القصر
العالم العربي

مراكز البيانات تشق صف الجمهوريين.. لماذا يرفضها ناخبو ترمب؟

محرر العالم العربي 1 7 دقائق قراءة

قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، برزت قضية غير متوقعة في قلب المنافسات الانتخابية، تتعلق ببناء مراكز البيانات العملاقة التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

فبينما يتبنى الرئيس دونالد ترمب التوسّع في بناء هذه المراكز باعتباره ضرورة لتحقيق التفوق التكنولوجي الأمريكي على الصين، تتصاعد معارضة إنشائها بين ناخبي الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بما في ذلك داخل الولايات المحافظة التي تستضيف القسم الأكبر من الاستثمارات الجديدة، وقد دفع ذلك عددا من المرشحين الجمهوريين إلى تبني مواقف أكثر تشددا تجاه المشروعات التي تشجعها إدارتهم.

أخبار مقترحة

  • هل يصبح ترمب أكثر خطورة إذا خسر الجمهوريون الكونغرس؟ 4 سيناريوهات محتملة
  • بالخرائط والرسوم.. دليلك البصري لفهم الانتخابات النصفية الأمريكية

وتكشف استطلاعات الرأي أن الخلاف ليس مجرد مواجهة تقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين. ففي استطلاع أجراه مركز "أننبرغ" للسياسات العامة بجامعة بنسلفانيا، أعرب 54% من الجمهوريين عن معارضتهم بناء مراكز بيانات جديدة في مناطقهم، مقابل 69% من الديمقراطيين، و53% من المستقلين.

وبحسب إحصاء نشرته وكالة رويترز، سيصوّت الأمريكيون في 38 دائرة محلية موزعة على عشر ولايات على ما لا يقل عن 41 مقترحا يتعلق بتقييد بناء مراكز البيانات أو حظر بعضها أو فرض شروط جديدة عليها، بالتزامن مع انتخابات الكونغرس وحكام الولايات.

لماذا يعارض الأمريكيون بناء مراكز البيانات؟

تضم مراكز البيانات آلاف الخوادم وأجهزة الحوسبة التي تتولى تخزين المعلومات ومعالجتها وتشغيل الخدمات الرقمية، وقد ارتفعت الحاجة إليها مع التوسع في نماذج الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب قدرات حوسبية هائلة واستهلاكا كبيرا للكهرباء، فضلا عن المياه المستخدمة في تبريد المعدات.

لكن الاعتراض الشعبي لا ينصب بالضرورة على الذكاء الاصطناعي نفسه، وإنما على الكلفة المحلية للبنية التحتية اللازمة لتشغيله. ويخشى المعارضون أن تتحمل الأسر جزءا من تكاليف توسيع شبكات الكهرباء، وأن تستهلك هذه المشروعات المياه والأراضي، مقابل فرص عمل دائمة محدودة نسبيا، وإعفاءات ضريبية كبيرة تمنحها السلطات المحلية للشركات.

ويتزامن هذا القلق مع ارتفاع فعلي في أسعار الطاقة؛ إذ أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن أسعار الكهرباء المنزلية ارتفعت بأكثر من 10% على المستوى الوطني منذ عام 2024، وبأكثر من 20% في ولاية أوهايو. غير أن ارتفاع الأسعار لا يمكن نسبته بالكامل إلى مراكز البيانات؛ إذ تدخل فيه أيضا تكاليف الإنتاج وتطوير الشبكات وعوامل أخرى.

ترمب في مواجهة اعتراضات قاعدته الانتخابية

على الجانب الآخر، تنظر إدارة ترمب إلى مراكز البيانات باعتبارها من أهم مقومات القوة الاقتصادية والأمنية الأمريكية، وترى أن إبطاء إنشائها سيمنح الصين فرصة للتقدم في السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي.

وفي تجمع انتخابي بولاية أوهايو، دافع ترمب عن بناء المزيد من المراكز، مشيرا إلى الأموال التي يمكن أن تجلبها للولاية، ومحذرا من أن هذه الاستثمارات قد تنتقل إلى الصين إذا رفضتها الولايات المتحدة. كما سبق أن كتب على منصته "تروث سوشيال" أن المجتمعات التي ترفض مراكز البيانات تخاطر بأن تصبح متخلفة وفقيرة.

