مغامرة بيونغ يانغ القادمة.. خطة كيم لعبور الحدود الأكثر تحصينا في العالم
عام 2024، تواترت التقارير من جبهات القتال الأوكرانية عن وصول قوات كورية شمالية إلى روسيا، في تطور درامي حفزه اتفاق الدفاع المشترك المُبرم بين البلدين في العام نفسه. كانت موسكو آنذاك تواجه ضغوطا عسكرية متزايدة؛ إذ سعت إلى صد الهجوم الأوكراني على مقاطعة كورسك مع تكثيف حملتها الهجومية في دونيتسك شرقي أوكرانيا.
كانت موسكو قد تكبدت خلال القتال خسائر بشرية كبيرة، قُدّرت بنحو 80 ألف جندي بين قتيل وجريح، بمعدل تجاوز 1200 جندي يوميا وفق بعض التقديرات، وهو استنزاف يصعب على أي جيش تحمله طويلا. ومع امتداد المعارك لأشهر، ازدادت حاجة روسيا إلى تعزيزات وذخائر إضافية، فاستجاب الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون لنداء "صديقه الأعز" الرئيس فلاديمير بوتين، مرسلا تعزيزات عسكرية وإمدادات من القذائف والصواريخ، قدرتها بعض المصادر بالملايين.
أخبار مقترحة
- تحالف الصفقات المحرمة.. لماذا تراهن بانيا لوكا على إسرائيل؟
- اسمي "عبد الرحمن محمد السيد".. الرجل الذي هزم ترمب مرتين
أسهم هذا الدعم العسكري في تلبية جانب كبير من احتياجات الجيش الروسي من الذخائر؛ إذ أفادت الاستخبارات الأوكرانية بأن كوريا الشمالية توفر ما بين 35 و50% من احتياجات روسيا من قذائف المدفعية عيارَي 122 و152 ملم. كما زودت موسكو بمئات القطع المدفعية وأنظمة الأسلحة، إلى جانب الصواريخ الباليستية. وأتاح هذا التعاون لبيونغ يانغ فرصة لاختبار أسلحتها وتحسينها في ظروف القتال الفعلية، وفقا للاستخبارات الأوكرانية. وبالتوازي مع هذا، نشرت بيونغ يانغ نحو 14 ألف جندي في مقاطعة كورسك الروسية للمشاركة في القتال إلى جانب القوات الروسية. تكبدت هذه القوات خسائر بشرية كبيرة، قدرت بألفين إلى 6 آلاف قتيل في بعض التقديرات.
"أفادت الاستخبارات الأوكرانية بأن كوريا الشمالية توفر ما بين 35 و50% من احتياجات روسيا من قذائف المدفعية عيارَي 122 و152 ملم"
لكن كوريا الشمالية لم تكن لتتحمل كلفة هذا القتال الشاق من دون أن تسعى إلى جني مكاسب عسكرية منه، وفي مقدمتها صقل الخبرات القتالية لجنودها، أملا في الاستفادة منها في شبه الجزيرة الكورية. ويقول المحلل الأمني والباحث في العلاقات بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية، أنطون بونومارينكو، إن بإمكان بيونغ يانغ الآن الاستفادة من الخبرة القتالية التي اكتسبتها أثناء مؤازرتها لروسيا في الحرب الأوكرانية، وذلك عبر تجهيز وحدات العمليات الخاصة لعصر جديد من الحرب غير المتكافئة مع الجارة الجنوبية.
أثارت هذه الرؤية تساؤلات جوهرية حول إمكانية تطبيق تجربة بيونغ يانغ في كورسك فعليا في شبه الجزيرة الكورية. وإن صح ذلك، فكيف سيخوض البلد المنعزل حربه القادمة ضد الجنوب؟
من كورسك إلى المنطقة منزوعة السلاح
في فبراير/شباط الماضي، زار الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون موقع نصب تذكاري لجنود بلاده القتلى في الحرب الأوكرانية، وصرح بأن هؤلاء الجنود قاتلوا إلى جانب الروس بشجاعة لا مثيل لها، وقال: "إن الشجاعة والبطولة التي أظهرها جنود الجيش الشعبي الكوري في العمليات العسكرية الخارجية، يجب أن تخلد في التاريخ كرمز للقوة التي لا تقهر".
