القصر
العالم العربي

من تكساس إلى كانساس.. كيف اخترق الديمقراطيون معاقل الجمهوريين؟

محرر العالم العربي 2 7 دقائق قراءة

حملت انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي تنافس فيها الحزبان الجمهوري والديمقراطي على جميع مقاعد مجلس النواب وجزء من مقاعد مجلس الشيوخ، بالتزامن مع انتخابات حكّام ومسؤولين محليين، انتكاسات للجمهوريين في ولايات اعتادوا الاطمئنان إلى نتائجها. وبرزت في سباقات مجلس الشيوخ أربعة اختراقات ديمقراطية في تكساس وكانساس وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية، حيث خسر مرشحون دعمهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاعد ظلّ بعضها في قبضة حزبهم لعقود.

اعلان
اعلان

فكيف تمكّن الديمقراطيون من اختراق هذه المعاقل الجمهورية وانتزاع مقاعدها في مجلس الشيوخ؟

تكاليف المعيشة تجمع الحملات

تقدّمت الأعباء الاقتصادية رسائل المرشحين الديمقراطيين الأربعة، من أسعار الغذاء والوقود إلى كلفة السكن والرعاية الصحية. وفيما ركّز كل منهم على ظروف ولايته، تكرّر التعهّد بتخفيف الضغوط اليومية عن الناخبين، إلى جانب انتقاد سياسات ترامب أو نفوذ الأثرياء في واشنطن.

ففي تكساس، ربط جيمس تالاريكو ارتفاع الأسعار بالفساد وضخ المليارديرات أموالًا طائلة في السياسة، ووجّه انتقاداته إلى اعتماد منافسه كين باكستون على كبار المتبرعين. وفي كارولاينا الشمالية، وضع روي كوبر خفض تكاليف الغذاء والرعاية الصحية والطاقة والخدمات الأساسية ورعاية الأطفال والسكن في صدارة حملته.

أما في كانساس، فدعا آدم هاميلتون إلى الحد من ارتفاع تكاليف المعيشة الناجم عن سياسات ترامب، ومنها الرسوم الجمركية وخفض المساعدات الغذائية. وفي كارولاينا الجنوبية، واجهت آني أندروز هجمات منافستها دارلين غراهام بإعادة النقاش إلى أسعار الوقود والمواد الغذائية.

وبحسب تقرير لوكالة "رويترز" عن كارولاينا الجنوبية، بقيت شعبية ترامب قريبة من أدنى مستوياتها وسط استياء الناخبين من الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الديزل وتكاليف المعيشة، ما أدخل مقاعد كانت تُعدّ راسخة للجمهوريين في دائرة المنافسة.

تكساس: خطاب اقتصادي وائتلاف يتجاوز الحزب

جاء فوز تالاريكو في ولاية منحَت ترامب انتصارًا بفارق تجاوز عشر نقاط مئوية قبل عامين، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بانتخابات مجلس الشيوخ عن تكساس منذ عام 1988، وأول سيناتور ديمقراطي يمثّلها منذ عام 1993.

وخاض عضو المجلس التشريعي للولاية، البالغ من العمر 37 عامًا، والمدرّس السابق وطالب اللاهوت المشيخي، حملة تجنبت معارك الحروب الثقافية وقلّلت من الخطاب الحزبي. وبدلًا من مهاجمة الجمهوريين عمومًا، قال للناخبين إن الانقسام الأكبر في الولايات المتحدة "ليس بين اليسار واليمين، بل بين القمة والقاع".

وساعدته مقاطع على "تيك توك" حصدت ملايين المشاهدات في إيصال رسالته، فيما أظهرت نتائج استطلاع لوكالة "أسوشيتد برس"، شمل أكثر من خمسة آلاف ناخب في سباق الولاية، اتساع قاعدة تأييده.

فقد صوّت له نحو ثلاثة أرباع الناخبين دون الثلاثين ونحو ستة من كل عشرة ناخبين من أصول لاتينية. وكانت أصوات هاتين المجموعتين قد انقسمت بالتساوي تقريبًا بين ترامب وكامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية لعام 2024. كما فاز تالاريكو بأصوات نحو ثلثي المعتدلين وغالبية المستقلين، واستقطب نحو واحد من كل عشرة جمهوريين، مقابل عدد ضئيل للغاية من الديمقراطيين صوّت لباكستون.

