القصر
العالم العربي

من تعز إلى اتساع المواجهة العسكرية.. تحولات عملية "فجر اليمن" وآفاقها

محرر العالم العربي 1 14 دقيقة قراءة

لم تحقق عملية "فجر اليمن" العسكرية، التي أطلقتها الحكومة اليمنية بدعم من التحالف العربي في أكتوبر 2026، النتائج التي كانت متوقعة منها، رغم حشد عشرات الآلاف من الجنود، وتوفير إسناد جوي واسع، ووضع أهداف طموحة تبدأ باستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون، ولا تنتهي إلا باستعادة العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة.

فبعد أربعة أسابيع من انطلاق العملية، لم تتغير موازين القوى بصورة جوهرية لمصلحة الحكومة، بينما تمكن الحوثيون من تحقيق تقدم ميداني في محافظتي تعز ولحج، ووسعوا نطاق هجماتهم إلى مواقع عسكرية ومرافق استراتيجية، بما فيها مطارات وموانئ ومنشآت أمنية.

أخبار مقترحة

  • الضفة الغربية وسياسات الضم الإسرائيلية.. من إدارة الصراع إلى حسمه
  • "لباب" في عددها الثاني والثلاثين تناقش تحولات البيئة الإستراتيجية في الخليج والشرق الأوسط

وتكشف هذه المفارقة عن جوهر الأزمة التي تتناولها دراسة الباحث علي الذهب، بمركز الجزيرة للدراسات بعنوان "من تعز إلى اتساع المواجهة العسكرية: تحولات عملية جر اليمن وآفاقها" إذ تبدو القوات الحكومية، رغم الدعم العسكري الذي تتلقاه، عاجزة عن تحويل التفوق الجوي إلى مكاسب برية حاسمة، في مقابل تطور القدرات القتالية للحوثيين، وقدرتهم على استغلال الاختلالات التنظيمية والقيادية لدى خصومهم.

وتكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز حدود المعارك الداخلية، لأن تقدم الحوثيين في جنوب غرب اليمن يضع مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية، في قلب المواجهة، ويفتح الباب أمام احتمالات امتداد الصراع إلى السعودية والبحر الأحمر، في ظل التنافس الإقليمي بين الرياض وطهران.

وتناقش الدراسة الأهمية الاستراتيجية لمحافظة تعز، والأهداف التي أعلنتها الحكومة عند إطلاق "فجر اليمن"، والقدرات العسكرية التي حشدتها للعملية، ثم تقارن هذه الأهداف بما تحقق على الأرض، قبل أن تستعرض المسارات المحتملة للحرب.

تعز..

المحافظة التي تعادل صنعاء في أهميتها الاستراتيجية

تنطلق الدراسة من اعتبار محافظة تعز أحد أهم مراكز الثقل الجيواستراتيجي في اليمن، إلى الحد الذي يجعلها مكافئا للعاصمة صنعاء في تأثيرها على موازين القوى السياسية والعسكرية.

ولا تنبع هذه الأهمية من موقعها الجغرافي وحده، وإنما من ثقلها السكاني، وموقعها في شبكة المواصلات الوطنية، وطبيعتها الجبلية، ودورها السياسي في مقاومة الحوثيين منذ سيطرتهم على صنعاء في سبتمبر 2014.

فقد تصدرت تعز، من خلال نخبها السياسية والعسكرية والفكرية والشعبية، مشهد الرفض السياسي والمسلح للحوثيين، واستمرت أجزاء واسعة منها تحت سيطرة القوات الحكومية والمقاومة الشعبية.

وتشير الدراسة إلى أن 12 مديرية ظلت متمسكة بالحكومة الشرعية حتى الهجوم الحوثي الأخير في سبتمبر 2026، الذي جاء عقب انكسار قوات المقاومة الوطنية في جنوب الساحل الغربي.

وتبلغ مساحة المحافظة نحو 10 آلاف كيلومتر مربع، وتتوزع إداريا على 23 مديرية، بينما يقدر عدد سكانها عام 2026 بنحو 4.1 ملايين نسمة.

ويمثل هذا الثقل السكاني أحد مصادر أهميتها السياسية والعسكرية، لكنه ليس العامل الوحيد.