يصف المحللون العسكريون الجنود الكوريين الشماليين بأنهم شجعان إلى أقصى حد، على استعداد للتضحية بأرواحهم من أجل بلادهم، فيقول الصحفي في موقع الجزيرة الإنجليزي أليكس غاتوبولوس: "لا إنكار لصلابة الجندي الكوري الشمالي، لكن قوات هذا البلد لم تخض تجربة قتال حقيقية بالوسائل والأسلحة الحديثة للقرن الحادي والعشرين". وهو محق، فقد خاض جنود بيونغ يانغ معاركهم الأولى في كورسك بطرق بدائية، مستخدمين إستراتيجيات عسكرية (عفا عليها الزمن) تعود لحربهم مع كوريا الجنوبية في خمسينيات القرن الماضي، غير أن الوضع لم يبق على حاله، فقد أثبتت القوات الكورية الشمالية قدرتها على التعلم السريع واكتساب الخبرات القتالية الحديثة في وقت قياسي.
"كانت معارك كورسك بمثابة مختبر قتالي مكن الكوريين الشماليين من الاطلاع على ساحات القتال الحديثة ذات البنية التكنولوجية المتطورة"
أرسل كيم جونغ أون مجموعة من نخبة قوات العمليات الخاصة إلى كورسك، الفيلق الحادي عشر من قوات الجيش الشعبي الكوري الملقب بـ"العاصفة"، فكانت معارك كورسك بمثابة مختبر قتالي مكنهم من الاطلاع على ساحات القتال الحديثة ذات البنية التكنولوجية المتطورة. وكتب عنهم في سبتمبر/أيلول الفائت، كوينتين سومرفيل، مراسل بي بي سي في العاصمة الكورية الجنوبية سيول: "فيلق نخبة من جنود الأشباح، اختاروا الانتحار على الاستسلام، قاتلوا وماتوا بالآلاف، ومن ثم اختفوا في لمح البصر عن ساحة المعركة".
لكن الجنود الكوريين الشماليين لم يختفوا، وفقا ليانغ أوك، الباحث في مركز السياسة الخارجية والأمن القومي التابع لمعهد آسان للدراسات السياسية في سيول، فقد غيروا فحسب مواقعهم؛ إذ تشير تقديرات وزارة الدفاع الأوكرانية إلى وجود نحو 8500 جندي كوري شمالي مكلفين بحماية حدود روسيا الاتحادية بمقاطعة كورسك تحسبا لأي هجوم أوكراني مضاد. وقبل أسابيع، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من استعداد روسيا لنشر 50 ألفا من قوات الجيش الشعبي الكوري، داعيا كوريا الجنوبية لأن تحذو حذو جارتها على أن تقدم دعمها الجوي لبلاده.
اكتسبت القوات الكورية الشمالية خبرة قتالية بالمشاركة في حرب ضد قوات أوكرانية مدربة تدريبا عاليا على المعدات العسكرية الغربية، كما اختبروا في ميادين القتال مخاطر الطائرات المسيرة، واشتبكوا مع أنظمة الاستشعار وتقنيات المراقبة الحديثة، ما أتاح لهم مواجهة عدو متفوق تقنيا. يقول عن ذلك يانغ أوك: "أصبح الكوريون الشماليون يعرفون الآن ماهية القتال الحديث"، فرغم إراقة الدماء تمثل هذه المغامرة -بحسبه- نموذجا ناجحا لتعاون عسكري أعمق بين موسكو وبيونغ يانغ، ونقلة اقتصادية وعسكرية للبلد المعزول والفقير.
