متلازمة الرادار العاطفي.. لماذا يشعر بعض الأشخاص بمشاعر الآخرين أكثر مما ينبغي؟
بعض الأشخاص لديهم "ملكة" أو قدرة على فهم عواطف المحيطين، بمجرد النظر لهم أو الحديث معهم لثوانِ، وصحيح يبدو الأمر وكأننا أمام قدرة تمكن صاحبها من فهم الناس وطبيعة مشاعرهم، غير أن تحول الأمر إلى رادار يراقب الجميع للإلمام بمشاعره، قد يتحول إلى عبء على صاحبه بعد فترة.
ما نتحدث عنه ليست مجرد ملاحظة اجتماعية، بل نمط سلوكي يسمى "المراقبة العاطفية" (Emotional Monitoring)، وهو مصطلح استخدمته اختصاصية علم النفس الإكلينيكي، نعومي توريس ماكي، لوصف الميل إلى متابعة الحالة العاطفية للآخرين بشكل مستمر.
الفرق بين الرادار العاطفي والتعاطف
يبدو الأمر للوهلة الأولى أننا أمام شخص متعاطف ولديه الاهتمام بالمحيطين، غير أن ما يوضحه موقع The Attachment Project هو أن ثمة فارق كبير بين الاهتمام والتعاطف من جانب، وبين الرادار العاطفي من جانب آخر. ويوضح الموقع أن التعاطف يحدث حين يبدي الشخص قلق أو مشاعر سلبية بشكل عام، وهنا يتفاعل معه الشخص بمشاعر التعاطف، أما المراقبة العاطفية فهي بحث دائم عن شيء يستدعي رد فعل، حتى لو لم يكن هناك ما يستدعي ذلك.
والمشكلة أنه مع الوقت قد يفقد الشخص المراقب هذا قدرته على التفرقة بين مشاعره ومشاعر الآخرين، فلا يعرف أين تنتهي مشاعره هو وتبدأ مشاعر من حوله.
علامات تكشف أنك تعيش بـ رادار عاطفي
يرصد المصدر السابق ست علامات رئيسية لهذه الحالة، ويؤكد أن ظهور علامة واحدة لا يعني بالضرورة الإصابة بها، لكن إذا اجتمعت عدة علامات، فالأمر يتطلب منك الانتباه.
صعوبة الاستمتاع
الشخص الذي يحمل في داخله رادار عاطفي لا يمكنه الاستمتاع في أي تجمع عاطفي إلا بعد التأكد أن الجميع مرتاحون ويقضون وقتًا لطيفًا.
التفقد المستمر
تسأل باستمرار عما إذا كان أحد الحاضرين يحتاج إلى شيء، حتى لو لم يطلب ذلك.
الشعور بالمسؤولية
تشعر أنك مسؤول عن إصلاح أي ضيق أو انزعاج يمر به الآخرون.
الملاحظة المبكرة
تلاحظ حزن شخص أو انزعاجه قبل أن يتحدث عنه.
الإرهاق
تشعر بالإنهاك بعد اللقاءات الاجتماعية، لأن عقلك لا يتوقف عن العمل طوال الوقت.
إرضاء الآخرين
ترى نفسك شخصًا يسعى دائمًا لإرضاء من حوله.
علاقة فرط اليقظة بـ الرادار العاطفي
ربط خبراء Cleveland Clinic بين حالة الرادار العاطفي هذه وبين حالة أشمل تعرف علميًا باسم "فرط اليقظة". وهي حالة من الوعي المرتفع يظل فيها المخ في وضع بحث دائم عن الخطر. وتصف اختصاصية علم النفس في المستشفى، سوزان ألبرز، هذه الحالة بأنها آلية بقاء طبيعية لدى الإنسان، لكنها خرجت عن مسارها، فأصبح الشخص يشعر بأنه مهدد طوال الوقت.
ومن مظاهرها، كما توضح سوزان، قراءة مزاج الآخرين ونبرة أصواتهم ولغة أجسادهم بدقة شديدة، بل وتحليل رسائلهم النصية بحثًا عن أي إشارة. كما قد يميل الشخص إلى توقع الأسوأ دائمًا، فإذا لم يرد أحد على مكالمته مثلًا، يفترض فورًا أن شيئًا سيئًا قد حدث.
من أين يأتي الرادار العاطفي؟
تبدأ هذه الحالة غالبًا في الطفولة، إذ قد يتعلم الطفل مراقبة مشاعر من حوله كوسيلة لحماية نفسه. ويحدث ذلك بشكل خاص عندما ينشأ في بيت تحظى فيه احتياجات الآخرين بالأولوية، كأن يكون أحد الوالدين سريع الغضب، أو يكون أحد الإخوة مريضًا بمرض خطير يستحوذ على اهتمام الأسرة.