وتقع مدينة تعز عند مفترق ثلاثة محاور رئيسية للمواصلات، تربطها بصنعاء شمالا، وعدن جنوبا، والحديدة غربا.

وتكتسب هذه الطرق أهمية عسكرية مباشرة، لأنها تمثل مسارات لنقل القوات والأسلحة والذخائر والإمدادات، وتتيح للأطراف المتحاربة المناورة بين الجبهات.

ويمتد الطريق الشمالي من تعز إلى صنعاء عبر الحوبان وإب وذمار، بينما يصل الطريق الجنوبي إلى عدن مرورا بالراهدة والضالع ولحج، في حين يربط الطريق الغربي تعز بالحديدة.

وقد تعرضت هذه الطرق خلال سنوات الحرب للإغلاق والقصف وزراعة الألغام، إلى جانب الأضرار الناتجة عن الأمطار وغياب الصيانة.

وأدى ذلك إلى الاعتماد على طرق بديلة، من أبرزها طريق "هيجة العبد"، الذي يربط تعز بعدن عبر مديرية المقاطرة في لحج.

وتوضح الدراسة أن السيطرة على هذه الطرق لا تعني مجرد تسهيل الحركة، وإنما تؤثر مباشرة في قدرة القوات على الصمود، واستمرار الإمدادات، وإمكان نقل المعارك من جبهة إلى أخرى.

ولهذا أصبحت الطرق نفسها أهدافا عسكرية، وأصبحت خسارتها تهديدا للمواقع التي تعتمد عليها.

الجبال التي تحمي تعز.. وتحدد مصير المعركة

تتميز محافظة تعز بتضاريس جبلية تمنح من يسيطر على مرتفعاتها قدرات واسعة على المراقبة والتحكم في الطرق والمناطق المحيطة.

ويبرز جبل صبر، الذي يصل ارتفاعه إلى نحو 3015 مترا، باعتباره أحد أهم المواقع الاستراتيجية المشرفة على المدينة.

وتقع أعلى قممه في جبل العروس، الذي يضم مرافق ووسائل عسكرية مرتبطة بالدفاع الجوي والاتصالات والرادار.

كما تحيط بمدينة تعز مرتفعات أخرى، منها جبل هان وجبل أسود وتبة الميدان، وهي مواقع شهدت اشتباكات بين القوات الحكومية والحوثيين.

وتشير الدراسة إلى أن أهمية هذه المرتفعات تتجاوز حماية المدينة، لأنها تؤثر في المعارك الدائرة على الساحل الغربي، وفي مناطق ذو باب والمخا والوازعية وموزع.

فالمناطق الجبلية تشكل عمقا بريا للساحل، ويمكن استخدامها لمراقبة التحركات العسكرية، وحماية خطوط الإمداد، وتهديد القوات المتمركزة في المناطق المنخفضة.

ولهذا فإن معركة تعز ليست معركة محلية منفصلة، بل ترتبط مباشرة بمعارك لحج والساحل الغربي وباب المندب.

وترى الدراسة أن استمرار صمود القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في تعز أدى إلى استنزاف الحوثيين، وأعاق خططهم للوصول المبكر إلى لحج وعدن.

لكن هذا الصمود لم يكن كافيا لمنع التقدم الحوثي في مناطق أخرى، خاصة مع ضعف التنسيق بين الجبهات.

"فجر اليمن".. أهداف كبيرة وحشد عسكري واسع

تعود الدراسة إلى التطورات التي سبقت إطلاق العملية العسكرية.

ففي سبتمبر 2026، تعرضت قوات المقاومة الوطنية لهزيمة أمام الحوثيين في جنوب الساحل الغربي، ما أدى إلى تغير موازين القوى في المناطق الممتدة من المخا إلى باب المندب.

وفي 11 سبتمبر، أعلنت وزارة الدفاع التابعة للحكومة اليمنية ما وصفته بـ"صندوق القتل"، الذي شمل المخا وجبل النار والطرق الرابطة بين تعز والمخا وأجزاء من الساحل.