"مثلت الحرب الأوكرانية فرصة ذهبية لكوريا الشمالية لاختبار جودة أسلحتها"
إلى جانب ذلك، مثلت الحرب الأوكرانية فرصة ذهبية لكوريا الشمالية لاختبار جودة أسلحتها، وعلى رأسها الصواريخ الباليستية التي عانت نماذجها في بداية الحرب من هامش خطأ كبير وصل إلى 1500 متر في بعض الأحيان، فضلا عن عدم قدرتها على تجاوز الدفاعات الأوكرانية، حتى إن 80% منها أخطأت إصابة أهدافها. دفعت هذه الاختبارات الحية كوريا الشمالية لإجراء تطوير كبير بدعم روسي، قلّص هامش الخطأ إلى أقل من 5 أمتار وزاد مقاومة الصواريخ للتشويش الإلكتروني، في تطور ضاعف قدراتها القتالية. ليس هذا فحسب، بل أمرت بيونغ يانغ باستبدال نحو 3000 من جنودها وإعادتهم من روسيا، ثم وزعتهم على القواعد العسكرية لنشر خبراتهم الجديدة بين زملائهم. ومن كورسك بدأت ترسم أولى ملامح الخطة الكورية الشمالية الجديدة لاختراق محتمل للحدود الجنوبية.
هل تصلح "تجربة كورسك" في شبه الجزيرة الكورية؟
لا شك أن جغرافيا كورسك تختلف كثيرا عن المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين؛ فالمدينة الروسية، التي تبعد عن العاصمة موسكو نحو 520 كيلومترا، تقع ضمن منطقة تتسم بهضاب متموجة تتخللها مجموعة من الوديان الواسعة والضحلة، ويمر بها نهر سيم. أما المنطقة منزوعة السلاح (DMZ)، والمعروفة بكونها آخر جبهات الحرب الباردة، فهي حزام عازل يمتد على طول 250 كيلومترا، ويبلغ عرضه قرابة 4 كيلومترات، ويفصل كوريا الشمالية عن جارتها الجنوبية.
أقيمت المنطقة منزوعة السلاح في المواقع التي توقفت عندها الحرب الكورية عام 1953، ويبعد الحزام عن العاصمة الكورية الجنوبية سيول نحو 60 كيلومترا، وعن العاصمة بيونغ يانغ نحو 210 كيلومترات. وأقام الطرفان الأسوار ومدا الأسلاك الشائكة، كما كثفا زرع الألغام الأرضية، التي تجاوز عددها مئات الآلاف على الجانب الجنوبي وحده، فضلا عن نشر الأسلحة ونصب أفخاخ للدبابات، حتى خلا الموقع من النشاط البشري تقريبا. ونظرا إلى امتداد المنطقة من الساحل إلى الساحل عبر شبه الجزيرة الكورية، تتباين تضاريسها بين التلال المنخفضة والسهول غربا، والمرتفعات الجبلية الشاهقة شديدة الانحدار شرقا، وتكتسب المنطقة أهميتها من كونها مسرحا مرجحا للحرب القادمة بين الكوريتين.
"سجل مشروع بيوند باراليل أكثر من 460 استفزازا كوريا شماليا بحق الجنوب شملت التجارب الصاروخية والنووية، وحوادث اختطاف الطائرات وتبادل إطلاق النار، وحوادث التسلل والتوغلات"
وبغض النظر عن الاختلافات بين الساحتين، فإن قوات العمليات الخاصة الكورية الشمالية معتادة على تضاريس بلادها، وتعرف ثغرات المنطقة منزوعة السلاح عن ظهر قلب، كما تتمتع بتدريب عال على مهارات التسلل، واعتادت تاريخيا استغلال الأنفاق الأرضية والهجمات البرمائية في عملياتها السرية. وفي هذا السياق، أعد فريق مشروع "بيوند باراليل"، التابع لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، قاعدة بيانات توثق "الاستفزازات" الكورية الشمالية منذ عام 1958 وحتى عام 2025، مسجلا أكثر من 460 حالة شملت التجارب الصاروخية والنووية، وحوادث اختطاف الطائرات والقصف وتبادل إطلاق النار، فضلا عن حوادث التسلل والتوغلات داخل كوريا الجنوبية.
