ماذا تخفي تحركات نواكشوط في ملف الصحراء الغربية؟
بوريطة في زيارة سرية إلى الغزواني بعد سقوط المشروع الأمريكي بمجلس الأمن
بلاني: مبعوث الرباط في مهمة لإقناع الرئيس
يحظيه: وقوع آخر في فخ المغرب
تضع التحركات الموريتانية الأخيرة في ملف الصحراء الغربية سياسة الحياد التي تتبناها نواكشوط أمام اختبار حقيقي، بعدما كشفت زيارة غير معلنة لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى العاصمة الموريتانية عن اتصالات دبلوماسية مكثفة، تتزامن مع مرحلة شديدة الحساسية أعقبت تعثر المساعي الأمريكية داخل مجلس الأمن بعد استخدام روسيا للفيتو ضد مشروع أمريكي يخدم المخزن في ملف الصحراء الغربية.
وبين غياب التوضيحات الرسمية وتزايد المؤشرات على وجود تفاهمات خلف الكواليس، تتصاعد التساؤلات بشأن الدور الذي تؤديه موريتانيا، وما إذا كانت تحافظ فعلا على مسافة متساوية من أطراف النزاع؟ أم أن حساباتها بدأت تميل باتجاه المقاربة المغربية؟
وأعادت الزيارة التي تحدثت عنها وسائل إعلام موريتانية ومغربية، إلى الواجهة علامات الاستفهام حول طبيعة الموقف الموريتاني، خاصة أن نواكشوط لم تكشف عن مضمون المحادثات التي جمعت بوريطة بالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ومسؤولين آخرين.
وأوردت وكالة الأخبار الموريتانية المستقلة، نقلا عن مصادر خاصة، أن وزير الخارجية المغربي أدى زيارة غير معلنة إلى نواكشوط، فيما أكد موقع “كود” المغربي أن الزيارة استغرقت نحو أربع ساعات، وشملت لقاء الغزواني ومسؤولين موريتانيين، من دون الإفصاح عن فحوى المباحثات.
ولم يتوقف الغموض عند الزيارة المغربية، إذ تحدث المصدر ذاته عن زيارة سرية لمسؤول موريتاني إلى المغرب الثلاثاء الماضي، التقى خلالها مسؤولين مغاربة، في تحرك متبادل لم يصدر بشأنه أي توضيح رسمي.
ويطرح هذا التكتم تساؤلات مشروعة حول طبيعة الاتصالات التي تجري بين العاصمتين، والأهداف التي تسعى كل منهما إلى تحقيقها في ظرف إقليمي يتسم بتصاعد الضغوط ومحاولات إعادة ترتيب المواقف بشأن الصحراء الغربية.
فيما أكدت صحيفة “العربي الجديد”، الأحد، تعذّر الحصول على تعقيب من الخارجية المغربية، رغم محاولاتها المتكررة طوال مساء السبت، بشأن زيارة بوريطة إلى موريتانيا، حيث فضّلت الرباط ونواكشوط أن تكون سرية لأهداف غير معلومة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الموريتانية، على لسان الناطق الرسمي باسمها محمد ولد ببانا، أن موقفها من ملف الصحراء الغربية يقوم على “الحياد الإيجابي التام”، وأنها تريد أن تكون “جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة”، فإن التحركات غير المعلنة مع الرباط تفتح الباب أمام مساءلة هذا الموقف، خاصة في ظل غياب الشفافية بشأن طبيعة التفاهمات التي يجري بحثها.
فالحياد، إذا كان موقفا سياسيا حقيقيا، يفترض وضوحا في التعامل مع الأطراف المعنية، وعدم الانخراط في ترتيبات قد تمس بحقوق الشعب الصحراوي أو تكرس الوقائع التي يسعى المغرب إلى فرضها. أما استمرار الاتصالات المغلقة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بملف الصحراء الغربية، فيجعل من الصعب تبديد الشكوك بشأن حقيقة الدور الموريتاني.
وفي قراءة لهذه التحركات، اعتبر المختص في الشأن المغاربي حمدي يحظيه، في تعليق لـ”الشروق”، أن موريتانيا وقعت مجددا في “الفخ المغربي”، مشيرا إلى أن التطورات التي سبقت الموقف الروسي في مجلس الأمن توحي، بحسب تقديره، بأن نواكشوط راهنت على تمرير المشروع الأمريكي، أملا في الاستفادة من ترتيبات محتملة تتعلق بملف الصحراء الغربية.
وربط يحظيه بين ما أثير بشأن مطالب موريتانية تتعلق بمدينة لكويرة، وما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول ترسيم الحدود، وبين ما اعتبره محاولات لإقناع نواكشوط بأن القضية ستُحسم وفق التصور المغربي، وأن عليها استغلال الظرف لتحقيق مكاسب خاصة.