وكان الهدف المعلن استخدام مختلف الوسائل العسكرية لاستهداف تحركات الحوثيين وقدراتهم القتالية في تلك المناطق.

ثم جاء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في 5 أكتوبر 2026، إطلاق عملية "فجر اليمن".

ولم تقتصر الأهداف المعلنة على استعادة المواقع التي خسرتها القوات الحكومية، وإنما امتدت إلى استعادة مؤسسات الدولة، وتحرير صنعاء، وإنهاء سيطرة الحوثيين، وبسط سلطة الحكومة على الأراضي اليمنية.

وبذلك وضعت القيادة السياسية والعسكرية سقفا مرتفعا للعملية، يفوق مجرد استعادة الساحل الغربي.

بحسب الأرقام التي أوردتها الدراسة، حشدت الحكومة للعملية نحو 100 ألف جندي من قوات العمالقة وقوات درع الوطن.

وأعلن وزير الدفاع الفريق طاهر العقيلي أن العملية لا تخضع لسقف زمني محدد، وأنها تتكون من ثلاث مراحل رئيسية، تتفرع كل منها إلى مرحلتين.

وتزامن ذلك مع إعلان التحالف العربي مشاركة 100 طائرة مقاتلة خلال الساعات الأولى من العملية، لتقديم الإسناد الجوي للقوات البرية، والمساهمة في حماية الملاحة البحرية عند باب المندب.

وتوضح الدراسة أن هذا الحشد العسكري عكس الرغبة في تغيير موازين القوى، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، بعد سنوات من الجمود النسبي الذي أعقب الهدنة الإنسانية المعلنة في أبريل 2022.

لكن حجم القوات والوسائل العسكرية لم يكن كافيا لتحقيق الأهداف المعلنة.

فقد كشفت الأسابيع التالية عن فجوة بين القدرات التي جرى حشدها، والنتائج التي استطاعت القوات الحكومية تحقيقها على الأرض.

الضربات الجوية..

نجاح عسكري لم يتحول إلى انتصار بري

تعتبر الدراسة أن الإسناد الجوي كان العنصر الأكثر فاعلية في عملية "فجر اليمن".

فقد نفذ طيران التحالف العربي، إلى جانب الطائرات الحكومية غير المأهولة، ضربات استهدفت مواقع وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين.

وشملت الأهداف، وفق الدراسة، مستودعات الأسلحة الاستراتيجية، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية والمجنحة، والطائرات المسيرة، والقواعد البرية والبحرية، ومراكز القيادة والسيطرة.

كما استهدفت الضربات معامل التصنيع العسكري وورش الإصلاح ومحطات الوقود ومواقع قادة ميدانيين.

وتوزعت هذه العمليات على محافظات صنعاء وصعدة وحجة وعمران والجوف والحديدة.

وترى الدراسة أن الضربات الجوية نجحت في إضعاف جانب من قدرات الحوثيين، وإلحاق خسائر بقواتهم ووسائلهم العسكرية، وتعطيل بعض خطوط الإمداد.

لكن المشكلة ظهرت في المرحلة التالية.

فالقوات البرية الحكومية لم تستطع استثمار نتائج الضربات الجوية بصورة فعالة، ولم تتمكن من تحويلها إلى تقدم واسع أو سيطرة مستقرة على مناطق استراتيجية.

وبذلك ظل التفوق الجوي منفصلا، إلى حد كبير، عن النتائج البرية.

لماذا لم تستفد القوات الحكومية؟

يربط الباحث هذا الإخفاق بمجموعة من الاختلالات التنظيمية والقيادية، إلى جانب ضعف التنسيق بين الجبهات.

فالحرب لا تحسمها الضربات الجوية وحدها، وإنما تتطلب قوات برية قادرة على التحرك السريع، واستغلال تراجع الخصم، والسيطرة على المواقع، وتأمين خطوط الإمداد.

وتشير الدراسة إلى أن القوات الحكومية لم تتمكن من تحقيق ذلك بالقدر المطلوب.

كما أن معارك تعز كانت قد بدأت في أغسطس 2026، أي قبل إطلاق "فجر اليمن"، ولذلك لا يمكن اعتبار القتال الدائر فيها نتيجة مباشرة للعملية الجديدة.