وفي ظل تصاعد التوترات في شبه الجزيرة الكورية، تبدو الظروف مواتية أمام بيونغ يانغ للاضطلاع بعمليات سرية جديدة، بحسب المحلل الأمني أنطون بونومارينكو. ففي 12 سبتمبر/أيلول، رصدت هيئة أركان الجيش الكوري الجنوبي إطلاق صواريخ باليستية قصيرة المدى بالقرب من منطقة ونسان الساحلية شرقي كوريا الشمالية، قطع كل منها مسافة 250 كيلومترا، مما يرجح أن هذه الأسلحة مصممة لضرب أهداف في كوريا الجنوبية. وكانت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية (KCNA) قد أعلنت إجراء تدريب مشترك بالذخيرة الحية، استُخدمت فيه الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة، وقالت إن التدريب أظهر "قوة تدميرية هائلة"، وإنه يهدف إلى التدرب على إجراءات تشغيل النظام المدمج للتحكم في القوة النارية.
وعلى الرغم من أن المناورة لم تشكل تهديدا مباشرا للمنطقة، فإنها أثارت ردود فعل واسعة في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة لسببين. أولهما طبيعة المناورة، التي أظهرت قدرة كوريا الشمالية على دمج 4 أنواع من الأسلحة ضمن رشقة نارية مشتركة. ورغم أن هذا التكتيك ليس جديدا في العقيدة القتالية الكورية الشمالية، فإن تنوع الأسلحة المستخدمة، بين رشقات المدفعية وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية التكتيكية والطائرات المسيّرة، إلى جانب التطورات الملحوظة التي طرأت على هذه الأنظمة، استدعى متابعة دقيقة. فالجمع بين أسلحة متنوعة تختلف في نطاقاتها وسرعاتها ومسارات طيرانها ضمن رشقة نارية واحدة يزيد من صعوبة كشف الأهداف ورصدها واعتراضها بواسطة الأنظمة الدفاعية.
أما السبب الآخر، فهو توقيت التدريب، الذي أُجري بعد يوم واحد فقط من انتهاء مناورات "فريدوم إيدج"، وهي تدريبات عسكرية ثلاثية مشتركة تجريها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان سنويا، وتستمر عادة خمسة أيام. وجعل هذا التوقيت من التدريب الكوري الشمالي بمثابة رد لحظي، وفرصة لبيونغ يانغ لاستعراض إمكاناتها العسكرية وقدرتها على شن هجمات تستهدف مواقع متعددة في وقت واحد.
ووفق تقرير نشره موقع "38 نورث" في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، شيدت كوريا الشمالية الأسوار وزرعت الألغام الأرضية على طول حدودها الجنوبية. وفي أغسطس/آب الماضي، أعربت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية عن قلقها البالغ إزاء نشر كوريا الشمالية راجمة الصواريخ الضخمة من طراز "كيه إن-25" (KN-25)، عيار 600 ملم، على حدودها. وفي 22 سبتمبر/أيلول، أجرت بيونغ يانغ اختبارا لأنظمة إطلاق صواريخ متعددة عيار 240 ملم، وهي أنظمة موجهة ومحسّنة يتراوح مداها بين 100 و115 كيلومترا. وبحسب مسؤولين عسكريين، تعكس هذه التطورات تحولا جوهريا في جاهزية القوة النارية، سواء في المدفعية أو الضربات بعيدة المدى، بما يعزز ثقة بيونغ يانغ بقدراتها العسكرية ويدعم وجودها على طول خط الحدود.
"شيدت كوريا الشمالية الأسوار وزرعت الألغام الأرضية على طول حدودها الجنوبية"
وفي هذا السياق، ركزت الدراسات والتحليلات العسكرية على سيناريوهين محتملين للمواجهة بين الكوريتين. يتمثل الأول في احتمال نشوب حرب شاملة، تشمل ضربات جوية وصاروخية، وعمليات إنزال بري، واختراقا مدرعا للحدود الجنوبية عبر المنطقة منزوعة السلاح. أما الثاني، فيتمثل في عمليات محدودة تتسم بالسرية، تضطلع بها قوات العمليات الخاصة الكورية الشمالية بهدف التخريب أو اغتيال شخصيات عامة.
