القصر
العالم العربي

من "تيك توك" للاقتراع.. كيف يقلب جيل "زد" طاولة السياسة العالمية؟

محرر العالم العربي 2 4 دقائق قراءة

لم يعد جيل "زد" مجرد جمهور يتابع السياسة من شاشة الهاتف؛ فمن شوارع الاحتجاج في أوروبا إلى صناديق الاقتراع الأمريكية، يفرض الشباب حضورا في النقاش العام، مستخدمين المنصات الرقمية للتعبئة والتنظيم ومساءلة الحكومات، ومحولين قضايا المعيشة والعمل والتعليم إلى مطالب سياسية.

وبينما التصق بهذا الجيل وصف "جيل تيك توك"، بما يحمله من إيحاءات الترفيه والاستهلاك السريع، كشفت تحركاته عن صورة أكثر تعقيدا؛ إذ باتت المنصة أداة لتنسيق الاحتجاجات وتداول المطالب، وربط القضايا المحلية بالسجالات الدولية أيضا.

أخبار مقترحة

  • الأمريكيون يصوتون لاختيار أعضاء الكونغرس في انتخابات مفصلية
  • "ندعمك يا نيويورك".. كيف حوّل ممداني رسالة فانس إلى مادة للسخرية؟

ويكتسب هذا الحضور أهمية في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي تتزامن مع نقاش بشأن قدرة الشباب على التأثير في موازين الحزبين. غير أن المعطيات المتاحة قبل الاقتراع ترسم صورة لمشاركة محتملة محدودة، تقابلها ميول تصويت واضحة.

فقد عرض أمجد أبو سيدو من غرفة أخبار الجزيرة استطلاعا أجرته جامعة هارفارد في 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وشمل أكثر من ألفي أمريكي بين 18 و29 عاما، أظهر أن 33% فقط يعتزمون التصويت، مقابل 40% قبل انتخابات التجديد النصفي عامي 2018 و2022.

وبحسب الاستطلاع، يؤيد 63% من الشباب، الذين أعلنوا نيتهم المشاركة، المرشح الديمقراطي للكونغرس، مقابل 26% للجمهوريين، فيما لا يرى سوى 9% أن الولايات المتحدة تسير في الاتجاه الصحيح. وشدد أبو سيدو على أن الأرقام تعكس النوايا لا نتائج الاقتراع.

كما وصف 63% ممن يعتزمون التصويت خيارهم بأنه تعبير عن معارضة الرئيس دونالد ترمب وسياساته، مقابل 14% قالوا إن تصويتهم يأتي تأييدا له. وتكشف المؤشرات عن مزاج احتجاجي، لكنها لا تكفي لاختزال اتجاهات الشباب السياسية.

تحولات انتخابية

ويحذر هاني عواد، الباحث الأول في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من التعامل مع تسميات مثل "جيل زد" و"جيل ألفا" بوصفها تصنيفات علمية تفسر سلوك المجتمعات؛ ويفضل وصفها بأنها "مجموعة جيلية" لا جيلا متجانسا واحدا.

ويربط عواد التحول الأبرز بأدوات العصر الرقمي، لا بالفئة العمرية وحدها؛ فوسائل التواصل غيرت أنماط التعبئة والتنظيم، ونقلت الحركات من هياكل هرمية تقودها زعامات إلى شبكات أكثر لامركزية، يتراجع فيها دور القائد والإعلام التقليدي، كما في محاكاة بعض احتجاجات فرنسا تجربة 1968.

بدوره، يحدد عبد الكريم أمينغاي، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا، 3 تجارب شكلت هذه المجموعة: النشأة مع الإنترنت والمنصات الاجتماعية، والوعي المبكر خلال الأزمة الاقتصادية العالمية عامي 2007 و2008، ثم اختبار جائحة كوفيد-19 والإغلاق.

وفي الولايات المتحدة، يشير أمينغاي إلى أن المستقلين أكثر حضورا بين الشباب مقارنة بأجيال سابقة، وأن دخول كثيرين منهم سن التصويت تزامن مع الولاية الأولى لترمب عام 2016؛ لذلك ارتبطت بدايات تجربتهم السياسية بالاستقطاب حول سياساته.

ويصف أمينغاي هذه الفئة بأنها أكثر ميلا إلى الليبرالية والتصويت للديمقراطيين، ولا سيما النساء؛ إذ تقدر نسبة الشابات المؤيدات للديمقراطيين بنحو 60%، بينما يتوزع الرجال والبيض بصورة أقرب إلى المناصفة، في حين تميل الأقليات السوداء والآسيوية للديمقراطيين.

ولا تنحصر اهتمامات الشباب في الداخل؛ إذ أشار أبو سيدو إلى أن بنيامين نتنياهو أقر، في مقابلة تلفزيونية يوم 20 أغسطس/آب 2025، بتأثر جيل "زد" سلبا تجاه إسرائيل، وبالحاجة إلى كسبه، عازيا ذلك إلى حملات منظمة لم يقدم أدلة عليها.

احتجاجات عابرة

ويضيف عواد أن الأدوات الرقمية تتيح للشباب تحدي احتكار النخب واللوبيات للخطاب داخل المؤسسات ووسائل الإعلام الأمريكية، فيما تتشكل مجموعات حول قضايا محددة لا أجندة موحدة. وفي نظام الحزبين، تظهر هوامش الاحتجاج يسارا ويمينا، ويلتقي الطرفان أحيانا في رفض احتكار النخب للمؤسسات الرسمية.

وتقدم أوروبا نماذج على انتقال الحراك من الشارع إلى السياسة، ففي صربيا، بدأت احتجاجات طلابية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 عقب انهيار سقف محطة للقطارات ومقتل 16 شخصا، قبل أن تنتقل الحركة التي يقودها الطلاب إلى المشهد الانتخابي.

ووفق الأرقام التي أوردها أبو سيدو، حصلت القائمة المدعومة من الطلاب على 53% من الأصوات، مقابل 39% للقائمة التابعة لفوتشيتش. وفي فرنسا، تعطلت الدراسة في 41 مدرسة بعد احتجاجات قادها طلاب ثانويات للمطالبة بزيادة المعلمين وتحسين ظروف التعليم.

وتتقاطع هذه التحركات مع أولويات معيشية أوسع؛ إذ أظهر استطلاع للبرلمان الأوروبي، نُشرت نتائجه في فبراير/شباط 2025، أن 40% من الشباب الأوروبي بين 16 و30 عاما يضعون مكافحة غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار في مقدمة اهتماماتهم.

ويرى عواد أن القاسم المشترك في احتجاجات أوروبية، مثل صربيا وفرنسا، هو الاعتراض على تراجع الخدمات العامة وانسحاب الدولة من المجال العام، نتيجة الخصخصة والسياسات النيوليبرالية. ويختلف ذلك عن الولايات المتحدة، حيث تتصل الأزمة بتغول اللوبيات والنخب داخل مؤسسات الحكم.

أما في العالم العربي، فيرفض أمينغاي وصف الشباب بالعزوف عن السياسة، مستحضرا احتجاجات عام 2019 التي كان أبناء هذه المجموعة في صلبها بالعراق ولبنان، فضلا عن مظاهرات المغرب عام 2025. ويربط اختلاف المسارات بإرث أوروبا النقابي والسياسي، الذي يوفر للحركات الطلابية أطرًا أكثر رسوخا واستمرارية.

اقرأ النسخة الكاملة