مشاهد مفبركة و187 مليون دولار... الذكاء الاصطناعي في الحملات الأميركية
في إعلان يستهدف المرشح الديموقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي جيمس تالاريكو، يظهر أمام الكاميرا وهو يتلو منشورات قديمة منسوبة إليه، مستخدماً صوته وملامحه المعهودة. غير أن المشهد لم يقع أصلاً، إذ استُخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد صورته واستنساخ صوته في إعلان جمهوري أعاد تقديم منشورات حقيقية ضمن مشاهد مفبركة.
لم يعد هذا الإعلان حالةً استثنائيةً في الانتخابات النصفية الأميركية. فقد تجاوز الإنفاق على 289 إعلاناً أُنتجت أو حُسّنت باستخدام الذكاء الاصطناعي 187 مليون دولار، وفق أحدث بيانات مشروع "ويسليان ميديا"، ما يثير تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين السخرية السياسية والتضليل، وقدرة الناخبين على التمييز بين الوقائع والمشاهد المصطنعة.
ومع احتدام المنافسة على الكونغرس، باتت أدوات التوليد الاصطناعي تُستخدم لإنتاج إعلانات يصعب أحياناً تمييزها عن التسجيلات الحقيقية. لكن اتساع استخدامها يطرح سؤالاً آخر: هل تؤثر هذه المشاهد فعلاً في مواقف الناخبين، أم يكمن خطرها الأعمق في تقويض ثقتهم بما يشاهدونه؟
مشاهد مفبركة وإنفاق جمهوري مهيمن
في 11 آذار/مارس 2026، نشرت اللجنة الوطنية الجمهورية لمجلس الشيوخ إعلاناً انتخابياً يظهر تالاريكو وهو يتلو منشورات سابقة له. وأقرت اللجنة باستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المشهد، مع الإفصاح عن استخدام التقنية فيه.
وفي إعلانات أخرى، ظهرت نسخ اصطناعية من تالاريكو في مواقف لم تحدث، بينها مشاهد تسخر من آرائه الدينية والاجتماعية. ووثّق موقع بوليتي فاكت استخدام صور تحاكي ملامحه بواقعية، وتقديم بعض أقواله خارج سياقها.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على تالاريكو. فوفق بيانات "ويسليان ميديا" الصادرة في 29 تشرين الأول/أكتوبر، جاء 82 بالمئة من الإعلانات المرصودة من جهات جمهورية، مقابل 13 بالمئة من جهات ديموقراطية. وبلغ إنفاق الجمهوريين وحلفائهم نحو 169 مليون دولار، بما يتجاوز 90 بالمئة من إجمالي الإنفاق المرصود.
ويؤكد المشروع أن هذه الأرقام تمثل حدّاً أدنى، إذ يصعب رصد بعض استخدامات التقنية، خصوصاً عندما لا يفصح المعلنون عنها. وتشمل البيانات الإعلانات المحسّنة بالذكاء الاصطناعي، ولا تقتصر على المشاهد المفبركة بالكامل.
قوانين متباينة وثقة مهددة
يرى العميد المشارك لشؤون البحث العلمي وأستاذ القانون في جامعة سانتا كلارا، إريك غولدمان، في تصريحات لـ"النهار"، أن تنظيم الإعلانات السياسية الاصطناعية لا يزال قضيةً قانونيةً لم تُحسم في الولايات المتحدة.
ويوضح أن بعض الولايات أقرّت قوانين تقيّد هذه الإعلانات أو تحظرها، فيما تلزم قوانين أخرى المعلنين بالإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي. غير أنه يحذر من احتمال تعارض هذه القيود مع الحماية الدستورية الواسعة لحرية التعبير السياسي، مشيراً إلى أن متطلبات الإفصاح نفسها قد تواجه طعوناً دستورية.
ويشكك غولدمان في فاعلية الاكتفاء بالعلامات التحذيرية، إذ يقول إن الإفصاحات الإلزامية "نادراً ما تؤثر في تصورات الناخبين". ويربط الخلاف بشأن التنظيم بالمصالح الانتخابية، إذ يخشى بعض السياسيين استهدافهم بإعلانات مصطنعة، فيما يعارض آخرون القيود رغبةً في استخدام التقنية في حملاتهم.
ويحذر من أن تزايد الإعلانات الخادعة قد يسرّع تآكل ثقة الأميركيين بالسياسة، داعياً إلى تنمية قدرة الناخبين على التقييم النقدي للمحتوى السياسي عموماً، لا الاكتفاء بتمييز الصور المزيفة.
تأثير تحت الاختبار
غير أن انتشار هذه الإعلانات لا يعني بالضرورة قدرتها على تغيير خيارات الناخبين. ويقول أستاذ العلوم السياسية والمدير المشارك لمركز وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والسياسة بجامعة نيويورك، جوشوا تاكر، لـ"النهار"، إن عدد مرات ظهور المحتوى لا يكفي للحكم على تأثيره، إذ ينبغي أيضاً معرفة ما إذا كان المستخدم يدرك أنه مصنوع بالذكاء الاصطناعي، وما إذا كان ذلك يهمّه.
ويوضح أن قياس التأثير الانتخابي يتطلب بيانات عن أعداد الأشخاص الذين تعرضوا فعلياً للمشاهد المفبركة، وإتاحة المواد التي شاهدوها لفحصها، ثم إجراء تجارب لقياس قدرتها على الإقناع. ويشدد على صعوبة تحديد ما إذا كانت هذه المشاهد تغيّر التفضيلات الانتخابية بالفعل، ولا سيما في مجتمع شديد الاستقطاب سياسياً كالولايات المتحدة.
وفي ورقة بحثية قيد الإعداد، أطلع تاكر "النهار" عليها يحذّر هو وأستاذ القانون في جامعة ستانفورد ناثانيال بيرسيلي من خطر يتجاوز تصديق المشاهد المزيفة، ويتمثل في تراجع الثقة بالمشاهد الحقيقية.
ويصف الباحثان هذه الظاهرة بمفهوم "مكسب الكاذب"، إذ يمكن للسياسيين استغلال انتشار التزييف للتشكيك في أدلة صحيحة، والزعم بأنها صُنعت بالذكاء الاصطناعي. ومع اتساع دائرة الشك، قد تتراجع قيمة الصور والتسجيلات بوصفها أدلةً موثوقةً.
في المقابل، يرفض تاكر اختزال استخدامات الذكاء الاصطناعي في التضليل، مشيراً إلى إمكان توظيفه في ترجمة المواد الانتخابية وخفض تكاليف إنتاجها، ومساعدة الناخبين في معرفة أماكن التصويت. وبذلك، لا تنحصر المعضلة في قدرة التكنولوجيا على اختلاق مشاهد لم تحدث، بل تمتد إلى جعل الوقائع التي حدثت بالفعل موضع شك.