على مدى عقد كامل، اعتمدت صحيفة "الغارديان" البريطانية على رسالة ثابتة لإقناع جمهورها بالدعم المالي وهي أن الصحافة المستقلة تستحق التمويل لأنها تحاسب السلطة وتدافع عن حق الجمهور في المعرفة.

لكن هذه الرسالة، رغم نجاحها في جذب 1.4 مليون داعم، لم تكن بالقدر نفسه من التأثير على مشجعي كرة القدم الذين توافدوا لمتابعة كأس العالم 2026.

قصص مقترحة

  • list 1 of 2أبعد من استطلاعات الرأي.. "وول ستريت جورنال" تطور رادارا ذكيا لمراقبة النقاشات الانتخابية
  • list 2 of 2نقيب الصحفيين المصريين للجزيرة نت: الإعلام القوي لا يُدار بمنهج أمني

دفعت هذه المفارقة الصحيفة إلى إعادة صياغة خطابها التسويقي، والانتقال من مطالبة الجمهور بدعم الصحافة المستقلة إلى دعوته للاستمتاع بالتغطية الرياضية، تحت شعار "كل لحظة، كل مباراة".

وفي تقرير نشره الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار "وان إيفرا" يستعرض الصحفي جون رحيم تجربة الصحيفة، استنادا إلى عرض قدمته ليز وين، المسؤولة الرئيسية عن شؤون الداعمين في الغارديان، خلال مؤتمر "الإعلام الرقمي الأوروبي" في لندن.

خطاب مختلف لجمهور مختلف

توضح وين أن الغارديان تتابع منذ 10 سنوات دوافع القراء لتقديم الدعم المالي، وتجد أن حماية حرية الصحافة والاستقلال التحريري تتصدر باستمرار هذه الدوافع، تليها جودة المحتوى الصحفي والتحقيقات الاستقصائية.

وقد انعكست هذه الرسائل على حملات الصحيفة، وكذلك الدعوات إلى الدعم التي تظهر أسفل المقالات، ويصوغها محرر متخصص داخل غرفة الأخبار.

لكن بطولة كأس العالم كشفت حدود هذا الخطاب؛ فمشجعو كرة القدم، بحسب وين، لا يتحمسون بالضرورة للحديث عن استقلال الصحافة بقدر اهتمامهم بالتغطية الرياضية، خصوصا خلال البطولة.

لذلك أعادت الصحيفة بناء حملتها حول قيمة المحتوى الكروي نفسه، عبر 3 مراحل: التعريف بالعلامة الإعلامية، وإبراز ما يميز تغطيتها الرياضية عن المنافسين، ثم توجيه الجمهور إلى إجراء محدد.

واختلفت الأولويات بحسب الأسواق. ففي الولايات المتحدة، التي أصبحت المحرك الرئيسي لنمو إيرادات الداعمين، ركزت الحملة على تعريف الجمهور بالتغطية الرياضية للغارديان. أما في بريطانيا وأوروبا، حيث تتمتع الصحيفة بحضور رياضي معروف، فتركز الجهد على تعزيز الاهتمام وتشجيع تنزيل التطبيق.

التطبيق بدلا من طلب التبرعات

لم يكن الهدف المباشر للحملة الحصول على مساهمات مالية، وإنما توجيه المشجعين إلى تطبيق الغارديان الإخباري وبودكاست "فوتبول ويكلي".

وترى وين أن التطبيق يوفر أفضل فرصة لتحويل الزائر العابر إلى مستخدم منتظم، لأنه يشجع على اكتشاف أقسام أخرى، والاشتراك في النشرات البريدية، وتفعيل الإشعارات، وتخصيص المحتوى عبر خدمة "ماي غارديان".

كما أضافت الصحيفة لعبة كرة قدم يومية خلال البطولة، مستفيدة من الألعاب والألغاز في تعزيز الاستخدام المتكرر.

واستعانت الحملة بصناع محتوى عبر المنصات الاجتماعية للوصول إلى جماهير لا تصل إليهم الرسائل التسويقية التقليدية، وحققت بعض مقاطع الفيديو ملايين المشاهدات.

وأظهرت النتائج تصدر بودكاست "فوتبول ويكلي" قوائم البرامج الرياضية لمدة 17 يوما خلال البطولة، مع تضاعف الاستماع إليه تقريبا، ونفاد تذاكر أول عرض مباشر له في نيويورك.