وذهب المتحدث إلى أن المغرب والولايات المتحدة وفرنسا والإمارات والكيان الصهيوني أقنعوا موريتانيا، وفق قراءته، بأن المشروع الأمريكي سيمر في مجلس الأمن، وأن المرحلة المقبلة ستتيح لها الحصول على نصيب من الترتيبات المرتقبة. غير أن الموقف الروسي، الذي أسقط المشروع، أربك هذه الحسابات وأعاد نواكشوط إلى دائرة الضغوط.
وأشار يحظيه إلى أن هذه الضغوط، وفق تقديره، تجلت في عدة تحركات، من بينها توجيه سكان المناطق الشمالية نحو الجنوب، واستدعاء وفد عسكري موريتاني رفيع المستوى إلى الرباط، فضلا عن الحديث عن إغلاق معبر الكركرات وتوقف إمدادات الخضر المغربية إلى موريتانيا، وصولا إلى زيارة بوريطة التي اعتبرها حلقة في مسعى لوضع نواكشوط أمام ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة.
وحذر المختص في شؤون المنطقة المغاربية من أن استمرار موريتانيا في مقاربة قد تُفهم على أنها تقارب مع الطرح المغربي سيؤثر في علاقاتها مع الصحراويين والجزائر، معتبرا أن نواكشوط قد تخسر حلفاءها الحقيقيين إذا تمادت في خيارات لا تنسجم مع الحقوق المشروعة للشعب الصحراوي.
وشدد يحظيه على أن الموقف الروسي لا ينبغي اختزاله في مجرد مناكفة مع الولايات المتحدة، بل يجب النظر إليه من زاوية إستراتيجية أوسع، محذرا من أن سياسة الحياد الموريتانية تواجه مرحلة بالغة الصعوبة، وأن محاولة الإمساك بالعصا من الوسط قد تتحول إلى عبء على نواكشوط بدل أن توفر لها هامش المناورة.
من جهته، تناول السفير السابق عمار بلاني الزيارة في تدوينة نشرها على صفحته بموقع “الفايس بوك” تحت عنوان “الصحراء الغربية: بوريطة في مهمة لإقناع الغزواني”، معتبرا أن عودة وزير الخارجية المغربي إلى نواكشوط بعد ست سنوات من آخر زيارة تأتي في ظرف بالغ الحساسية، بعد أسبوع واحد من انتهاء ولاية بعثة المينورسو.
وركز بلاني على غياب أي بيان رسمي بشأن الزيارة، رغم استقبال بوريطة من قبل الرئيس الموريتاني، معتبرا أن هذا التكتم يعزز فرضية أن المحادثات تجاوزت المشاورات الدبلوماسية المعتادة إلى مسعى لإقناع نواكشوط بمقاربة مغربية جديدة للتعامل مع التطورات في الصحراء الغربية.
وبحسب قراءة السفير الجزائري السابق، فإن الرباط تسعى إلى تقديم انتهاء مهمة البعثة الأممية باعتباره مدخلا لمرحلة جديدة، تدفع خلالها باتجاه التعامل مع الإقليم على أساس ادعاءاتها بشأن السيادة عليه، وهو ما قد ينعكس على طبيعة الحدود والتوازنات الإقليمية.
ورجح بلاني أن تكون المحادثات قد تناولت محاولة إقناع موريتانيا بالتعامل مع حدود الصحراء الغربية باعتبارها حدودا جديدة للمغرب، إلى جانب استعراض حزمة من المصالح الاقتصادية التي قد تستخدمها الرباط لتعزيز التقارب مع نواكشوط، بما في ذلك التجارة الثنائية والممرات البرية والربط الإقليمي ومشروع خط أنابيب الغاز.
كما أشار إلى احتمال طرح قضية لكويرة، بالنظر إلى أهميتها الإستراتيجية بالنسبة إلى موريتانيا، معتبرا أن الرباط قد تسعى إلى تقديم ترتيبات بشأنها في إطار تفاهمات تستهدف تحقيق تقارب سياسي واقتصادي بين الطرفين.
ورأى بلاني أن الهدف السياسي الأوسع لهذه التحركات يتمثل في دفع موريتانيا تدريجيا إلى الابتعاد عن جبهة البوليساريو والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي تعترف بها، وحثها على إبداء قدر أكبر من البراغماتية في اتصالاتها مع واشنطن والمبعوث الأممي ستافان دي ميستورا.
ويطرح هذا التقدير تساؤلات بشأن طبيعة المقابل الذي يمكن أن تعرضه الرباط على نواكشوط لإحداث تحول في موقفها، خاصة فيما يتعلق بملف لكويرة، الذي يمثل أحد أبرز الملفات ذات الحساسية الإستراتيجية بالنسبة إلى الجانب الموريتاني.