القصر
العالم العربي

من "صفر نفايات" إلى الاقتصاد الدائري.. ماذا نتعلم من التجربة التركية؟

محرر العالم العربي 2 4 دقائق قراءة

في إطار الاستعدادات التركية لاستضافة الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ "كوب 31 "، التي بدأت اليوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، نظمت رئاسة دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية، بالتعاون مع وزارة البيئة والتغير المناخي، برنامجا إعلاميا دوليا للتعريف بالسياسات البيئية والمناخية التركية ومبادرات الاستدامة.

وفي إسطنبول، قادت الزيارة إلى مؤسسة "صفر نفايات " للتعرف على نماذج لإعادة توظيف المخلفات، من بينها مجسمات فنية ومراكب شراعية صغيرة ولوحات صُنعت باستخدام البلاستيك والورق ومخلفات عبوات المشروبات الغازية.

أخبار مقترحة

  • بقايا عمرها 122 ألف سنة.. ما سر عزوف القدماء عن "الربع الخالي"؟
  • للمرة الأولى في التاريخ.. اكتشاف آثار دم ديناصور عمرها 115 مليون سنة

وتفتح هذه النماذج بابا أوسع للنقاش حول قدرة إعادة الاستخدام والتدوير على تجاوز المبادرات المحدودة، والتحول إلى جزء من منظومة اقتصادية تقلص النفايات وتحافظ على الموارد.

لكن الانتقال من شعار "صفر نفايات " إلى اقتصاد دائري فعلي لا يتوقف عند تحويل المخلفات إلى منتجات جديدة، بل يرتبط أيضا بمسؤولية الشركات، وفعالية التشريعات البيئية، وقدرة السياسات العامة على قياس النتائج، وهي قضايا تبرز في الطرح الذي يقدمه كريس مينساه، المستشار الخاص للبطل المناخي رفيع المستوى لمؤتمر "كوب 31 "، بشأن دور القطاع الخاص في الحد من النفايات وإعادة إدماج المواد المستعملة في دورة الإنتاج.

من النفايات إلى الموارد.. أرقام تكشف اتساع التجربة التركية

أطلقت تركيا مبادرة "صفر نفايات " عام 2017، قبل أن توسع نطاقها لتشمل مؤسسات ومبان ومرافق مختلفة. ووفق أرقام أعلنتها وزارة البيئة والتحضر والتغير المناخي التركية، ارتفع معدل استعادة النفايات من 13 في المئة عام 2017 إلى 37.53 في المئة عام 2025، كما أعلنت السلطات استعادة 90 مليون طن من النفايات القابلة للاسترداد منذ إطلاق المبادرة حتى نهاية عام 2025.

وتشير البيانات الرسمية نفسها إلى تطبيق نظام إدارة "صفر نفايات " في نحو 217 ألف مبنى ومجمع، فيما تستهدف تركيا رفع معدل استعادة النفايات إلى 60 في المئة بحلول عام 2035، ثم إلى 70 في المئة بحلول عام 2053.

وتعكس هذه الأرقام اتساع المبادرة التركية، لكنها لا تكفي وحدها لقياس أثرها البيئي، من حيث تقليص النفايات والانبعاثات واستهلاك الموارد.

وهنا تكتسب المقاربة التي يطرحها كريس أهمية خاصة، فالتحدي لا يقتصر على معالجة النفايات بعد إنتاجها، بل يشمل مراجعة أنماط الاستهلاك وتشجيع البدائل القابلة لإعادة الاستخدام، بما يقلل الاعتماد على المنتجات أحادية الاستخدام ويحد من تدفق المخلفات إلى أنظمة الجمع والمعالجة.

وفي تصريحه للجزيرة نت، يضع كريس مسؤولية الشركات في صلب النقاش حول الانتقال إلى الاقتصاد الدائري. فبدلاً من حصر التعامل مع النفايات في جمعها والتخلص منها، يمكن، وفق الطرح الذي قدمه بشأن التنظيم البيئي، النظر إلى جزء من المخلفات الصناعية باعتباره موردا قابلا للاستخدام في إنتاج مواد أو منتجات أخرى.

