القصر
العالم العربي

مصر: كيف حولت محاربات سرطان الثدي معاناتهن إلى رسالة حياة؟

محرر العالم العربي 4 5 دقائق قراءة

لم يكنسرطان الثدينهاية الطريق بالنسبة لهن، بل بداية رحلة جديدة عنوانها العطاء. ومع حلول الأيام الأخيرة من "أكتوبر الوردي"، تتجدد قصص نساء مصريات حولن معاناتهن مع المرض إلى مصدر قوة وإلهام، وكرسن جزءاً من وقتهن لدعم محاربات أخريات ومساندتهن في مواجهة أحد أصعب التحديات الصحية.

اختارت بعض السيدات التعبير عن مرضهن بشجاعة في حواراتهم مع DWعربية عبر تقديم مبادرات تطوعية تستهدف تقديم الدعم النفسي ونشر الوعي بسرطان الثدي، في رسالة تؤكد أن التوعية لا تقتصر فقط على شهر "أكتوبر الوردي"، بل أنها تستمر طوال العام لتظل مساعدتهن غير محصورة بمدة زمنية محددة. 

التطوع: شريك في رحلة العلاج

تشارك زوزو فوزي، إحدى محاربات مرض سرطان الثدي تجربتها مع المرض في حوارها مع DW، مستعيدة تفاصيل رحلتها الصعبة التي بدأت بمشاعر الخوف والقلق، وتساؤلات حول العلاج ومستقبل أبنائها وأسرتها وقدرتها على مواصلة مسؤولياتها تجاههم.  وتروي أنها مًرت في البداية بحالة من الغضب وعدم تقبل الواقع والخوف من المجهول، لكنها توضح أنه عندما منحت هذه المشاعر وقتاً ومساحة كافية، بدأت تستوعب الواقع وتتقبله.

ووصفت في حديثها، رحلة العلاج بأنها كانت اختباراً صعباً على مختلف المستويات الجسدية والنفسية، ولم تقتصر آثارها على تحمل آلام المرض والعلاج فحسب، بل امتدت أيضا إلى نظرتها لنفسها كامرأة.  كما تطرقت إلى ردود فعل المحيطين بها التي اتسمت في البداية بالصدمة، إلا أنهم كانوا داعمين لها، وشاركوا معها جميع تفاصيل التجربة حتى نهايتها.

وتوضح أنها استفادت من شبكة الدعم التي أحاطت بها، وعلى رأسها مستشفى بهية المتخصصة  في علاج سرطان الثدي بالمجان، والتي ساعدتها على استعادة ثقتها بنفسها واكتشاف الحياة من منظور جديد. كما تعلمت من تجربتها أنه ليس مطلوب منها أن تبقى قوية طوال الوقت.  وتضيف أن رحلة العلاج كانت نقطة تحول دفعتها إلى تغيير مسارها المهني، فاتجهت إلى 

دراسة العلاج بالفن والتخصص في تيسير المجموعات العلاجية بهدف تقديم الدعم النفسي للنساء اللاتي يخضن التجربة نفسها. ومن هذا المنطلق أسست مجموعة " همسات نفسية"، التي تقدم من خلالها تدريبات وجلسات نفسية تساعد محاربات سرطان الثدي على تجاوز التحديات المصاحبة للمرض. وتستعيد إحدى المواقف التي تركت أثرا عميقا في نفسها، حين قالت لها إحدى المحاربات: "لقد علمتيني كيف نحب نفسي "، معتبرة أن هذه الكلمات كانت دليلا على نجاحها في إحداث تأثير إيجابي في حياة الأخريات.

وترى أن سرطان الثدي، شأنه شأن الكثير من الأمراض، قابل للعلاج، وأنه قد يتحول في بعض الأحيان إلى منحة إلهية تدفع الإنسان إلى إعادة اكتشاف ذاته والنظر إلى الحياة بمنظور مختلف.

صراعات نفسية وضغوط اجتماعية 

ولا تقتصر رحلة محاربات سرطان الثدي على مواجهة المرض وتلقي العلاج، بل تمتد لتشمل تغيرات نفسية واجتماعية تؤثر على شكل حياتها وعلاقاتها بالآخرين، ما يجعل الدعم والعلاج النفسي محطة مهمة في رحلة التعافي. لذلك، تحرض مؤسسات المجتمع المدني في مصر العاملة في هذا المجل ليس لتقديم علاج للمرض، بل تقديم دعم نفسي للمرضى لاستكمال رحلة العلاج. 