في المقابل، أثقلت المشكلات القانونية والشخصية والأخلاقية حملة المرشح الجمهوري. وشملت تحقيقًا اتحاديًا في قضايا فساد لم يُفضِ إلى توجيه اتهامات، وإجراءات لعزله أقرّها مجلس نواب الولاية قبل تبرئته في مجلس شيوخها، فضلًا عن مشكلات أخرى رافقت مسيرته.

وكان قادة الجمهوريين في مجلس الشيوخ قد حذّروا من أن ترشيح باكستون قد يعرّض المقعد للخطر، لكن ترامب دعمه في الانتخابات التمهيدية ضد السيناتور المخضرم جون كورنين. وبعد فوزه بالترشيح، واجه باكستون صعوبة في توحيد الحزب، فيما قال نحو ثلثي الناخبين إنه لا يمتلك الصفات الشخصية المناسبة لعضوية مجلس الشيوخ.

ولم يمنع الإنفاق الكبير خسارته. فقد تجاوز مجموع الإعلانات الانتخابية للطرفين نصف مليار دولار، وفق شركة "أد إمباكت"، واستهدف معظم هذا الإنفاق تعزيز حظوظ باكستون. وكان إيلون ماسك من أبرز داعميه ماليًا، بينما ردّد تالاريكو خلال حملته: "تكساس ليست للبيع".

وتجاوز الاختراق الديمقراطي مقعد مجلس الشيوخ، إذ أُطيح أيضًا بالحاكم الجمهوري غريغ أبوت على يد جينا هينوهوسا.

كارولاينا الشمالية: خبرة كوبر في مواجهة مرشح ترامب

في كارولاينا الشمالية، فاز روي كوبر على مايكل واتلي، الرئيس السابق للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، ليصبح أول ديمقراطي يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ عن الولاية منذ عام 2008.

ودخل كوبر، البالغ من العمر 69 عامًا، السباق بخبرة حاكم تولّى إدارة الولاية بين عامي 2017 و2025، بعدما شغل سابقًا منصب المدعي العام. وركّزت حملته على تكاليف المعيشة، وهي الرسالة التي عاد إليها أمام مؤيديه في رالي بعد إعلان توقعات فوزه.

وقال إن الانتماء إلى الطبقة الوسطى بات يبدو لكثيرين "حلمًا بعيد المنال"، بينما كان أغنى الأميركيين يراكمون ثروات "على حسابنا". وأضاف: "اليوم قلتم إن هذا يجب أن يتوقف"، متعهّدًا بحمل الرسالة إلى واشنطن.

أما واتلي، الذي اختاره ترامب شخصيًا للسباق، فتعهّد بتنفيذ أجندة الرئيس ومكافحة الهجرة غير الشرعية والتراجع عن سياسات الديمقراطيين.

وجاءت المنافسة بعد قرار السيناتور الجمهوري توم تيليس عدم الترشح لولاية ثالثة، إثر خلاف مع ترامب بشأن حزمة سياساته الداخلية. فبعد تصويت تيليس ضدها، هاجمه الرئيس وهدّد بدعم منافسين له، واصفًا إياه بأنه "كثير الكلام والتذمّر".

كارولاينا الجنوبية: ضعف المرشحة وانقسامات الجمهوريين

في كارولاينا الجنوبية، انتزعت طبيبة الأطفال آني أندروز مقعدًا في مجلس الشيوخ في ولاية فاز بها ترامب بفارق نحو 18 نقطة مئوية عام 2024، لتصبح أول ديمقراطية تفوز بمقعد عنها منذ 28 عامًا.

ولم يكن الحزبان يعتبران السباق تنافسيًا حتى الأسابيع الأخيرة. لكن نقاط ضعف دارلين غراهام، التي عُيّنت في تموز خلفًا لشقيقها الراحل ليندسي غراهام، أدخلت المقعد في دائرة المنافسة.

وضغط ترامب لتعيين غراهام، وهي موظفة سابقة في حكومة الولاية لم تتولَّ منصبًا منتخبًا، وشجّعها على الترشح لولاية كاملة. لكنها واجهت انتقادات بسبب افتقارها إلى الخبرة، وأقرّت خلال مناظرة بأنها ليست مطّلعة بما يكفي على الأمن القومي.