خطة التسلل
انتهت الحرب الكورية عام 1953 بهدنة طويلة الأمد، من دون التوصل إلى معاهدة سلام، لتبقى الكوريتان الشمالية والجنوبية في حالة من "اللاحرب واللاسلم". وعلى الرغم من غياب الصراع المسلح الشامل عن المشهد، فإن الدولتين ظلتا طوال العقود الماضية تستعدان لجولة ثانية من الحرب.
يخطط الكوريون الشماليون لشن هجوم سريع ومباغت وخاطف، لا يتيح للقوات الجنوبية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها والدفاع عن الحدود، بهدف تحقيق نصر سريع قبل وصول التعزيزات الأمريكية إلى ساحة العمليات. وذلك وفقا للخطة التي نشرها معهد الحرب الحديثة عام 2017، والتي توقعت اندلاع قتال شرس في شبه الجزيرة الكورية، قد ينتهي بانتصار القوات الجنوبية وحلفائها الأمريكيين، ما لم تتدخل الصين في اللحظة الحاسمة لمنع سقوط النظام في كوريا الشمالية. وفي حال دخول قوات جيش التحرير الصيني على خط المواجهة، فقد ينتهي الأمر بمعركة غير محسومة بين الجانبين، تشبه نتائجها إلى حد بعيد ما آلت إليه الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي.
وفي إطار هذه الخطة، قد تلجأ بيونغ يانغ إلى توظيف قدراتها الاستخباراتية والعملياتية لإخفاء استعداداتها العسكرية للهجوم وتأخير الرد المضاد من سيول. ولأن كوريا الشمالية اعتادت استعراض قوتها العسكرية عبر المناورات ومحاكاة الهجمات وتجارب إطلاق الصواريخ، فقد تخطئ أجهزة الاستخبارات الأمريكية والكورية الجنوبية في قراءة المشهد، وتعتبره مجرد استعراض عسكري. وهذه نقطة تصب في صالح بيونغ يانغ، إذ تتيح لها المناورة وإخفاء مدى جاهزيتها الفعلية حتى ساعة الصفر.
أما خطة الردع في سيول، فقد استندت طوال عقود إلى افتراض أساسي مفاده أن الولايات المتحدة ستُرسل تعزيزاتها على وجه السرعة في حال نشوب حرب مباغتة، فيما تؤدي اليابان دورا رئيسيا في الدعم والإسناد، وفقا لخطة العمليات (5055)، التي تندرج ضمن التخطيط العملياتي المشترك بين الولايات المتحدة واليابان للتعامل مع حالات الطوارئ العسكرية المحتملة، بما يشمل "الدفاع عن كوريا الجنوبية وتايوان". لكن هل هذه الخطة محكمة بما يكفي لصد هجوم كوري شمالي على سيول؟
"قد تضطر كوريا الجنوبية في نهاية المطاف إلى تولي الدور الأكبر في الدفاع عن نفسها"
في الواقع، قد تضطر كوريا الجنوبية في نهاية المطاف إلى تولي الدور الأكبر في الدفاع عن نفسها؛ إذ تثير سيناريوهات محتملة شكوكا بشأن إمكانية تنفيذ الخطة (5055) على النحو المأمول. فوفق ما نشره موقع "38 نورث" في أبريل/نيسان 2026، لم تأخذ الخطة في الحسبان احتمال غزو الصين لتايوان بالتزامن مع اندلاع حرب في شبه الجزيرة الكورية، ناهيك عن احتمال اتساع نطاق الحرب الروسية الأوكرانية في أوروبا، وهو ما قد يلقي بعبء غير مسبوق على القوات الأمريكية المتاحة. وفي مثل هذه الظروف، قد تتأخر التعزيزات الأمريكية، وربما يعاد نشر القوات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لينصب تركيزها على الصراع المحتدم مع الصين في مضيق تايوان. وفي الوقت نفسه، قد تتعرض القدرات الدفاعية اليابانية للاستنزاف على جبهتين مشتعِلتين، ما يجعل تنفيذ الخطة العسكرية الأمريكية صعبا بل شبه مستحيل.
