسي الذي أعقب إجراءات 25 يوليو/تموز 2021، معتبرة أن المؤسستين أصبحتا في قلب مسار "الانتقال نحو الحكم السلطوي". واستشهدت في هذا السياق بدور الجيش في تنفيذ قرارات ذلك التاريخ.

وتشير خلاصات الدراسة إلى أن التحولات السياسية التي شهدتها تونس بعد الثورة لم تؤدِّ إلى تراجع حضور المؤسستين العسكرية والأمنية في الحياة العامة، وإنما غيّرت طبيعة علاقتهما بالسلطة السياسية وآليات إخضاعهما لها.

اقرأ النسخة الكاملة