القصر
فن

معركة الأدب مع الذكاء الاصطناعي.. هل بات الإبداع في خطر؟

محرر فن 3 4 دقائق قراءة

في السابق كان تأليف كتاب ما عبارة عن رحلة طويلة وشاقة تبدأ بفكرة وتنتهي بنسخة مطبوعة بين يدي القارئ. لكن مع انتشار الذكاء الاصطناعي بدأ الأمر يتغير ورحلة التأليف تأخذ مسارا مختلفا، وتطرح أسئلة تتجاوز عملية الكتابة نفسها وأبعد من ذلك بكثير. فما مدى عدالة المنافسة إذا كان بعض الكتاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي بينما يتجنه آخرون؟ ومن هو المؤلف عندما يشترك الإنسان والآلة في إنتاج النص؟ وما الذي شكل الإنجاز الأدبي أصلا؟

يسعى الوسط الأدبي إلى إيجاد إجابات لهذه الأسئلة. ويُظهر تقرير نشرته مجلة "بورزنبلات/ Börsenblatt" الألمانية الأسبوعية مدى التباين في المواقف. فدار نشر كتب الأطفال واليافعين "لوفه/ Loewe" تضع وسم "من دون ذكاء اصطناعي" على كتبها المتاحة في المتاجر الإلكترونية، لكنها في الوقت نفسه تستخدم الذكاء الاصطناعي في بعض المهام اليومية البسيطة، مثل التعامل مع الجداول أو تطوير الأفكار، بحسب ما أوضح مدير دار النشر كريستوف غوندروم.

أما في دار النشر "سي إتش بيك/ C. H. Beck"، فيرى ديرك زيتون، أن الخط الفاصل يتمثل في اللحظة التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بالتأثير الإبداعي على النص ويتدخل فيه، إلا أن هذا الحد يصعب تحديده بوضوح في الواقع العملي، وفق ما نقلت  عنه "بورزنبلات".

وتذهب منصة "إنفينيت ليبراري/ Infinite Library" الفرنسية خطوة أبعد، إذ توفر عبر استوديو الذكاء الاصطناعي التابع لها "بيندري/ Bindery" خدمة تطوير كتاب كامل انطلاقا من مجرد فكرة، وصولا إلى نشره!

وتُظهر هذه المواقف المختلفة حدة الجدل داخل الأوساط الأدبية بشأن التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وتكشف تباين المواقف والتصورات بشأن ما يعد إنجازا أدبيا مشروعا.

من هو المؤلف؟

تتجلى صعوبة تقييم دور الذكاء الاصطناعي في تأليف الكتب من خلال قضية الكاتب الهايتي الكندي تيليسون أوريليان (38 عاما). فقد استُبعدت روايته "كان ذلك أو الموت/ C'était ça ou mourir"، مؤخرا من القائمة المرشحة لجائزة غونكور الفرنسية المرموقة بسبب الاشتباه في استخدام الذكاء الاصطناعي أثناء تأليفها.

وفي وقت لاحق، أنهت دار النشر الكندية "إديسيون دو بوريال" تعاونها مع المؤلف، بعدما كشفت مراجعة خارجية مؤشرات على وجود علامات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ضمن البيانات الوصفية لبعض مسودات العمل، رغم أن دار النشر أقرّت في الوقت ذاته "عدم وضوح" حجم استخدام الذكاء الاصطناعي.

غياب آليات التصنيف

أما الكاتب تيليسون أوريليان نفسه، فينفي بشكل قاطع الاتهام بأنه كتب الرواية بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وصرح لصحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية بأنه استخدم هذه التقنية في عمليات البحث فقط. وأكد الكاتب أن القصة تعود إليه شخصيا، كما أنها تعكس تجربة كثير من الهايتيين.

وتتناول الرواية موضوعات الهروب والهجرة والبقاء على قيد الحياة. ومن المقرر أن تصدر الرواية في ألمانيا في يونيو/ حزيران 2027 عن دار «روفولت". إلا أن دار النشر، وفقا لإذاعة "دويتشلاند فونك" الألمانية العامة، تعتزم أولا التحدث مع الكاتب قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن نشر الرواية.

وتظهر هذه القضية مدى صعوبة وضع قواعد عادلة للحكم على عمل أدبي. فكيف يمكن ضمان منافسة تقيّم فيها الأعمال الأدبية وفق معايير واضحة وقابلة للتحقق إذا ظل الدور الذي لعبه الذكاء الاصطناعي في صياغة مخطوطة العمل الأدبي غير معروف؟ وهل تكفي إفادة الكاتب نفسه والتوضيح الذي يقدمه بهذا الشأن؟ وما الأدلة التي تحتاج إليها لجنة التحكيم؟ وكيف يمكن الحيلولة من أن يتحول الاشتباه إلى حكم نهائي؟

استخدام الذكاء الإصطناعي كشرط للحصول على جائزة؟

في المقابل، تقدم جائزة "باسكال" المستحدثة مؤخرا في فرنسا رؤية مختلفة للموضوع. فالجائزة تهدف صراحة إلى تكريم الأعمال التي ينجزها البشر بالتعاون مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ويطلب من المشاركين تقديم معلومات عن النماذج المستخدمة والتعليمات النصية إلى جانب المخطوطة. وتتولى لجنة تحكيم تقييم الجودة الأدبية للأعمال، على أن يتم نشر العمل الفائز بعد ذلك. ومن المقرر إقامة حفل تسليم الجائزة مطلع ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

وبينما تُظهر قضية أوريليان موقفا رافضا تماما للاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الأعمال الأدبية،  تجعل جائزة باسكال من التعاون بين الإنسان والآلة نقطة انطلاقها الأساسية. وسواء كان استخدام الذكاء الاصطناعي سببا للاستبعاد أو شرطا للحصول على الجائزة، يبقى السؤال نفسه مطروحا: وفق أيّ معايير يجب تقييم الإنجاز الأدبي؟ وإلى أي حدٍّ ينبغي أن تكون هذه القواعد شفافة؟

ما هو الإبداع والإنجاز الأدبي؟

إن اختيار اسم الفيلسوف والرياضي الفرنسي بليز باسكال للجائزة الجديدة ليس مجرد إشارة تاريخية. فقد طور باسكال في القرن السابع عشر آلة حاسبة ميكانيكية، وترك في كتابه الأفكار أو الخواطر، تأملات فلسفية ولاهوتية مؤثرة.

غير أن الباحث الفرنسي في الأدب لوران تيروين، انتقد اختيار اسم الفيلسوف للجائزة. وقال في حديثه لصحيفة "لا كروا" الفرنسية، إن باسكال كان يدرك حدود الآلة التي ابتكرها، فهي قادرة على تسهيل إنجاز المهام من دون أن تكون قادرة على التفكير بنفسها.

ويرى تيروين أن الأمر نفسه ينطبق على النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي. فاللغة المقنعة لا تعني بالضرورة أن الآلة تفهم معنى ما تقوله. فالقيمة الأدبية، في رأيه، لا تكمن في الكلمات وحدها، بل أيضا في الفكر الكامن وراءها.

وهكذا، لا يقتصر الجدل الدائر اليوم على أدوات جديدة للكتابة، بل يشمل مسألة الملكية الفكرية والإبداع الذهني، وإلى التساؤل حول المعايير التي ينبغي اعتمادها لتقييم الإنجاز الأدبي في عصر الذكاء الاصطناعي.

اقرأ النسخة الكاملة