ويتيح التعاون بين الشركات تحويل مخلفاتها إلى مواد أولية قابلة للاستخدام، بما يقلل الهدر، شريطة وجود تشريعات بيئية موحدة تضمن تكافؤ الالتزامات وتحدد مسؤولية المنتجين عن نفاياتهم.

هدر الغذاء.. مليار طن من الموارد المهدورة

ويمتد الاقتصاد الدائري إلى الغذاء، إذ قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة هدر نحو 1.05 مليار طن من الغذاء عام 2022، أي ما يعادل 19 في المئة من الأغذية المتاحة للمستهلكين في المنازل ومرافق تقديم الطعام ومتاجر التجزئة، بما يعنيه ذلك من هدر للموارد المائية والأرضية والطاقية.

ويرتبط فقد الأغذية وهدرها بنحو 8 إلى 10 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة عالميا. وتؤكد هذه الأرقام أهمية الحد من الهدر من المصدر، وهو ما يتقاطع مع طرح كريس بشأن تقليص الاستهلاك غير المستدام، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة النفايات بعد تراكمها.

يتطلب توسيع إعادة الاستخدام والتدوير استثمارات في أنظمة الجمع والفرز والمعالجة، إلى جانب حملات التوعية وتطوير أسواق للمواد المعاد تدويرها. كما يطرح سؤالا بشأن توزيع كلفة التحول بين الحكومات والشركات والمستهلكين.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية ما يطرحه الخبير ذاته بشأن التنظيم البيئي وتكافؤ القواعد بين الشركات. فوجود التزامات واضحة يمكن أن يمنع تحميل المستهلك وحده مسؤولية الحد من النفايات، ويشجع المنتجين على إدماج الاعتبارات البيئية في مراحل التصميم والإنتاج والتوزيع.

ماذا يمكن أن تتعلم المدن العربية من التجربة التركية؟

بالنسبة إلى المدن العربية، لا يكمن الدرس في استنساخ المبادرة التركية كما هي، بل في استخلاص العناصر التي يمكن تكييفها مع السياقات المحلية، بدءا من تحسين الجمع والفرز، مرورا بتشجيع إعادة الاستخدام، وصولا إلى تطوير التشريعات التي تحدد مسؤولية المنتجين وتدعم التعاون بين الشركات.

ويقتضي ذلك أيضا وضع مؤشرات تسمح بتقييم النتائج بصورة شفافة منها كمية النفايات المتولدة سنويا، ونسبة ما يُستعاد منها فعليا، وحجم ما يُمنع إنتاجه من الأصل، وكلفة المعالجة، والأثر على استهلاك الموارد والانبعاثات. كما ينبغي التمييز بين الكميات التي جُمعت، وتلك التي أُعيد استخدامها أو تدويرها بالفعل، لأن هذه المؤشرات لا تعني الشيء نفسه.

وهنا تبرز أهمية المقاربة التي يطرحها كريس، القائمة على الربط بين الإنتاج والاستهلاك والتشريعات والتعاون بين الشركات، فنجاح "صفر نفايات " لا يقاس بعدد المنتجات المصنوعة من المخلفات أو باتساع نطاق الحملات التوعوية وحدهما، بل بقدرة المنظومة على تقليص النفايات من المصدر، واستعادة الموارد، وتوزيع المسؤوليات بصورة عادلة، وتحقيق نتائج بيئية يمكن التحقق منها.

وبالنسبة إلى المدن العربية، فإن الانتقال من الشعار إلى الاقتصاد الدائري يبدأ من تحويل هذه المبادئ إلى أهداف قابلة للقياس وسياسات واضحة، ومساءلة مستمرة عن النتائج.

اقرأ النسخة الكاملة