ومع ذلك، حاول البيت الأبيض معالجة المخاوف المتعلقة بالتكاليف، فأعلن في مارس/آذار الماضي مبادرة باسم "تعهد حماية دافعي فواتير الكهرباء"، طالب بموجبها شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف الكهرباء والبنية التحتية اللازمة لمراكزها، بدلا من تحميلها للمستهلكين.

لكن المبادرة لم تنهِ الخلاف بشأن جدوى التوسع في هذه المشروعات أو مدى قدرة التعهدات على حماية المجتمعات المحلية، خصوصا أن بعض المعارضين يرفضون إنشاء المراكز قرب مناطقهم حتى لو وفرت الشركات الكهرباء بنفسها.

جمهوريو تكساس يتراجعون عن دعم التوسع

تقدم ولاية تكساس أحد أوضح الأمثلة على تغير المواقف الجمهورية، فالولاية التي تحتضن مشروع "ستارغيت" الضخم التابع لـشركة "أوبن إيه آي" في مدينة أبيلين، كانت تتنافس على استقطاب استثمارات الذكاء الاصطناعي، قبل أن تتحول مراكز البيانات إلى قضية خلافية في انتخابات حاكم الولاية ومجلس الشيوخ.

وفي أغسطس/آب الماضي، أعلن الحاكم الجمهوري غريغ أبوت إجراءات لتدقيق طلبات توصيل المشروعات الجديدة بشبكة الكهرباء، مما أدى فعليا إلى تعليق الموافقات على توصيل عدد منها. كما دعا إلى إعادة النظر في الحوافز الضريبية والقيود المفروضة على إنشاء المراكز في المناطق الريفية.

أما المدعي العام الجمهوري كين باكستون، الذي ينافس الديمقراطي جيمس تالاريكو على مقعد مجلس الشيوخ، فقد طرح خطة للحد من الآثار السلبية لمراكز البيانات، رغم أنه سبق أن صوّت عام 2013 لصالح حوافز ضريبية ساعدت على اجتذاب هذه الاستثمارات إلى الولاية. واتهمه تالاريكو بتغيير موقفه خوفا من انعكاس علاقاته بشركات التكنولوجيا على فرصه الانتخابية، في حين ردت حملة باكستون باتهام منافسه الديمقراطي بدعم إعفاءات مماثلة وتلقي تمويلات من أصحاب المصالح أنفسهم.

لكن اللافت أن الجمهوريين أنفسهم ليسوا متفقين تماما على رفض هذه المشروعات، فقد أظهر استطلاع لجامعة تكساس أن 45% من الناخبين الجمهوريين يؤيدون بناء مركز بيانات في مجتمعهم المحلي، مقابل 43% يعارضونه. وفي المقابل، بلغت المعارضة 60% بين سكان المناطق الريفية، بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية، وهي مناطق تشكل قاعدة انتخابية مهمة للجمهوريين.

عبء انتخابي في أوهايو

في أوهايو، انتقلت القضية إلى قلب السباق على أحد مقاعد مجلس الشيوخ بين الجمهوري جون هوستد والديمقراطي شيرود براون. فقد استخدمت حملة براون ومجموعات مؤيدة له سجل هوستد السابق في تشجيع استثمارات مراكز البيانات، عندما كان نائبا لحاكم الولاية، لتصويره باعتباره مسؤولا عن منح الشركات إعفاءات ضريبية كبيرة في وقت ترتفع فيه فواتير الكهرباء.

واضطر هوستد إلى التشديد على ضرورة تحمل الشركات تكاليف الطاقة، وأيد تشريعات لحماية المستهلكين. ونقلت الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية عن مذكرة داخلية للجنة الوطنية الجمهورية لانتخابات مجلس الشيوخ تحذيرها من أن قضية مراكز البيانات أصبحت خطرا انتخابيا يتجاوز سباق أوهايو، وأن تحميلها مسؤولية خسارة أحد المرشحين قد يدفع السياسيين في مختلف الولايات إلى الابتعاد عن دعم الصناعة.

والأكثر دلالة هو موقف الجمهوري فيفيك راماسوامي، المرشح لمنصب حاكم أوهايو، والمعروف بقربه السياسي من ترمب. فقد أعلن راماسوامي أنه سيصدر، إذا فاز بالانتخابات، أمرا تنفيذيا في يومه الأول لتعليق إجراءات الموافقة على مراكز البيانات الجديدة حتى يقر المجلس التشريعي قانونا شاملا لتنظيمها.