واستمرت الانقسامات بعد فوزها بترشيح الحزب. فقد أعلن منافسها في الانتخابات التمهيدية رالف نورمان أنه سيصوّت لها، لكن عائلته لن تفعل، ورفض المشاركة في حملتها. في المقابل، حظيت أندروز بتأييد مشترك من الحاكم الجمهوري السابق ديفيد بيزلي والحاكم الديمقراطي السابق جيم هودجز.

وتفوّقت أندروز بوضوح في جمع التبرعات والإنفاق المباشر. فبحسب "إن بي سي نيوز"، جمعت حملتها أكثر من أربعة ملايين دولار خلال الفترة الأخيرة لجمع التبرعات قبل الانتخابات، وأنفقت أكثر من 4.6 ملايين خلال أسبوعين، مقابل نحو 90 ألف دولار جمعتها حملة غراهام و65 ألفًا أنفقتها.

ومع اشتداد المنافسة، تدفقت أموال المجموعات الخارجية. وأفادت تقارير بأن مجموعات جمهورية ضخّت 27 مليون دولار للاحتفاظ بالمقعد، مقابل 24 مليونًا استثمرتها مجموعات ديمقراطية لانتزاعه.

وخلال السجالات، اتهمت غراهام منافستها بعدم الاستعداد للتصدي للديمقراطيين الاشتراكيين، فيما وصفت أندروز غراهام بأنها أداة لتمرير أجندة ترامب. وعندما وصفتها غراهام بأنها "مجنونة تمامًا"، ردّت بالسؤال عمّا إذا كانت الرغبة في وقود ومواد غذائية أرخص ضربًا من الجنون.

كانساس: خطاب جامع ينهي انتظارًا دام 94 عامًا

في كانساس، حقّق آدم هاميلتون اختراقًا في ولاية فاز فيها ترامب بفارق تجاوز 16 نقطة مئوية عام 2024، وكان يُعتقد في البداية أن مقعدها آمن للجمهوريين.

وأطاح هاميلتون بروجر مارشال المدعوم من ترامب، ليصبح أول ديمقراطي يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ عن الولاية منذ 94 عامًا.

وخاض راعي أكبر جماعة كنسية ميثودية متحدة في البلاد حملته داعيًا إلى التعاون بين الحزبين، ورفض تصويره على أنه من أقصى اليسار، واصفًا نفسه بأنه "ديمقراطي مستقل التفكير".

وفي خطاب الفوز، وضع شارة تحمل عبارة "أحبّوا بعضكم بعضًا"، وشدّد على الوحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين. وقال إن انتخابه يعني أن سكان كانساس، من الحزبين والمستقلين، يقولون إن "ما يحدث في واشنطن غير مقبول".

وحضر وضع المزارعين بقوة في السباق، مع تضررهم من ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة، الذي أسهمت الحرب في إيران جزئيًا في تأجيجه. ومع تقارب الحظوظ خلال الأسابيع الأخيرة، توجّه ترامب ونائبه جيه دي فانس إلى الولاية لدعم مارشال. وأعلن الرئيس خلال تجمع انتخابي برنامجًا بقيمة ثمانية مليارات دولار لمساعدة المزارعين على مواجهة تكاليف الديزل خلال موسم الحصاد.

أما مارشال، طبيب التوليد السابق، فواجه انتقادات بعدما أفاد تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" بأنه أقام دعاوى ضد أكثر من 700 مريض بسبب فواتير غير مدفوعة. ورفض التقرير بوصفه محاولة لتشويه سمعته، مؤكدًا اتباعه ممارسات التحصيل المعتادة.

وبذلك، نجح الديمقراطيون في انتزاع مقاعد داخل معاقل جمهورية، مستفيدين من الاستياء من تكاليف المعيشة ومشكلات منافسيهم. وجمعت انتصاراتهم في الولايات الأربع بين التركيز على القضايا الاقتصادية وحملات واجه فيها الجمهوريون صعوبات لم يكن دعم ترامب كافيًا لتجاوزها.

اقرأ النسخة الكاملة