القصر
العالم العربي

مَاوْ تسي تونغ، مْبابي وريال مَدريد

محرر العالم العربي 3 4 دقائق قراءة

لا يحتاجُ المرءُ في هذا العالم العَجيب إلى ثورة كيْ يستنفر إمبراطورية، ولا حتى إلى خطاب سياسي كي يجد نفسه متهمًا بالإساءة إلى تاريخ أمّة.

تكفي صورة عابرة، وابتسامة لم تستشر خبراء الدبلوماسية، كلمات خرجت من فَم لاعب كرة قدم حتى تتحرّك عجلات السّياسة والتجارة والإعلام، ويكتشف العالم أن بعض الوجوه التاريخية لا تزال تمارس سلطتها من وراء القُبور.

كان كيليان مْبابي يظن، على الأرجح، أنَّ أصعب ما قد يواجهه في ريال مدريد هو الدّفاعات المحكمة، وضغط الجماهير؛ لم يخطر بباله أن ماوْ تسي تونغ الذي رحل عن الدنيا منذ عقود قد يصبح خصمًا أشدّ إزعاجًا من جميع المدافعين الذين واجههم في مبارياته أجمعها.

ضحكة مبابي التي أيقظت التّنين الصّيني

ضحك مبابي، فانطلقت من أقصى الشرق موجة غضب لم تحتج إلى مترجم كي تصل إلى مدريد. فجأة، لم تعد المسألة شأنًا رياضيًا، ولم يعد اللاعب مجرد هدّاف تُقاس قيمته بما يسجله من أهداف. أصبح، بقدرة صورة إلكترونية، طرفًا في قضية تتعلق بالاحترام والسيادة والذاكرة الوطنية.

وظهر أن التاريخ، في بعض البلدان، ليس ما وقع في الماضي، وإنما ما ينبغي للحاضر أن يقف أمامه منتصبًا، خاشعًا، حذرًا من أن تنفلت منه ابتسامة عابرة. وفي مدريد، حيث اعتاد النادي الملكي استقبال الأزمات بثقة من يملك خزائن عامرة بالكؤوس، تبدّلت لغة الكبرياء سريعًا. فالخصم هذه المرة لا يلعب بتشكيلة من أحد عشر لاعبا، ولا يمكن إيقافه بمصيدة التّسلل.

إنه سوق هائل، وجمهور بالملايين، وشبكة مصالح لا نراها على أرض الملعب، وتملك مع ذلك القدرة على التأثير في خزائن النادي أكثر من نتائج بعض المباريات. هكذا، استيقظت الحكمة التجارية، فالمبادئ جميلة ما دامت لا تكلّف كثيرًا، والكرامة المؤسسية مهيبة ما دامت الأسواق مفتوحة، والاعتذار فضيلة كبرى حين تتوقف عليه عقود الرعاية وحقوق البث والمداخيل المستقبلية.

هكذا صار التَّواضع عنوان المرحلة، وأصبحَ البَحثُ عن الكلمات المناسبة أهمَّ من البحث عن المساحات المناسبة داخل منطقة الجَزاء.

مْبابي في مواجهة إمبراطورية لا تضحك

أمام هذا المشهد، حضرت الرأسمالية بكامل أناقتها. فالزعيم الذي ارتبط اسمه بمحاربة منطق رأس المال وجدَ صورته، بعد عقود من رحيله، مُحاطة بقلق الشركات والعلامات التجارية.

لم تعد المعركة حول وسائل الإنتاج ولا ملكية المصانع، أضحت حول صورة وعقود إعلانية وملايين المشاهدين. يا لها من خاتمة مدهشة لمسيرة ثورية؛ أن يصبح الدفاع عن رمز من رموزها مرتبطًا بحسابات الرعاة، وأن تتحول الحساسية التاريخية إلى متغير اقتصادي تُدرِّسُه أقسامُ التَّسويق!

لم يكن مبابي بريئًا تمامًا من سوء التقدير، فالشهرة الدولية لا تمنح صاحبها حقَّ تجاهل اختلاف الثقافات، والكلمة التي تمرّ خفيفة في بيئة قد تسقط ثقيلة في أخرى. لكن حجم الضَّجة كشف بدوره عن اختلال غريب في موازين العالم، حيث تستطيع عبارة ساخرة أن تستدعي من اليقظة والصَّرامة ما لا تستدعيه أحيانًا قضَايا إنسانية أعظمَ شَأنًا.

هناكَ مَآسٍ تعبرُ الشَّاشات فلا تُحرك إلا العُيون، وصور سَاخرة تعبرها فتحرِّك المؤسَّسات والأسْواق. وفي هذا المشهد، بدَا الجميعُ حريصًا على شيء ما. الصين حريصة على هيبة تاريخها، وريال مدريد حريص على مصالحه، ومبابي حريص على صورته، والشركات حريصة على زبائنها.

أما حُرية المزاح، فلم تجِد من يتكفَّل بالدِّفاع عنها؛ ربما لأنها لا تملك حقوق بثّ، ولا تُوقِّع عقود رعَاية، ولا تشتري القُمصان الرياضية.

مبابي يضحك… ورأس المال يرتجف

في زمن أصبح فيه المال قادرًا على تهذيب أشد العبارات تمردًا، لم يعد السؤال عن مقدار الحرية التي يملكها النجم، ولا عن حجم القوة التي تملكها الدولة، فقد أضحى متعلّقا بذلك الحَدِّ الخفيِّ الذي تتحوَّل عنده القناعة إلى بيان اعتذار، والكبرياء إلى حساب مصرفي، والتاريخ إلى سلعة يحظر المساس بغلافها.

أما ريال مدريد، فقد تعلّم درسًا لا يُدرَّس في أكاديميات كرة القدم: يستطيع النادي أن يشتري أغلى لاعب في العالم، وأن يجمع أعظم النجوم، وأن يرفع الكؤوس أمام مئات الملايين، ثم يكتشف فجأة أن أعظم مهاراته قد لا تكون في الهجوم أو الدفاع، وإنما في فنِّ الاعتذار حين تتكلم الأسْواق.

ولعل ماو تسي تونغ، لو قُدّر له أن يشاهد هذا الفصل من التاريخ، لابْتسمَ هو الآخر؛ فقد أمضى حياته يُحارب الرّأسمالية، ثم عادت الرأسمالية نفسها، بعد موته، لتقِفَ حارسًا عند صُورته.

يُعاقَب اللاعبُ في ملاعب كرة القدم إذا لمس الكرة بيَده؛ وقد يُعاقَب في ملاعب السِّياسة إذا لمس التَّاريخ بلسانه.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

اقرأ النسخة الكاملة