من التطبيع إلى الاختراق السياسي.. هل يُمهَّد لـ«أندلس جديدة» في المغرب؟
لم يعد مسار التطبيع المغربي-الإسرائيلي محصورا في الاتفاقيات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والأمني، بل بدأت تبرز مؤشرات تفتح نقاشا جديدا حول امتداداته داخل المجال السياسي والمؤسساتي المغربي، ما يطرح تساؤلات جدية بشأن حدود الانفتاح على إسرائيل، ومستقبل الهوية الوطنية المغربية، ومدى قدرة المجتمع على حماية استقلال خياراته السياسية.
وفي أحدث حلقات هذا المسار، كشفت وثيقة متداولة موجهة إلى وزير الداخلية المغربي أن الحسين بنمسعود تقدّم، يوم 31 أكتوبر 2026، بملف التصريح بتأسيس حزب سياسي يحمل اسم «حزب الوحدة ذو الأسس الديمقراطية والمرجعية اليهودية»، ويتخذ من الديانة اليهودية مرجعية له، مع اعتماد تسمية عبرية هي «الليكود»، وهي التسمية نفسها التي يحملها الحزب الحاكم في الكيان الصهيوني. وتستند اللجنة التأسيسية في مسعاها إلى الدستور المغربي والقانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، ولا سيما مادته السادسة، دون أن تتضمن الوثيقة ما يثبت حصول الحزب على الترخيص الرسمي.
ولا تخفي الوثيقة ارتباط المبادرة بمسار التطبيع، إذ تستحضر بلاغ الديوان الملكي الصادر في 10 ديسمبر 2020 عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ثم الإعلان الثلاثي الموقّع بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في 22 ديسمبر من السنة نفسها. كما تستشهد بزيارتي مسؤولَين إسرائيليَّين من أصول مغربية إلى المملكة: وزيرة المواصلات ميري ريغيف في 29 ماي 2023، ورئيس الكنيست أمير أوحانا في 7 جوان 2023. وتربط الوثيقة تسمية الحزب بتخليد «عيد الوحدة» الذي أُقرّ بقرار ملكي في 4 نوفمبر 2025، وتستحضر الخطاب الملكي الصادر في 30 مارس 2019 بشأن مكانة الملك أميرا للمؤمنين وقيم التعايش بين أتباع الديانات، معلنةً ولاء الحزب للملك محمد السادس وارتباطه بمؤسسة إمارة المؤمنين وتشبثه بما سماه «الوحدة الترابية للمملكة».
وتقول اللجنة التأسيسية إن مشروعها يهدف إلى تعزيز الوحدة بين المواطنين المغاربة، وتقوية دور أبناء المغرب وأحفادهم في الخارج، مع اهتمام خاص باليهود من أصول مغربية، وتعزيز الروابط الخارجية.
لكن ما يمنح هذه المبادرة أبعادا سياسية تتجاوز إعلان تأسيس حزب جديد هو طبيعة الإحالة الواردة في تسميته، وما تثيره من تساؤلات حول العلاقة بين المرجعية الدينية المعلنة والمرجعيات السياسية الإسرائيلية، خصوصا أن اسم الليكود يرتبط بحزب إسرائيلي معروف بمواقفه السياسية تجاه الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.
من العلاقات الدبلوماسية إلى التأثير داخل المؤسسات
منذ استئناف العلاقات المغربية-الإسرائيلية في ديسمبر 2020، دخلت هذه العلاقات مرحلة جديدة شملت مجالات متعددة، من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي إلى التنسيق الأمني والعسكري. وقد رافق هذا المسار جدل واسع داخل المغرب، إذ واجهت خطوات التطبيع انتقادات من قوى سياسية ومدنية وقطاعات شعبية تتمسك بموقف رافض للعلاقات مع الكيان الصهيوني في ظل استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية.
واليوم، تفتح مبادرة تأسيس حزب بمرجعية يهودية نقاشا مختلفا، يتعلق بإمكانية انتقال آثار التطبيع من المجال الخارجي إلى المجال السياسي الداخلي. فالمسألة لم تعد مقتصرة على طبيعة الاتفاقيات التي تبرمها الحكومات، بل أصبحت تطرح تساؤلات حول المرجعيات التي تدخل إلى الحياة الحزبية، والخيارات التي قد تؤثر في النقاش العام، وحدود التداخل بين الانتماءات الوطنية والارتباطات السياسية العابرة للحدود.