وقد يدفع هذا السيناريو بيونغ يانغ إلى شن هجوم مركب يستهدف السيطرة على العاصمة الكورية الجنوبية، يبدأ بضربات صاروخية وإنزال جوي، بالتزامن مع عمليات تسلل عبر الأنفاق تحت الأرض وتقدم القوات المدرعة لاختراق المنطقة منزوعة السلاح باتجاه الجنوب.
وعلى الرغم من أن سيول تحتفظ بقوات احتياطية مدربة على مكافحة التسلل، وتستثمر بكثافة في الأنظمة التقنية لمراقبة الحدود، فإن أولويتها في المرحلة المبكرة من الحرب قد تنحصر في الصمود والبقاء إلى حين وصول التعزيزات الأمريكية. وفي هذه الأثناء، قد تطبق بيونغ يانغ دروسا مستفادة من مشاركتها في الحرب الأوكرانية، باتباع نهج عملياتي أكثر مرونة وتنسيقا، يعتمد على الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة لاستنزاف أنظمة الدفاع الجوي الكورية الجنوبية، وعلى العمليات الموزعة والتشكيلات العسكرية الصغيرة لتفادي الضربات الدقيقة.
عصر جديد من العمليات السرية
في 17 سبتمبر/أيلول 1996، جنحت غواصة كورية شمالية من طراز "سانغ-أو" (Sang-O) قبالة الساحل الجنوبي لكوريا الجنوبية، بالقرب من مدينة كانغنونغ، وعلى متنها فريق استطلاع أُرسل لتنفيذ مجموعة من المهام السرية، أبرزها جمع المعلومات، واستطلاع المنشآت العسكرية الكورية الجنوبية، والتقاط صور لبعض المطارات.
ويذكر مقال كتبه قائد القوات البحرية الأمريكية المتقاعد توماس ج. بيلكي، أن المهمة شملت أيضا الاستعداد لتنفيذ عمليات اغتيال تستهدف شخصيات عامة خلال دورة الألعاب الرياضية الوطنية في كوريا الجنوبية، المقرر إقامتها في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وبحسب المصدر، كُلّف الفريق بإنشاء مخابئ للأسلحة لاستخدامها في عمليات خاصة مستقبلية، على أن تُنفذ هذه المهام بسرية تامة، من دون أن يُكتشف وجود أفراده داخل البلاد.
لكن الحظ لم يحالف الكوريين الشماليين؛ فما إن وصلت الغواصة قبالة سواحل كانغنونغ يوم 15 سبتمبر/أيلول، حتى انطلق فريق الاستطلاع المكون من ثلاثة أفراد، متنكرين بالزي المموه للقوات الكورية الجنوبية. وبعد مرور يومين، كان على الغواصة "سانغ-أو" الاقتراب من الشاطئ لاستقبالهم بعد أداء المهمة، إلا أنها اصطدمت بصخرة أدت إلى جنوحها. وحينذاك، رصد مدني كوري جنوبي الغواصة الجانحة وأبلغ السلطات، فافتضح أمر المهمة السرية بأكملها، ما أسفر عن أيام من القتال بالأسلحة الخفيفة، قُتل خلالها أغلب أفراد الطاقم والمتسللين.
