مطاردة أساطيل الظل تُنعش الأنابيب والطرق البرية
باتت اليوم عبارات مثل “أساطيل الظل” و”الناقلات الأشباح” و”الإبحار المظلِم”، مُعبِّرة عن حقيقة التوتر الحاصل في العالم نتيجة محاولة السيطرة على الإمداد بالطاقة وعلى سلاسل التوريد العالمية في كافة المجالات. من مضيق هرمز إلى باب المندب إلى البحر الكاريبي إلى مضيق ملقا إلى البحر الأسود، نسمع يوميا عن استهداف ناقلات بحرية ضخمة (في معظمها للطاقة) مباشرة بالأسلحة أو بالألغام أو تفتيشها أو التحقيق معها أو اتهامها بالإبحار من دون إشارة أو حتى السطو عليها من قبل عصابات مجهولة.
عرف العالم في العقود الأخيرة عمليات اعتراض وتفتيش ومراقبة لِلسُّفن، لكن الظاهرة أخذت في السنتين الأخيرتين أبعادا جيواستراتيجية كبرى. لم يكن اعتراض السفن المُحمَّلة بالنفط الإيراني أو الفنزويلي في البحر الكاريبي سنتي 2019 و2020 يثير دهشة العالم كثيرا، إلا أنه أصبح اليوم ظاهرة مقلقة، خاصة بعد السيطرة في جانفي 2026 على السفينة Bella 1 (كانت تنقل عادة النفط الإيراني والفنزويلي إلى الصين) من قِبل القوات الأمريكية في المحيط الأطلسي بعد مطاردتها لمدة 17 يوما، رغم رفعها للعلم الروسي تحت اسم Marinera! وبعد هذا التاريخ باتت عمليات التفتيش والسيطرة متزايدة إلى درجة أن أصبحت أي ناقلة تُطفئ جهاز التتبع، أو تُغيِّر عَلَمها هدفا مباشرا للمطاردة والاعتلاء العسكري والسيطرة.. وهذه سابقة سمحت للإيرانيين اليوم بالرد بالمثل على طريقتهم في مضيق هرمز، حيث تعجز القوات الأمريكية الضخمة عن القيام بمثل ما تقوم به في البحر الكاريبي. لقد باتت جميع السفن التي تمر عبر هذا المضيق مُخيَّرة بين المرور عبر الممرات الآمنة التي تحددها إيران أو التعرض للأذى. الأمر ذاته بالنسبة لمضيق باب المندب، حيث منعت القوات اليمنية التابعة لأنصار الله السفن الصهيونية من العبور تضامنا مع غزة منذ بدء معركة طوفان الأقصى، وهي تمنع اليوم السفن السعودية من نقل النفط عبر المضيق في إطار ما تُسمّيه الحصار بالحصار.. وتتكرر الصورة بحدة أقلّ في البحر الأسود في نطاق الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك في مضيق “ملغا” وممر سنغافورة وبحر الصين، حيث تسعى الصين لِتأمين سفنها في بحر الصين عبر قواعد منتشرة عبر الجزر التابعة لها وتلك المتنازع عليها مع فيتنام، وتسعى مع جميع دول العالم لمحاربة العصابات البحرية في مضيق “مالغا”، إذ باتت تعتدي على السفن التجارية بين الحين والآخر رغم حالة السلم السائدة في المنطقة!
هذا الوضع البحري العالمي الذي بات يشهد توترا متزايدا بين القوى الكبرى في محاولة للتأثير على بعضها البعض لاسيما محاولة الولايات المتحدة كبح تزايد قوة الصين من خلال الضغط على اقتصادها عبر الطاقة، زاد من أهمية وانتعاش الأنابيب والطرق البرية، خاصة بين روسيا والصين، وروسيا وإيران، والجزائر والنيجر، وداخل الدولة الواحدة مثل المملكة العربية السعودية التي أنقذ الأنبوب البري اقتصادها من فخ مضيق هرمز!
وهكذا ارتفعت القيمة الإستراتيجية لممر “قوة سيبيريا 1” ومشروع “قوة سيبيريا 2″، والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وشبكة الطرق الرابطة بين روسيا وإيران وباكستان والهند وأفغانستان (وكان الكيان يسعى إلى إنشاء ممر يربط الهند بِحيفا المحتلة لولا الطوفان الذي أوقفه)… وتسعى روسيا إلى إعادة تصدير غازها إلى بعض الدول الأوروبية عبر خطّ السيل التركي لتعويض خطَّي بحر الشمال وذلك المار عبر أوكرانيا…
وهذا يعني أن عين العالم، بعد انتشار أساطيل الظل، وتزايد الصراعات حول الممرات، بدأت تتجه نحو البر بعد أن ازدادت مخاطر البحر. تُرى هل تُعمّق الجزائر وجهتها نحو إفريقيا جنوب الصحراء أكثر؟