وترى الدراسة أن تعز لم تستفد من العملية بصورة ملموسة، باستثناء تأثير الضربات الجوية، بينما استمرت قوات محور تعز والمقاومة الشعبية في مواجهة الحوثيين وسط نقص الدعم وصعوبة تعويض الخسائر البشرية والعسكرية.

وتضيف أن الحوثيين أظهروا تطورا في أساليب القيادة وإدارة العمليات، ما زاد من صعوبة المواجهة بالنسبة إلى القوات الحكومية.

وتنقل الدراسة تقديرات بشأن احتمال وجود خبراء إيرانيين ومن حلفاء إيران، ودعم لوجستي ومعلوماتي من قوى خارجية، لكنها تعرض ذلك في سياق تفسير تطور الأداء الحوثي، وليس باعتباره دليلا حاسما على طبيعة هذا الدعم.

الحوثيون يتقدمون رغم العملية العسكرية

تكشف حصيلة الأسابيع الأربعة الأولى من "فجر اليمن" عن مفارقة لافتة.

فبينما كانت الحكومة تسعى إلى استعادة المناطق التي خسرتها، وفتح الطريق أمام عمليات أوسع باتجاه الحديدة وصنعاء، استطاع الحوثيون تحقيق تقدم في جنوب تعز وأجزاء من لحج.

وتشير الدراسة إلى أن الإنجازات الحكومية ظلت محدودة.

فقد نفذت قوات العمالقة هجوما في القطاع الساحلي شمال باب المندب، عبر حركة التفاف قصيرة، أدت إلى عزل القوات الحوثية الموجودة في المخا عن تلك المتمركزة في باب المندب.

كما سيطرت القوات الحكومية على مهبط صغير للطائرات في مديرية ذو باب.

أما في مأرب والجوف، فقد شهدت الجبهات تحركات محدودة، وصفتها الدراسة بأنها انتقال من الدفاع السلبي إلى مستوى من الدفاع النشط.

لكن هذه التحركات لم تؤد إلى السيطرة على مراكز إدارية مهمة، أو معسكرات رئيسية، أو طرق استراتيجية حاسمة.

وفي الجوف، اقتربت القوات الحكومية من مدينة الحزم، مركز المحافظة، عبر الجهة الجنوبية الشرقية، مع فرض سيطرة نارية نسبية على بعض خطوط إمداد الحوثيين.

ومع ذلك، لم ترق هذه التطورات إلى مستوى الأهداف التي أعلنتها الحكومة عند إطلاق العملية.

في المقابل، تمكن الحوثيون من السيطرة على مديريات في الريف الجنوبي لمحافظة تعز، وفرض مزيد من الضغوط على المدينة.

وتشير الدراسة إلى أنهم وصلوا إلى منفذها الغربي، ما أدى إلى تشديد الحصار عليها.

وعندما لم يتمكنوا من اقتحام المدينة مباشرة، اتجهوا إلى مهاجمة المواقع التي تحميها من الجهات الأخرى.

وشملت هذه الهجمات مديريات المسراخ وصبر الموادم ومشرعة وحدنان.

وكان الهدف العسكري الأبرز الوصول إلى قمة جبل العروس في جبل صبر، لما تمنحه السيطرة عليها من قدرة على مراقبة المدينة وتهديد مواقع القوات الحكومية داخلها.

وتوضح الدراسة أن السيطرة على هذه المرتفعات يمكن أن تغير طبيعة المعركة، لأنها تمنح الحوثيين أفضلية نارية على المناطق الواقعة أسفلها.

ولهذا لا تنظر الدراسة إلى المعارك حول جبل صبر باعتبارها اشتباكات محدودة، وإنما باعتبارها جزءا من محاولة تطويق تعز وإضعاف قدرتها على الصمود.

طريق "هيجة العبد".. ضربة لخطوط الإمداد

امتدت هجمات الحوثيين إلى المناطق المتاخمة لمحافظة لحج، خاصة مديرية المقاطرة.

وتشير الدراسة إلى تمكنهم من السيطرة على طريق "هيجة العبد"، الذي يمثل أحد أهم مسارات الربط بين تعز وعدن.