كما ترتبط الحالة بما يُعرف بـ"تبادل الأدوار"، حين يتحمل الطفل مسؤوليات أكبر من سنه ويصبح مسؤولًا عن راحة الكبار، إلى جانب ما يُسمى "متلازمة الابنة الكبرى".
ويضيف أطباء Cleveland Clinic أن فرط اليقظة قد يرتبط أيضًا بالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، أو بالنشأة في بيت يصعب فيه توقع ردود أفعال الكبار. وقد يكون لدى بعض الأشخاص مجرد سمة في الشخصية، لكن الحالات الشديدة أو المستمرة تشير غالبًا إلى سبب نفسي يحتاج إلى متابعة.
علاقة الرادار العاطفي بنمط التعلق
وفقًا للمصادر البحثية، فثمة علاقة وثيقة بين الرادار العاطفي ونمط التعلق القلق، ويمكن القول أن هؤلاء الذي يميلون لنمط التعلق هم الأكثر عرضة لحالة الرادار. وقد كشفت دراسة أُجريت عام 2006 أن هؤلاء الأشخاص يلاحظون تغير تعبيرات الوجه بسرعة أكبر من غيرهم، لكنهم أقل دقة في تحديد المشاعر الحقيقية وراءها، وتتحسن دقتهم عندما يُطلب منهم الحكم بعد فترة قصيرة. وللتوضيح فإن الرادار العاطفي مشكلته أنه متسرع في الحكم، لكنه ليس دقيقًا في كثير من الأحوال، بل وقد يلتقط إشارات غير موجودة بالأساس.
ما تأثير الرادار العاطفي على الشخص؟
لا يتوقف أثر هذه الحالة عند الجانب النفسي، بل يمتد إلى الجسم والعلاقات أيضًا، ومن أبرز آثارها:
- الإرهاق الجسدي ومشكلات النوم.
- تغيرات في الشهية واضطرابات في الجهاز الهضمي.
- صعوبة التركيز والعصبية الزائدة.
- الميل إلى العزلة وتذبذب الحالة المزاجية.
- استجداء الطمأنينة من الآخرين باستمرار.
- تجنب الخلافات حتى لو كانت ضرورية.
والمشكلة أن هذه العادة تغذي نفسها بنفسها، فعندما يصدق إحساس الشخص أحيانًا، يقتنع بأنه قادر على توقع ما سيحدث، فيزداد تمسكه بمراقبة الآخرين.
كيف توقف الرادار العاطفي؟
هذه الحالة تتأصل في داخل الشخص لا يستدعيها عمدًا، أي أنها تظهر وتسيطر عليه تلقائيًا، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن إيقاف هذا النمط السلوكي المزعج لصاحبه، بينما يمكنك اتباع التالي:
طلب المساعدة
في الحالات المتقدمة التي تسبب لك إرهاق شديد وضغط نفسي، يجب اللجوء للعلاج النفسي المتخصص. فالعلاج النفسي يساعد على فهم جذور هذه العادة، والتعرف على المواقف التي تثير هذه الحالة، والتمييز بين ما تشعر به وما يحدث فعلًا، ويُعد العلاج المعرفي السلوكي من الأساليب المفيدة في هذه الحالة.
البدء باحتياجاتك البسيطة
اسأل نفسك خلال اليوم: هل أحتاج إلى شرب الماء؟ هل أحتاج إلى الراحة أو إلى استراحة قصيرة؟ هذه الأسئلة البسيطة تعيد توجيه انتباهك نحو نفسك.
مراجعة مشاعرك بانتظام
خصص وقتًا وأنت بمفردك لتسأل نفسك عما تشعر به، فهذا يسهل عليك ملاحظة احتياجاتك عندما تكون وسط الآخرين.
تقنيات التهدئة
عندما تشعر بأنك في حالة استعداد لفحص ومتابعة الآخرين، أو حتى تشعر بقلق غير مبرر، جرب التنفس العميق أو العد أو التحدث إلى نفسك بهدوء. كما يساعد التأمل الواعي على تقليل التوتر وتوجيه التركيز إلى الداخل بدلًا من الآخرين.
تقليل الكافيين
قد يزيد الكافيين من حدة القلق، لذلك يُنصح بتقليله.
تذكر أن مشاعر الآخرين ليست مسؤوليتك وحدك، بينما لنا دور محدود في هذا، كما أن التركيز على مزاج الآخرين هو شكل من أشكال السيطرة التي تفقدك تركيزك على نفسك.
اقرأي أيضًا حيل تجعل الشباب والبنات يمتلكون كاريزما واثقة