وفي هذا السياق ترى هبة صباحي، مستشارة الصحة النفسية ورئيسة مجلس أمناء نبت لرعاية النشء وتنمية المجتمع لـ DW عربية، أن سرطان الثدي لا يؤثر على جسد المرأة فقط، بل يمتد تأثيره إلى عالمها النفسي والاجتماعي، وقد ينعكس على طبيعة علاقاتها داخل الأسرة، خاصة علاقتها بزوجها وأبنائها. فالتشخيص غالبا ما يثير مشاعر الخوف من المستقبل والقلق من الموت وفقدان الإحساس بالأمان، إضافة إلى تساؤلات مرتبطة بالأنوثة وصورة الجسد والتغيرات التي قد تطرأ على الحياة الزوجية.  

وترى أنه من الناحية النفسية، قد تشعر المرأة بأنها فقدت جزءًا من السيطرة على حياتها، وقد تتأثر ثقتها بنفسها، خصوصًا إذا صاحبت رحلة العلاج تغيرات في الشعر أو الوزن أو شكل الثدي.  وأضافت أنه من المهم إدراك أن الأنوثة لا تُختزل في المظهر الجسدي، وأن قيمة المرأة وهويتها الإنسانية لا تتغيران بسبب المرض أو العلاج.

أما على المستوى الزوجي، فقد يواجه الزوج مشاعر الخوف والارتباك والعجز عن تقديم المساعدة، وقد يعبّر عنها بالصمت أو الانسحاب، في حين تكون الزوجة في أمس الحاجة  إلى الاحتواء والتواصل والشعور بالأمان. لذلك، لا تقوم المواجهة الصحية للمرض على مطالبة المرأة بأن تبدو قوية طوال الوقت. 

وسلطت الضوء على دور المجتمع للتعامل مع هذا المرض، قائلة " المجتمع يحتاج إلى الانتقال من مفهوم التعاطف الموسمي مع مريضة سرطان الثدي إلى مفهوم المساندة المستمرة؛ فالمريضة لا تحتاج إلى الاهتمام في يوم التشخيص فقط، بل قد تحتاج إليه خلال العلاج، وبعد انتهائه أيضًا. وتطرقت أيضاً إلى دور المجتمع المدني، معتبرة أن المجتمع المدني لا ينبغي أن يكتفي بمساندة المرأة في مواجهة المرض، بل عليه أن يساهم في حماية مكانتها الاجتماعية، ودعم استقلاليتها، وتوفير فرص حقيقية لها كي تواصل حياتها وتشارك في بناء مجتمعها.

رحلة تتجاوز حدود الألم 

يمثل سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان انتشارًا بين النساء فى مصر، إذ يشكل  37.3% من إجمالي حالات الإصابة بالسرطان بين السيدات. ووفقًا لتقديرات الوكالة الدولية لبحوث السرطان، سجلت مصر 26 ألفًا و52 حالة إصابة جديدة و9717 حالة وفاة خلال عام 2024. لذلك تواصل مؤسسات الدولة جهودها في مجالي الكشف المبكر والتوعية، إذ أعلنت وزارة الصحة والسكان في يوليو/ تموز  2026 تقديم أكثر من 70.5 مليون زيارة لخدمات الفحص والتوعية منذ إطلاق المبادرة لدعم صحة المرأة  عام 2019.

وسط هذه الأرقام، تقف نرجس نسيم، إحدى محاربات سرطان الثدي، شاهدة على رحلة قاسية مع المرض.  وتروي لـ DW عربية أن لحظة التشخيص كانت من أصعب مراحل حياتها،  خاصة أنها لم تُرزق بأطفال، وكان زوجها يمثل مصدر دعمها وسندها الأساسي. غير أنها فقدت خلال رحلة العلاج، لتجد نفسها تصارع المرض وحدها .

ورغم قسوة التجربة، تمكنت نرجس من تجاوز محنتها وتحويلها إلى دافع لمساعدة أخريات يمررن بالتجربة نفسها. فمنذ إصابتها عام 2017، انخرطت في العمل التطوعي وقدمت الدعم النفسي لمحاربات سرطان الثدي.

وتشرح نرجس أن نشاطها التطوعي يشمل تنظيم فعاليات ورحلات ترفيهية تهدف إلى تخفيف الضغوط النفسية، ومساعدة المريضات على التخلص من الطاقة السلبية واستعادة الشعور بالأمل والبهجة بمساعدة فريق كامل . وتؤكد أنها تشعر بسعادة وراحة عند رؤية المحاربات وهن يعدن من تلك الأنشطة بحالة نفسية أفضل تمنحها شعورا بالراحة والسعادة وتدفعها إلى مواصلة رسالتها التطوعية. 

اقرأ النسخة الكاملة