كما سيطروا على قلعة المقاطرة المطلة على الطريق، وهي موقع مرتفع يتجاوز ارتفاعه 2100 متر فوق سطح البحر.

وتمنح هذه المرتفعات من يسيطر عليها قدرة واسعة على مراقبة الطرق والمناطق المحيطة.

وتكمن أهمية هذا التقدم في أنه لا يهدد خطوط الإمداد إلى تعز وحدها، وإنما يفتح المجال أمام الحوثيين لمواصلة التحرك باتجاه مناطق أخرى في لحج.

وبذلك أصبحت معركة تعز مرتبطة بصورة أوثق بمعركة حماية عدن والساحل الجنوبي الغربي.

من تعز ولحج إلى عدن.. اتساع نطاق الحرب

لم تقتصر العمليات الحوثية، بحسب الدراسة، على الجبهات البرية.

فقد شن الحوثيون سلسلة من الهجمات استهدفت مطاري عدن والريان، ومقر الحكومة في عدن، ومرافق لخفر السواحل، ومراكز تدريب أمنية في شبوة وعدن.

وترى الدراسة أن هذا التوسع يكشف عن قدرة الحوثيين على التأثير في نطاق المواجهة، وعدم الاكتفاء بالدفاع عن المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

فبينما سعت الحكومة إلى فرض معركة واسعة لاستعادة الأراضي، تمكن الحوثيون من نقل التهديد إلى مواقع جديدة، بعضها بعيد عن خطوط التماس التقليدية.

ويعني ذلك أن الحرب لم تعد محصورة في السيطرة على المدن والطرق، وإنما امتدت إلى المنشآت الحيوية والمرافق الاقتصادية والموانئ والمطارات.

وتوضح الدراسة أن هذا التطور يزيد الأعباء على الحكومة وحلفائها، لأنه يفرض عليهم توزيع قدراتهم العسكرية والدفاعية على مساحات أوسع.

باب المندب.. الهدف الاستراتيجي الأخطر

تضع الدراسة مضيق باب المندب في مركز التحولات العسكرية الأخيرة.

فالمضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية الدولية، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ما يمنحه أهمية اقتصادية وأمنية تتجاوز اليمن.

وترى الدراسة أن تقدم الحوثيين في لحج يرتبط بهدف استراتيجي يتمثل في الوصول إلى منطقة رأس العارة الساحلية، بما يساعدهم على تأمين مواقعهم في جزيرة ميون والمناطق المحيطة بها.

وتقع جزيرة ميون في قلب باب المندب، ما يجعل السيطرة عليها وعلى المناطق الساحلية المقابلة ذات أهمية عسكرية كبيرة.

وتشير الدراسة إلى أن الحوثيين يسعون من خلال تقدمهم إلى تعزيز السيطرة على هذا المجال الجغرافي، وحماية مواقعهم من محاولات القوات الحكومية استعادتها.

وتعتبر أن تحقيق هذا الهدف سيمنح الحوثيين مكاسب استراتيجية، لكنه قد يحقق أيضا فوائد لإيران، في ضوء ارتباط أمن البحر الأحمر بالتنافس الإقليمي والدولي.

وتربط الدراسة هذه التطورات بالمخاوف من اتساع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وما يمكن أن يترتب على ذلك من زيادة أهمية المواقع البحرية التي يسيطر عليها الحوثيون.

هل تصبح عدن الهدف التالي؟

تطرح الدراسة احتمالين رئيسيين وراء تقدم الحوثيين جنوبا.

الاحتمال الأول هو الوصول إلى رأس العارة وتعزيز السيطرة على باب المندب، بما يؤمن مواقعهم الساحلية ويحد من قدرة القوات الحكومية على تهديدها.

أما الاحتمال الثاني، فهو التقدم نحو عدن، مع إمكانية فتح جبهات أخرى في الضالع وأبين لتسهيل هذا التحرك.

لكن الباحث يرى أن محاولة اجتياح عدن قد تكون مؤجلة، نظرا إلى الكلفة العسكرية الكبيرة التي يمكن أن يتحملها الحوثيون.