وكان راماسوامي قد طرح ثلاثة شروط أساسية لإنشاء المراكز، تشمل توفير الكهرباء مجانا للأسر القريبة منها، واستخدام عوائد الضرائب العقارية لتخفيف الأعباء عن السكان، والالتزام بحماية البيئة والأراضي الزراعية.

انقسام بين المرشحين الجمهوريين أنفسهم

ولا يقتصر التباين على العلاقة بين ترمب وقاعدته الانتخابية؛ إذ يتبنى بعض مرشحي الحزب مواقف متعارضة بشأن مستقبل مراكز البيانات.

ففي فلوريدا، تعهد المرشح الجمهوري لمنصب الحاكم بايرون دونالدز بحماية العائلات من تحمل تكاليف المراكز التي ترفع أسعار الكهرباء، وظهرت هذه القضية في إعلانات انتخابية بلغت كلفة بث أحدها أكثر من 2.5 مليون دولار.

أما في جورجيا، فيرفض المرشح الجمهوري لمنصب الحاكم ريك جاكسون فرض وقف شامل على مشروعات مراكز البيانات، ويدافع عن منح السلطات المحلية حق تقرير إنشائها، بشرط تحقيق فوائد اقتصادية للمجتمعات المضيفة. وفي المقابل، تطالب منافسته الديمقراطية كيشا لانس بوتومز بتعليق إنشائها مؤقتا على مستوى الولاية، حتى تُدرس آثارها الاقتصادية والبيئية.

وكشفت السجلات المالية لجاكسون امتلاكه استثمارات في مشروع لمراكز البيانات بتكساس، وهو ما أثار انتقادات من منافسته، بينما ردت حملته بالإشارة إلى دعم بوتومز سابقا مشروعا تكنولوجيا يتضمن مركز بيانات عندما كانت عمدة أتلانتا.

الجمهوريون يبحثون عن مخرج انتخابي

ودفعت هذه الخلافات مستشارين جمهوريين إلى محاولة صياغة موقف يجمع بين دعم التكنولوجيا والاستجابة للمخاوف الشعبية.

فوفقا لموقع أكسيوس، حذر توني فابريتسيو، أحد أبرز خبراء استطلاعات الرأي العاملين مع ترمب، المرشحين الجمهوريين من إعلان تأييدهم غير المشروط لإنشاء المزيد من مراكز البيانات.

واستند فابريتسيو إلى نتائج استطلاع أظهر أن 65% من الناخبين يعارضون التوسع غير المشروط في بنائها، بينما يؤيد 61% السماح بالمشروعات إذا التزمت بشروط لحماية المستهلكين والموارد الطبيعية، مقابل 28% يؤيدون حظرها بالكامل. ونصح المرشحين بالتركيز أولا على مخاوف السكان بشأن الكهرباء والمياه، ثم مطالبة الشركات بتحمل تكاليف مشروعاتها، بدلا من الاكتفاء بالحديث عن فرص العمل أو المنافسة مع الصين.

وانعكس الاهتمام الانتخابي بالقضية على الإنفاق الإعلاني؛ إذ أظهرت بيانات شركة "آد إمباكت" أن الحملات الانتخابية والمجموعات السياسية أنفقت أكثر من 45 مليون دولار بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب الماضيين، على إعلانات تتناول مراكز البيانات في سباقات الكونغرس وحكام الولايات، توزعت بصورة متقاربة بين الإعلانات الداعمة لمرشحي الحزبين.

ومع اقتراب الاقتراع، لم يعد الجدل محصورا في تصريحات المرشحين، ففي مدينة سانبري بولاية أوهايو، سيصوت السكان على مقترح يمنع إنشاء مراكز بيانات تتجاوز قدرتها الكهربائية 25 ميغاواطا، وهو ما قد يؤثر على مشروع لأمازون بقيمة ملياري دولار.

وعلى الرغم من هذه المعارضة، ارتفعت قدرة مراكز البيانات قيد الإنشاء في الولايات المتحدة بنسبة 48% بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ويونيو/حزيران 2026، بحسب بيانات شركة كوشمان آند ويكفيلد العقارية، في مؤشر على أن الاحتجاجات المحلية لم توقف التوسع حتى الآن.

اقرأ النسخة الكاملة