ولم تقتصر تداعيات الحادث على المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى المسار الدبلوماسي؛ إذ أسهم في تعطيل التقدم في مبادرة "المحادثات الرباعية" التي أطلقها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ونظيره الكوري الجنوبي كيم يونغ سام في أبريل/نيسان من العام نفسه، بمشاركة الولايات المتحدة والكوريتين والصين، بهدف التوصل إلى معاهدة سلام دائمة تحل محل هدنة الحرب الكورية. وفي ديسمبر/كانون الأول 1996، أعربت بيونغ يانغ عن "أسفها العميق" للحادث، في خطوة رحب بها كلينتون وأعرب عن أمله في أن تساعد على دفع محادثات السلام قدما. وبعد قبول كوريا الشمالية المشاركة في المبادرة عام 1997، انطلقت المحادثات الرسمية في جنيف في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه. غير أنها لم تنجح، رغم 6 جولات امتدت حتى عام 1999، في التوصل إلى اتفاق سلام.
وعلى الرغم من فشل مهمة "سانغ-أو" في تسعينيات القرن الماضي، فإن بيونغ يانغ لم تتخل تماما عن هذا النهج على الأرجح، إذ تكشف تجاربها في كورسك عن طموحات لتهيئة قوات العمليات الخاصة لمواكبة البيئة العملياتية المتطورة تقنيا، والاستعداد لمرحلة جديدة من المهام السرية.
فكما أظهرت حادثة "سانغ-أو"، لجأت كوريا الشمالية تاريخيا إلى إرسال فرق صغيرة خفيفة التسليح قليلة العدد، للتسلل عبر الحدود البرية أو البحرية. ويتلقى هؤلاء الجنود تدريبا على تكتيكات حرب العصابات، وهي أحد أبرز أشكال الحرب غير المتكافئة، التي تستغل التضاريس الطبيعية والمناطق الحضرية في عمليات الكر والفر ونصب الكمائن، ويلجأ إليها الطرف الأضعف غالبا لتعويض تفوق خصمه. لكن تجربة "كورسك" أضافت بعدا جديدا إلى هذه القدرات، إذ أتاحت للقوات الكورية الشمالية اكتساب خبرات قتالية حديثة يمكن توظيفها في شبه الجزيرة الكورية، شريطة تكييفها مع طبيعة مسرح العمليات هناك.
وتكشف المعارك التي خاضها جنود بيونغ يانغ إلى جانب القوات الروسية لاستعادة السيطرة على مدينة سودجا في مقاطعة كورسك، بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ومارس/آذار 2025، أن عناصر اللواءين 92 و94 للقوات الخاصة تلقوا تدريبا جيدا، وامتلكوا معدات تساعدهم على التسلل واختراق التحصينات الأوكرانية. كما استخدموا أساليب تمويه متقدمة، من بينها الأغطية الحرارية، التي ساعدتهم على تقليل بصمتهم الحرارية والحد من فرص رصدهم بواسطة أجهزة الرؤية الحرارية وطائرات الاستطلاع المسيرة.
وتشير هذه الملاحظات إلى امتلاك القوات الكورية الشمالية مهارات في التسلل، وقدرة على استغلال نقاط الضعف في أنظمة الكشف المتقدمة تقنيا، بما فيها الأنظمة التي تستخدمها كوريا الجنوبية في المنطقة منزوعة السلاح. وإذا اقترنت هذه القدرات بتوظيف الطائرات المسيرة في عمليات الحرب غير النظامية، فقد تفتح المجال أمام تنفيذ عمليات نوعية تختلف عن تلك التي اعتمدت عليها بيونغ يانغ في الماضي.
وتتيح الطائرات المسيّرة قدرات استطلاعية يمكن توظيفها لتعزيز الوعي الظرفي ومساعدة العناصر المتسللة على تحديد مسارات تحركها. وفي حال الاشتباك مع القوات الكورية الجنوبية، يمكن أن توفر هذه الطائرات دعما ناريا فوريا، يتزامن مع تنفيذ عمليات تخريب تستهدف خطوط الإمداد والبنية التحتية ومراكز القيادة والسيطرة والمنشآت الحكومية، أو في استهداف شخصيات سياسية وعسكرية في كوريا الجنوبية، بهدف زعزعة استقرار النظام الحاكم وإشاعة الفوضى في البلاد.