فالتقدم إلى مناطق جديدة يتطلب قوات وإمدادات وقدرات على الاحتفاظ بالأرض، كما قد يؤدي إلى إضعاف المواقع التي يسيطرون عليها في تعز ولحج ومناطق أخرى.

ومن هنا، تطرح الدراسة احتمالا آخر، يتمثل في أن يكون التوغل الحوثي في لحج وسيلة لتعزيز الموقف التفاوضي.

فقد يسعى الحوثيون إلى فرض واقع ميداني جديد، ثم استخدامه في أي مفاوضات سياسية مقبلة، بما يسمح لهم بتثبيت المكاسب التي حققوها في الساحل الغربي وتعز.

وبذلك يصبح التقدم العسكري وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، حتى إذا لم يتطور إلى هجوم شامل على عدن.

لماذا تبدو قدرات الحوثيين أكثر تطورا؟

تولي الدراسة اهتماما خاصا للتغير الذي طرأ على قدرات الحوثيين خلال السنوات الأخيرة.

وترى أن فترة الهدنة الإنسانية التي بدأت في أبريل 2022 أتاحت لهم فرصة لتعزيز قدراتهم العسكرية، وتطوير خبراتهم في استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والوسائط البحرية.

كما ساعدتهم سنوات الحرب على اكتساب خبرات في إدارة العمليات، والتكيف مع الضربات الجوية، وتطوير أساليب الهجوم والدفاع.

وتضيف الدراسة أن استيلاء الحوثيين على أسلحة ومعدات عسكرية خلال معارك سبتمبر 2026 عزز قدراتهم.

وفي المقابل، تواجه القوات الحكومية تحديات تتعلق بتعدد التشكيلات العسكرية، وضعف التنسيق، والتباين في الخبرات القيادية، فضلا عن المشكلات السياسية والاقتصادية.

وتشير الدراسة إلى أن عددا من القادة الميدانيين اكتسبوا خبراتهم خلال الحرب الحالية، دون أن تكون لديهم بالضرورة خلفيات عسكرية أكاديمية أو خبرات طويلة ومتنوعة.

وترى أن هذا الواقع يؤثر في القدرة على إدارة العمليات المركبة، خاصة عندما تتطلب تنسيقا واسعا بين القوات البرية والطيران والجبهات المختلفة.

وبذلك لا تفسر الدراسة نتائج المعارك بتفوق الحوثيين في عدد القوات أو حجم التسليح وحدهما، وإنما تربطها أيضا بكفاءة القيادة، والقدرة على المناورة، واستثمار الفرص العسكرية.

هل يتحول التقدم الحوثي إلى بداية هزيمة؟

رغم المكاسب التي حققها الحوثيون، لا تستبعد الدراسة احتمال تحول تقدمهم جنوبا إلى مصدر ضعف.

فالانتشار في مناطق واسعة قد يؤدي إلى تشتيت القوات، وإطالة خطوط الإمداد، وزيادة صعوبة الدفاع عن المواقع الجديدة.

وتطرح في هذا السياق احتمالا يتمثل في تحويل التقدم الحوثي إلى عملية استدراج عسكري، تنتهي بإضعاف قواتهم وإتاحة الفرصة أمام خصومهم لاستعادة مناطق أوسع، وربما التقدم نحو صنعاء.

لكن هذا الاحتمال يظل مشروطا بقدرة الحكومة وحلفائها على تجاوز الاختلالات التي ظهرت خلال الأسابيع الأولى من "فجر اليمن".

فنجاح أي هجوم مضاد يتطلب قيادة أكثر فاعلية، وتنسيقا أفضل بين الجبهات، وقدرة على تحويل الإسناد الجوي إلى مكاسب برية مستقرة.

ومن دون معالجة هذه المشكلات، قد يستمر الحوثيون في الاحتفاظ بالمبادرة العسكرية، أو استخدام مكاسبهم الحالية لفرض شروط أفضل في المفاوضات.

ثلاثة مسارات لمستقبل الحرب

يمكن استخلاص ثلاثة مسارات رئيسية من الاحتمالات التي تناقشها الدراسة.

المسار الأول: استمرار التقدم الحوثي.