ولا يتعلق الأمر بمجرد إعلان عن تأسيس حزب جديد، بل بخطوة تكشف امتداد الاختراق الإسرائيلي إلى الحياة السياسية والمؤسسات المغربية، وتضع الرأي العام أمام ضرورة مساءلة المشروع بشأن برنامجه ومرجعياته ومواقفه من القضايا الإقليمية، ومدى استقلال قراره السياسي.
التطبيع.. من اتفاق سياسي إلى اختبار للهوية والسيادة
تكمن حساسية هذه التطورات في السياق الذي تأتي فيه. فالمغرب بلد متنوع اجتماعيا وثقافيا، وفيه مكوّن يهودي مغربي أسهم في تاريخه. غير أن توظيف هذا الإرث في مشروع حزبي يستحضر تسمية مرتبطة بحزب سياسي إسرائيلي يطرح أسئلة مختلفة تماما عن مسألة التنوع الديني والتعايش داخل المجتمع المغربي.
فالتمييز ضروري بين الحقوق السياسية للمواطنين المغاربة، بصرف النظر عن دياناتهم، وطبيعة المشاريع السياسية والمرجعيات التي تتبناها التنظيمات الحزبية. كما أن احترام التعدد الديني لا يلغي حق المجتمع في مناقشة أي ارتباطات سياسية خارجية، ولا يعفي أصحاب المبادرات من تقديم توضيحات بشأن برامجهم ومواقفهم.
ومن هذا المنطلق، فإن الخشية التي يثيرها منتقدو التطبيع تتمثل في أن يتحول الانفتاح الدبلوماسي تدريجيا إلى مسار أوسع من الحضور والتأثير داخل المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، بما يطرح إشكالية استقلال القرار الوطني وحدود النفوذ الخارجي.
«أندلس جديدة».. تحذير من مسار يستحق المساءلة
في ظل هذه المستجدات، يبرز تعبير «أندلس جديدة» بوصفه تحذيرا رمزيا من مخاطر التآكل التدريجي للخصوصية الوطنية تحت تأثير تحولات سياسية وثقافية متراكمة. وهو استحضار لذاكرة تاريخية عميقة، خاصة مع التطابق بين الوقائع التاريخية والواقع المغربي الراهن، كقضايا نزع الملكيات العقارية من أصحابها وإعطائها ليهود عائدين من الخارج بأحكام قضائية جائرة، وفق ما نقلته وسائل إعلام مغربية.
فالأوطان لا تفقد استقلال خياراتها السياسية بقرار واحد بالضرورة، وإنما قد تواجه تحولات متراكمة تجعل النقاش حول الهوية والسيادة والمرجعيات أمرا أكثر إلحاحا. ولذلك فإن أهمية هذه المبادرة تكمن في تهديدها لمستقبل الشعب المغربي، وفرض خيارات جديدة عليه لا يستطيع مواجهتها في ظل التعتيم والتجهيل الممنهجين والدعاية المخزنية.
السؤال الذي يواجه المغرب اليوم
تكتسب هذه التطورات أهمية إقليمية بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على التوازنات المغاربية، وعلى مستقبل المواقف السياسية من القضية الفلسطينية، وعلى طبيعة العلاقات بين دول المنطقة في ظل التحولات المتسارعة.
ويبقى السؤال الأهم أمام الرأي العام المغربي: هل سيظل التطبيع محصورا في إطار العلاقات الرسمية بين الدول، أم أن مساره يتجه نحو حضور أوسع داخل المجال السياسي والاجتماعي والمؤسساتي؟
إن الإعلان عن مبادرة تأسيس حزب يكفي لإثبات وجود مشروع اختراق خارجي، ويفتح نقاشا مشروعا حول طبيعة هذا التوجه وحدوده وتداعياته المحتملة. فحق المغاربة في معرفة حقيقة المشاريع السياسية المطروحة باسمهم، ومناقشة مرجعياتها ومواقفها من قضايا السيادة وفلسطين، يظل جزءا أساسيا من حقهم في تحديد مستقبل بلدهم.
فحين ينتقل التطبيع من طاولة الاتفاقيات الدبلوماسية إلى عتبة المجال السياسي الداخلي، يصبح السؤال أكبر من مجرد علاقات بين دولتين. إنه سؤال حول حدود التأثير الخارجي، ومستقبل الهوية الوطنية، واستقلال القرار السياسي.