كما ارتفعت تنزيلات التطبيق بصورة ملحوظة مقارنة بمستوياتها المعتادة، قبل إطلاق حملة ثانية مع بداية الدوري الإنجليزي الممتاز للمحافظة على الجمهور المكتسب.

من خسائر ضخمة إلى 1.4 مليون داعم

تأتي التجربة ضمن تحول اقتصادي أوسع بدأته الغارديان عام 2016، عندما كانت تخسر نحو 100 مليون جنيه إسترليني سنويا، وتواجه، وفق وين، احتمال نفاد مواردها خلال 5 أو 6 سنوات.

واختارت الصحيفة نموذجا يقوم على إتاحة الأخبار مجانا وطلب الدعم الطوعي من القراء، مستفيدة من ملكيتها عبر مؤسسة "سكوت ترست"، التي لا تخضع لمساهمين أو مالك فرد.

وبعد 10 سنوات، ارتفعت مساهمة إيرادات القراء الرقمية في إجمالي إيرادات المؤسسة من نحو 2% إلى 45%.

وتقوم الإستراتيجية على 3 عناصر مترابطة وهي الدافع إلى الدعم، وبناء عادة الاستخدام، وتوفير مجموعة متنوعة من المنتجات المدفوعة.

فالعلاقة العاطفية مع الصحيفة، بحسب وين، لا تكفي وحدها لضمان الاستدامة، بل تحتاج إلى سلوك متكرر يمكن قياسه بالتسجيلات والاستخدام اليومي والتفاعل مع التطبيق والنشرات البريدية.

الاشتراكات أكثر قيمة من المساهمات

طورت الغارديان محفظة تشمل التبرعات الفردية والدورية، والاشتراكات المرتبطة بالتطبيق، وخدمات القراءة دون إعلانات، وتطبيق الطهي "فيست"، إلى جانب فئة اشتراك مميزة تتيح الوصول إلى الأرشيف واستخدام حسابات متعددة.

وتشير وين إلى أن الاشتراكات تنتج ثلثي الإيرادات المرتبطة باكتساب الداعمين الجدد، وأن الاشتراك الكامل يمثل وحده 40% من القيمة الدائمة المقدرة للاكتساب.

وتبلغ قيمة الاشتراك نحو 10 أضعاف المساهمة المالية الواحدة، لكن الصحيفة تتمسك بإتاحة المساهمات الصغيرة لأنها تمثل مدخلا أوليا لبناء علاقة مالية مع الجمهور.

الصحفيون خارج حسابات الإيرادات

رغم اعتماد الغارديان المتزايد على دعم القراء، تؤكد وين أن الصحفيين لا يخضعون لأهداف مالية تتعلق بالمشاهدات أو الإعلانات أو الاشتراكات.

فقد يدفع تقرير سياسي آلاف القراء إلى المساهمة، لكن قرارهم يستند، في نظرها، إلى الثقة التي بنتها المؤسسة عبر سنوات من التغطيات السياسية والثقافية والرياضية والدولية، وليس إلى مادة واحدة أو صحفي بعينه.

وتكشف تجربة كأس العالم عن فرصة لتجاوز ما تسميه وين إرهاق الرسائل التسويقية، بعدما أصبحت التحسينات الإضافية على دعوات الدعم التقليدية محدودة رغم سنوات من الاختبارات.

فبدلا من تكرار المطالبة بتمويل الصحافة الحرة، خاطبت الغارديان جمهورا جديدا من خلال اهتماماته المباشرة.

ومع ذلك، يبقى السؤال الذي لم تقدم وين إجابة حاسمة عنه: هل سيواصل مشجعو كرة القدم استخدام منتجات الصحيفة بعد انتهاء البطولة، وهل سيتحول اهتمامهم الرياضي إلى علاقة طويلة الأمد ودعم مالي مستمر؟

وتوضح التجربة أن استدامة إيرادات القراء لا تعتمد فقط على قوة الرسالة التحريرية، بل على قدرة المؤسسة الإعلامية على فهم اختلاف دوافع جمهورها، وبناء منتجات تحول الاهتمام المؤقت إلى عادة استخدام مستمرة.