ويقوم على نجاح الحوثيين في تعزيز مواقعهم في تعز ولحج، والوصول إلى مناطق ساحلية جديدة، بما يزيد قدرتهم على تهديد عدن وباب المندب.

وقد يؤدي هذا المسار إلى اتساع الحرب، وارتفاع المخاطر على الملاحة البحرية والمصالح الإقليمية.

المسار الثاني: هجوم حكومي مضاد.

ويفترض تمكن الحكومة وحلفائها من معالجة اختلالات القيادة والتنسيق، واستثمار الإسناد الجوي بصورة أفضل، ثم استغلال انتشار الحوثيين في مناطق واسعة لتنفيذ عمليات تستعيد بها مواقع استراتيجية.

وقد يغير هذا المسار موازين القوى إذا نجحت القوات الحكومية في تحقيق تقدم بري مستقر.

المسار الثالث: العودة إلى المفاوضات من واقع عسكري جديد.

وفيه يستخدم الحوثيون مكاسبهم في تعز والساحل الغربي ولحج لتعزيز موقفهم التفاوضي، مع احتمال التوصل إلى ترتيبات توقف القتال دون أن تعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل التصعيد.

ويعني ذلك أن نتائج المعارك قد تتحول إلى عناصر مؤثرة في أي تسوية سياسية مقبلة.

ولا تحسم الدراسة أيا من هذه المسارات، لكنها تربط مستقبل الحرب بقدرة الحكومة وحلفائها على وقف تقدم الحوثيين، وإعادة تنظيم قواتهم، وتغيير موازين القوى على الأرض.

الخلاصة..

عملية عسكرية لم تحقق أهدافها بعد

تنتهي دراسة علي الذهب إلى أن الأسابيع الأربعة الأولى من عملية "فجر اليمن" كشفت عن فجوة كبيرة بين الأهداف المعلنة والنتائج العسكرية.

فالحكومة التي أعلنت عملية لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وصولا إلى صنعاء، لم تتمكن من تحقيق تقدم بري واسع، رغم الإسناد الجوي الكبير.

وفي المقابل، واصل الحوثيون تقدمهم في تعز ولحج، ووسعوا نطاق هجماتهم، وفرضوا تهديدات جديدة على الطرق والمواقع العسكرية والمرافق الاستراتيجية.

وتشير الدراسة إلى أن صمود مدينة تعز يمثل عاملا مهما في منع الحوثيين من تحقيق اختراق أكبر، لكنه لا يلغي المخاطر الناتجة عن تقدمهم في المناطق المحيطة بها.

كما أن اقتراب المواجهات من باب المندب يرفع أهمية الحرب من صراع داخلي على السلطة والأرض إلى مواجهة تمس أمن الملاحة البحرية والمصالح الإقليمية والدولية.

وترى الدراسة أن الحكومة اليمنية تواجه اختبارا حاسما، يتمثل في قدرتها على تجاوز ضعف التنسيق والقيادة، واستثمار الدعم العسكري المتاح، وتحويله إلى نتائج ميدانية.

أما الحوثيون، فقد تمنحهم مكاسبهم الأخيرة أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات مقبلة، لكنها قد تعرضهم أيضا لمخاطر عسكرية إذا أدى توسعهم إلى تشتيت قواتهم وإضعاف دفاعاتهم.

وهكذا، فإن المفارقة التي تكشفها الدراسة تتمثل في أن العملية التي أطلقتها الحكومة اليمنية لاستعادة الدولة لم تحقق، خلال أسابيعها الأولى، التحول الذي وعدت به، بينما اتسعت المواجهة، وتقدم الحوثيون نحو مناطق تزيد السيطرة عليها من خطورة الحرب على اليمن والمنطقة.

ويبقى السؤال الذي تتركه الدراسة مفتوحا: هل تتمكن الحكومة وحلفاؤها من استعادة المبادرة وتغيير موازين القوى، أم تتحول مكاسب الحوثيين الأخيرة إلى واقع عسكري جديد يفرض شروطه على مستقبل اليمن وأمن البحر الأحمر؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الدراسة كاملة (اضغط)

اقرأ النسخة الكاملة